دوليات

خيبة أمل أمريكية من نتائج الحرب.. إيران تحدد مسار إنهاء الحرب وفق شروطها

بقلم ابتسام الشامي

فالحرب التي أريد لها تغيير الشرق الأوسط لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية تبرز نتائجها الأولية بداية تقلص مساحة النفوذ الأمريكي بعد عقود طويلة من الهيمنة.

النقاط العشرة الإيرانية

عكس اتفاق وقف إطلاق النار المعلن بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية مؤشرات مهمة حول موازين القوى المتشكلة بفعل الميدان بعد نحو أربعين يوماً من بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية المفروضة على إيران. وإذا كانت الحرب قد بدأت بسقف عال من الأهداف يتقدمها تغيير النظام فإن ما آلت اليه التطورات الميدانية دفعت الرئيس الأمريكي المستعلي إلى القبول مرغماً بشروط طهران لوقف الحرب، وبالتالي وقف غرقه وبلاده في وحولها، وهي شروط لا تحقق الحد الأدنى من الأهداف الطموحة لترامب وشريكه في الحرب رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو. وقبيل ساعات قليلة من نهاية المهلة التي وضعها ترامب لعقد اتفاق مع إيران، أعلن فجر الثامن نيسان الجاري التوصل إلى اتفاق وصفه بأنه “أساس صالح للتفاوض لإنهاء الخلافات السابقة”، وذلك بناء على مقترح إيراني مكون من 10 نقاط.

وبحسب وكالة تسنيم الإيرانية فإن بنود المقترح الإيراني شملت التالي:

– تعهد الولايات المتحدة من حيث المبدأ بضمان عدم الاعتداء.

– استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز.

– القبول بالتخصيب.

– رفع جميع العقوبات الأولية.

– رفع جميع العقوبات الثانوية.

– إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن.

– إنهاء جميع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

– دفع تعويضات لإيران.

– خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة.

– وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد المقاومة الإسلامية البطلة في لبنان.

وما أوردته الوكالة الإيرانية، أكده أيضاً الإعلام الأمريكي، فبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن المقترح الإيراني الذي نقله وسطاء باكستانيون ينص المقترح على الرفع الكامل لجميع العقوبات الدولية على إيران وعلى تقديم ضمان رسمي بعدم تعرض إيران لهجمات مستقبلية، علاوة على وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان. وكذلك يتضمن المقترح بحسب الصحيفة الأمريكية، رفع إيران “الحصار” عن طريق الملاحة الرئيسي في مضيق هرمز، وفرض تعرفة قدرها مليوني دولار لكل سفينة يجري تقاسمها بين إيران وسلطنة عُمان. ومن جهة أخرى، يدعو المقترح إلى أنه بدلاً من مطالبة إيران بتعويضات مباشرة، فإنها ستستخدم حصتها من رسوم عبور مضيق هرمز لإعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.

هزيمة عسكرية وسياسية

هذه البنود التي وافق عليها ترامب كأساس تفاوضي لوقف الحرب مع إيران خيّبت آمال الأمريكيين لاسيما من أنصار الرئيس الأمريكي بعدما قدّم لهم الحرب بوصفها محطة على طريق استعادة الولايات المتحدة الأمريكية عظمتها. وربطاً بهذا التطور السياسي انخفضت نسبة تأييد ترامب إلى أقل من 40%، في أدنى مستوى لها منذ انتخابه لولاية ثانية. وبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “Issues & Insights/Tipp Poll”، في الفترة الممتدة بين 31 آذار و2 نيسان، فإن 39% من المشاركين ينظرون إلى ترامب بشكل إيجابي، و53% لديهم رأي سلبي، فيما عبر 8% بأنهم “غير متأكدين”.

