حان وقت كسر الجمود الاستراتيجي – التحدي الجوهري الذي يواجه إسرائيل
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
إسرائيل تعيش حالة جمود مستمرة، حيث لا تُترجم إنجازاتها العسكرية التكتيكية المبهرة إلى نصر سياسي وأمني. كيف لنا أن نخرج من هذا الجمود
في عام 2026، إسرائيل أقوى عسكرياً مما كانت عليه في عام 2023. ولكن على الرغم من إنجازاتها العسكرية، وقوتها الاقتصادية، والصمود الذي أبدته جبهتها الداخلية في مواجهة التهديدات الأمنية، فإنها تمر بواحدة من أدنى نقاط الضعف الاستراتيجية في تاريخها.
إسرائيل تعيش ما يُمكن وصفه بـ”الجمود الاستراتيجي” – جمود مستمر لا تُترجم فيه إنجازاتها العسكرية التكتيكية المبهرة وتعاونها العسكري غير المسبوق مع الولايات المتحدة إلى نصر سياسي وأمني مستدام.
السؤال المطروح: ما الذي يُمكن لإسرائيل فعله، بل وما الذي ينبغي عليها فعله، للخروج من هذا الجمود، وهزيمة أعدائها في مختلف الساحات، وتحقيق التحول الاستراتيجي الذي يضمن أمنها في المستقبل؟ لا يكمن الحل في زيادة القوة العسكرية فحسب، بل في فهم أهداف العدو وخلق حركة مضادة تُفكك المنطق الذي دفع إلى هجوم 7 ت1، وتُساعد على استئناف التقدم نحو التطبيع الإقليمي مع إسرائيل وتحسين مكانتها الدولية. ويتمثل جوهر هذه الخطوة في صياغة “خارطة طريق عملية” للساحة الفلسطينية، تُنفذ بدعم أمريكي، وتخضع لاستيفاء شروط أمنية صارمة في قطاع غزة والضفة الغربية، فضلاً عن السعي إلى إبرام اتفاقيات مع لبنان وسوريا.
بعد مرور أكثر من عامين على هجوم 7 ت1، أصبحت جبهات القتال المفتوحة التي تخوضها إسرائيل عديدة ودامية: حرب استنزاف لا مركزية تُشن في قطاع غزة؛ على الحدود الشمالية، يُجلى عشرات الآلاف من السكان من منازلهم وسط تبادل يومي للهجمات مع حزب الله، بينما تلتزم إسرائيل بضبط النفس والحد من ردودها ضد التنظيم نتيجة للضغوط الأمريكية الناجمة عن الترويج لمذكرة التفاهم مع إيران والمفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران. وفي الضفة الغربية، تشهد المنطقة توتراً شديداً وتتطلب تخصيصاً دائماً للموارد. في الوقت نفسه، لا تُشجع إسرائيل المفاوضات الأمنية مع سوريا، ويُتيح هذا الجمود لتركيا توسيع نفوذها على هذا البلد وأراضيه. ويبدو أن لا الحوار مع الحكومة اللبنانية، ولا حتى الاتفاق الإطاري المهم المُوقع بين البلدين في واشنطن بوساطة أمريكية في 26 حزيران 2026، سيُغني عن خطوة تكميلية ضرورية للتحرك العسكري ضد حزب الله. إضافةً إلى ذلك، تشهد إسرائيل تآكلاً غير مسبوق في مكانتها الدولية، بدءاً من العزلة الدبلوماسية في المؤسسات الدولية وصولاً إلى التهديدات بالحصار وفقدان الشرعية في الدول الغربية.
تُوجَّه ضربةٌ بالغة الخطورة ومقلقة إلى أهم محاور الأمن القومي: العلاقات الإسرائيلية الأمريكية. فالأزمة المتفاقمة مع الإدارة الأمريكية، والتي تتسم بخلافات علنية حول “اليوم التالي” وانعدام الثقة الواضح، تُلحق الضرر بقدرة إسرائيل على الردع وتُقيّد حرية القدس العسكرية والسياسية. تتصرف إسرائيل بدافع الدفاع، رادة على تحركات العدو، ومُديرةً لأزمة متعددة القطاعات بمنظور قصير المدى: فهي تُمارس لعبة “الداما” – وهي لعبة خطية من الهجمات التكتيكية المضادة – بينما يُمارس أعداؤها، بقيادة إيران، لعبة “الشطرنج” الجيوسياسية متعددة الأبعاد وطويلة الأمد ضدها، وذلك بربط الساحة الإيرانية بلبنان، وإلى حد ما بقطاع غزة، وربما لاحقاً بالحوثيين. تُرسّخ إسرائيل موقعها في الفضاء التكتيكي بينما يُناور أعداؤها في الفضاء الاستراتيجي.
الخطوة الرامية إلى إحباط التطبيع مع إسرائيل
والتحول الاستراتيجي المطلوب
للفوز في لعبة الشطرنج الإقليمية، يجب أولاً فهم خطة معركة الخصم. شنّ يحيى السنوار هجوم 7 ت1 لأسباب عديدة، كان من أهمها إحباط عملية التطبيع بين إسرائيل والسعودية. من وجهة نظر عناصر “محور المقاومة” بقيادة طهران، كان الهجوم خطوة وقائية حاسمة تهدف إلى إحباط أي اختراق دبلوماسي بين إسرائيل والسعودية (عشية الهجوم، كان المسار الأمريكي السعودي الإسرائيلي يسير بخطى حثيثة نحو اتفاق تطبيع)، والذي كان من شأنه، في رأيهم، أن يؤدي إلى اندماج إسرائيل كعامل مهم في بنية إقليمية جديدة، مما كان سيضعف إيران ويدفع القضية الفلسطينية بعيداً عن الأجندة الدولية. كان هجوم 7 ت1 يهدف إلى دفن “اتفاقيات أبراهام”، وإعادة إشعال الصراع الإسرائيلي العربي، وحبس إسرائيل في “حلقة نار” أبدية.
لذلك، يجب أن يتغير تعريف إسرائيل لـ “النصر الكامل”. إن تدمير كتائب حماس أو القضاء على قياداتها العليا شرط ضروري، ولكنه غير كافٍ. فالنصر الاستراتيجي الحقيقي – أو ما يُعرف بـ”تأثير الارتداد” – لن يتحقق إلا عندما تتحول أهداف العدو الأصلية إلى فشل ذريع. إن إتمام مشروع التطبيع مع السعودية، وتوسيع “اتفاقيات إبراهيم”، وعزل لبنان عن محور المقاومة، ومنع إيران من التأثير على سوريا، كلها أمور ستشكل هزيمة ساحقة لحماس وحزب الله وإيران. هذه الخطوة ستوضح لطهران أن استراتيجيتها العدوانية قد حققت عكس ما كانت تأمله.
تحويل “رؤية الدولتين” إلى “خارطة طريق عملية”
يتطلب التفاوض مع الإدارة الأمريكية بشأن هذه القضية تحولاً جذرياً: الانتقال من الدفاعية الأيديولوجية (“لماذا يُعدّ النموذج الأمريكي خطيراً” فيما يتعلق بقطاع غزة، واحتمالية وجود مرونة خطيرة في تنفيذ خطة النقاط العشرين) إلى مبادرة أمنية عملية (“كيفية إرساء الاستقرار على الأرض، وكيفية تهيئة الظروف لإعادة الإعمار والتقدم في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية الخاضعة للسلطة”).
في مفاوضاتها مع الإدارة الأمريكية، يجب على إسرائيل التوقف عن تصوير نفسها كـ”رافضة للسلام” بشكل مزمن، وهو ما يؤدي تلقائياً إلى رفض المبادرات السياسية. وفي الوقت نفسه، يجب عليها تبني نهج واقعي مشروط بالأمن. في الاجتماعات المغلقة والوثائق الرسمية، يتعين على الوفد الإسرائيلي تحويل التركيز الدبلوماسي من الرؤى السياسية المجردة لحل الدولتين – وهو نموذج تآكلت فيه ثقة الرأي العام الإسرائيلي حتى قبل السابع من ت1، ومصطلح بات يُنظر إليه في الواقع ما بعد السابع من ت1 على أنه مكافأة واضحة للإرهاب – إلى معايير ملموسة لإدارة المخاطر. ولتحقيق هذه الغاية، يجب على إسرائيل أن توضح لواشنطن أنها لا تعارض فكرة الحكم الذاتي الفلسطيني بحد ذاتها، ولا عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، بل تعارض الجداول الزمنية المثالية وتحقيق السيادة الفلسطينية غير المدعومة بالقدرة على الحكم على أرض الواقع.
يجب أن يكون اختبار النتائج هو الحجة الرئيسية للبيت الأبيض: فالسيادة الفلسطينية المطلقة دون بنية أمنية محكمة ستؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية فوراً، وصعود حماس في الضفة الغربية، وتحويل المنطقة بأكملها إلى قاعدة إيرانية – وهو سيناريو من شأنه تقويض جميع المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بما في ذلك بنية التطبيع الإسرائيلي السعودي
شروط أساسية لا تقبل المساومة
لفصل الرؤية الرومانسية عن الواقع الإقليمي القاسي، يجب على إسرائيل أن تقدم للإدارة الأمريكية قائمة صارمة من الشروط الأساسية العملياتية التي لا تقبل المساومة لأي تقدم سياسي. سيتم صياغة هذه الشروط وتقديمها إلى البنتاغون وأجهزة الاستخبارات الأمريكية بلغة أمنية احترافية:
1- حرية عملياتية كاملة للجيش الإسرائيلي و (الشاباك): في كامل المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر، على غرار النموذج القائم حالياً في أراضي الضفة الغربية، دون أي حد زمني
2- نزع السلاح الكامل والدائم من الأراضي الفلسطينية: من الأسلحة بعيدة المدى، والأسلحة المضادة للدبابات، والأسلحة المتطورة، بما في ذلك سيطرة إسرائيلية كاملة بلا منازع على محيطها الخارجي (وادي الأردن، ومحور فيلادلفيا، والمجالين البحري والجوي)
3- تغيير هيكلي في اجهزة السلطة الفلسطينية: بدءاً من وقف صرف رواتب الإرهابيين (“آلية الدفع مقابل القتل”)، مروراً بإصلاح جذري للنظام التعليمي وإزالة المحتوى التحريضي، وصولاً إلى إنشاء آلية أمنية فلسطينية جديدة، تخضع لتدريب وإشراف أمريكي خليجي مكثف، وتُظهر قدرة فعّالة على تفكيك البنى التحتية الإرهابية في شمال الضفة وجنوب غزة
يجب على إسرائيل أن توضح للإدارة الأمريكية استعدادها لتقديم خطة سياسية تُفضي إلى تغيير جذري في قطاع غزة والساحة الفلسطينية، لكن وتيرة التقدم على أرض الواقع ستتحدد حصراً بتحقيق هذه الأهداف العملياتية (النهج القائم على الأداء)
الرافعة السعودية وممارسة الضغط على واشنطن والرياض
تكمن نقطة ضعف السياسة الأمريكية في طموح الإدارة التاريخي لإبرام صفقة دفاعية ضخمة مع السعودية قبل تغير الادارة المقبلة. ينبغي لإسرائيل استغلال هذا الإلحاح كورقة ضغط معاكسة. فبدلاً من الدفاع عن نفسها ضد مطالب الولايات المتحدة بـ”رؤية فلسطينية”، عليها أن تُقدم الخطوط العريضة السياسية التي تراها معقولة، مع العمل في الوقت نفسه على بناء جبهة عملية سرية مع الرياض. يحتاج محمد بن سلمان إلى القدرة على إظهار التقدم المُحرز في القضية الفلسطينية لتبرير التطبيع أمام العالم العربي والإسلامي، لكنه في المحادثات المغلقة يخشى صعود دولة إرهابية متطرفة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أو إيران – وهو ما تخشاه إسرائيل أيضاً، بل إنه يحث الأمريكيين على إتمام العمل في إيران، التي يراها فرصة تاريخية. لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
لذا، ينبغي لإسرائيل أن تقدم للأمريكيين صيغةً تُرضي حاجة السعودية إلى إعلان سياسي واضح لا لبس فيه، يُعبّر عن دعم مبدئي وعلني لأفق سياسي بالتراضي، مشروط بنزع السلاح ومعايير أمنية صارمة أخرى. وبذلك، ستنقل إسرائيل زمام المبادرة إلى الولايات المتحدة والسعودية: فإذا رغبت واشنطن في هذا الإطار، فعليها الضغط على رام الله لتلبية شروط نزع السلاح والحكم الرشيد، والكفّ عن الضغط على إسرائيل للموافقة على ترتيب قائم على رؤية طوباوية، وهو ما يُعد انتحاراً أمنياً.
الخطوة الأولى: تحقيق اختراق مع السلطة الفلسطينية
إن الطريق إلى الرياض، وكذلك إلى استعادة العلاقات مع واشنطن، لا يمر عبر تجاهل القضية الفلسطينية، بل عبر إدارتها بذكاء. ولإطلاق شرارة لعبة الشطرنج الإقليمية، تحتاج إسرائيل إلى تحقيق اختراق في تعاملاتها مع السلطة الفلسطينية. لقد أوضحت السعودية بما لا يدع مجالاً للشك أن التطبيع غير ممكن دون “أفق سياسي” أو مسار لا رجعة فيه لحل القضية الفلسطينية. إن استمرار الوضع الراهن، وإن تركيز إسرائيل على رفضها تقديم رؤية سياسية واضحة، وسياستها الرامية إلى إضعاف السلطة الفلسطينية حتى انهيارها، يصبّ مباشرةً في مصلحة حماس، التي تطمح إلى السيطرة على الضفة الغربية وتولي زمام السلطة الفلسطينية فور غياب أبو مازن. في المقابل، تتمتع إسرائيل، وكذلك السعودية والولايات المتحدة، بمرونة في تحديد الرؤية والمسار، ولا سيما في وضع خارطة طريق للتقدم.
لذا، يتعين على إسرائيل اتخاذ خطوة استباقية: لا تقديم تنازلات أحادية الجانب تنمّ عن عدم مسؤولية، بل وضع خطة لسلطة فلسطينية “مُعاد تنشيطها” – سلطة تشهد إصلاحات جذرية في النظام التعليمي (بما في ذلك إنهاء التحريض)، وفي آليات تمويل الإرهابيين، وفي كفاءة الشرطة، لا من خلال بناء قوة عسكرية تابعة لها أو موازية لها. ينبغي لإسرائيل أن تطالب بتفكيك هذه القوة العسكرية، إن وُجدت. وفي مقابل هذه الإصلاحات، وبالتنسيق مع الإمارات والسعودية، ينبغي لإسرائيل ان توافق على الدمج التدريجي للسلطة الفلسطينية في الإدارة المدنية لقطاع غزة “في اليوم التالي ” (بعد تفكيك حماس، ونزع سلاح القطاع، وتنفيذ خطة النقاط العشرين)، على أن يكون أي تقدم نحو إعادة ربط القطاع بالضفة الغربية وبنية الكيان الفلسطيني مشروطاً بأداء السلطة الفلسطينية (قائماً على الأداء) وعملية التعديلات التي ستخضع لها.
سيمنح هذا الإنجاز الولايات المتحدة والسعودية المبرر السياسي اللازم للمضي قدماً نحو الاتفاق الشامل، وعزل حماس في الساحة الفلسطينية الداخلية، وتبديد شبح “الاحتلال الأبدي” الذي يُلقي بظلاله على مكانة إسرائيل في العالم.
المحور السعودي: استغلال التغيرات في السلوك السعودي
يتطلب تحليل الجبهة السعودية من إسرائيل التحرر من التصورات السابقة. لم تعد المملكة السعودية، بقيادة محمد بن سلمان، مجرد أداة طيعة في يد الولايات المتحدة. ففي السنوات الأخيرة، شهدت السعودية تراجعاً مدروساً عن التبعية الأمريكية الحصرية، واستبدلتها بسياسة خارجية. يعزز هذا النهج الاستقلالية الاستراتيجية. ومن أبرز مظاهره سعي الرياض لتشكيل تحالف سني واسع، يضم مصر وتركيا وباكستان. يهدف هذا التحالف إلى تمكين السعوديين من التحوط ضد المخاطر وخلق ثقل موازن للقوى العالمية (الولايات المتحدة والصين وروسيا) وللتهديد الشيعي الإيراني، مع ترسيخ مكانتهم كقوة إقليمية دون الاعتماد كلياً على مظلة واشنطن الأمنية الهشة.
في هذا الواقع الجديد، تحتاج إسرائيل إلى أن تُرسّخ مكانتها لا كممثل للمصالح الأمريكية في المنطقة، بل كشريك مستقل وحيوي وقوي للسعودية، وربما من خلالها للوصول إلى باكستان. تتمتع إسرائيل بمزايا لا جدال فيها، بدءاً من تقنيات الدفاع وصولاً إلى إسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة (التي أثبتت فعاليتها ضد إيران)، من خلال معلومات استخباراتية عالية الجودة، وصولاً إلى القوة التكنولوجية والطاقة، يُفترض أن يكون رصيداً استراتيجياً للسعودية، وربما لباكستان لاحقاً. ولا يُعدّ التطبيع في هذا السياق “مكسباً” لإسرائيل وحدها، بل هو أيضاً مصلحة سعودية واضحة.
الجبهة السورية: استئناف المفاوضات الأمنية
تتطلب الرؤية الاستراتيجية متعددة الأبعاد تحولاً جذرياً على الحدود الشمالية الشرقية، من خلال استئناف وتسريع المفاوضات الأمنية مع نظام الشرع في سوريا. وسيخدم تحقيق اختراق في هذا المسار أربعة مصالح إسرائيلية وإقليمية حيوية:
1- الاندماج في الرؤية الاستراتيجية للرئيس ترامب: تتناغم هذه الخطوة مباشرةً مع طموح الرئيس ترامب لتوسيع “اتفاقيات إبراهيم” لتشمل سوريا. كما ترى إدارة ترامب أن عودة سوريا إلى دائرة النفوذ العربي المعتدل مفتاحٌ لإضعاف إيران، ويمكن لإسرائيل أن تُشكّل محركاً أمنياً وعملياتياً يُتيح هذا التحرك السياسي الواسع.
2- احتواء النفوذ التركي وكبحه: تُعدّ سوريا ساحةً لطموحات أنقرة في الهيمنة. إن تسريع وتيرة الحوار الأمني مع دمشق، بدعم من دول الخليج، سيُضعف النفوذ التركي في سوريا والشرق الأوسط برمته بشكل مباشر.
3- تحقيق الاستقرار الأمني ومنع ترسيخ إيران: إن توفير “مخرج” للنظام السوري الموالي لإيران، عبر حوافز اقتصادية وضمانات أمنية، سيمكنه من تقييد حرية عمل الحرس الثوري وحزب الله على أراضيه. كما أن إضعاف قبضة الإرهاب في سوريا سيخلق منطقة عازلة مادية ومستمرة تقطع خطوط الإمداد الإيرانية إلى بيروت.
4- تقليص الانتشار العسكري وتفريغ الموارد: يُجبر الواقع الأمني الراهن الجيش الإسرائيلي على الاحتفاظ بقوات كبيرة ودائمة في مرتفعات الجولان والجبهة الشمالية. إن أي ترتيب أمني، حتى لو كان مؤقتاً أو محدوداً، مع نظام ذي سيادة في دمشق، سيمكّن من تحقيق استقرار أمني طويل الأمد، وسيسمح في الوقت نفسه بتقليص الانتشار العسكري في المنطقة. إن إتاحة الموارد والقوات أمرٌ ضروري لتمكين الجيش الإسرائيلي من تجديد صفوفه والتركيز على التهديدات المباشرة الأخرى.
5- تحسين مكانة إسرائيل الدولية: من خلال تسريع المفاوضات، وبالتأكيد مع تقدمها ونجاحها، وهو ما سينعكس أيضاً في العودة إلى الاستعدادات على غرار