وإذا كان الجمهور الأمريكي قد عبر من خلال الاستطلاع عن رأيه بالاتفاق، فإن الإعلام الأمريكي تولى ترجمة المعنى السياسي لما انطوى عليه الأساس التفاوضي الذي وافق عليه الرئيس الأمريكي. وفي هذا الإطار أوضح تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست أنه فيما يقول المسؤولون الأمريكيون إنهم “حققوا أهدافهم العسكرية”، بما في ذلك ضمان “عدم تمكن إيران أبداً من الحصول على سلاح نووي”، فإن الأخيرة تحتفظ بإمداداتها من اليورانيوم المخصب، وهي لم توافق على تسليمه. مشيرة إلى أن فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل الحرب يجري تصويره على أنه انتصار، فيما لم يعُد البيت الأبيض يناقش مطالب ترامب السابقة، وفي مقدمها الاستسلام غير المشروط لإيران والإطاحة بنظامها السياسي. وتنقل الصحيفة عن مستشار ترامب السابق لمكافحة الإرهاب جو كينت قوله “ما من حلّ عسكري للصراع في الوقت الحالي، فضلاً عن أن كل إجراء قمنا به عسكرياً لم يؤد إلا إلى تقوية النظام، وقد ساهم كثيراً في زعزعة استقرار المنطقة بأكملها”.

بدورها، رأت مجلة “تايم” الأمريكية أن قرار ترامب التراجع عن تهديده بقصف البنية التحتية الإيرانية قبل قبوله بالنقاط العشرة الإيرانية، إنما يعكس نمطاً مألوفاً في رئاسته، بما في ذلك إصدار تهديدات متطرفة، ثم إعادة تقييمها مع تزايد التركيز على مخاطر تنفيذها، بالتوازي مع ما سمتها الضغوط المتناقضة التي تمارَس على البيت الأبيض الذي أمضى أسابيع يقترب من حرب أوسع نطاقاً بينما يبحث عن طريقة للخروج منها.

وفي سياق متصل، رأى الكاتب الأمريكي جوان كول، أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوصل إلى وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين جاء استناداً إلى خطة العشر نقاط التي قدمتها إيران، وهذا يعني من وجهة نظره أن طهران انتصرت بالحرب.

وفي مقالة نُشرت على موقع “Asia Times”، تحدث الكاتب عن فشل المحاولة “الإسرائيلية” الأمريكية لقطع رأس الحكومة الإيرانية، مضيفاً أن جرائم الحرب التي ارتكبها ترامب، ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو ولغة خطابهما الوحشية جعلت العديد من الدول تدعم إيران لفظياً أو أقله تعارض الحرب عليها. وبحسب الكاتب الأمريكي فإن “إسرائيل تخرج من هذه الحرب كطرف منبوذ، بينما هبطت مكانة الولايات المتحدة، بحيث سيكون هناك تردد كبير للتعاون معها”.  وإذ شدد على أن الأضرار بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط كانت بالغة جداً، قال “إن إيران أثبتت، أن وجود القواعد الأمريكية لا يحمي البلد المضيف بل يجعله مكشوفاً أمام خطر أكبر”.

وليس بعيداً عن هذه القراءات، يؤكد الرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأمريكي الجديد ريتشارد فونتين، أن إيران “لا تزال تسيطر على مضيق هرمز، وهو ما لم يكن عليه الحال قبل الحرب”، وأضاف في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز “أجد صعوبة في تصديق أن الولايات المتحدة والعالم يمكن أن يقبلا وضعاً تظل فيه إيران مسيطرة على نقطة تفتيش رئيسة للطاقة إلى أجل غير مسمى. وستكون تلك نتيجة أسوأ مادياً مما كانت عليه قبل الحرب”. متسائلاً “هل نظرت إلى خطة إيران؟ هي تبدو أشبه بقائمة أمنيات ما قبل الحرب، والتي تدعو إلى الاعتراف العالمي بحقها في تخصيب اليورانيوم، وإزالة جميع القوات الأمريكية من المنطقة، ورفع العقوبات الاقتصادية، جنباً إلى جنب دفع تعويضات لطهران عن الأضرار التي سببتها الحرب”.

خاتمة

تكشف القراءات المختلفة لقبول الرئيسي الأمريكي خطة النقاط العشر الإيرانية على خطورتها، بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، حجم المأزق الأمريكي في هذه الحرب، بعدما نجحت إيران في إيقاعها العسكري وتقليص قدرة واشنطن على المراوغة والمناورة وتدفيعها ثمناً باهظاً لمغامرات البيت الأبيض المدفوعة من تل أبيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *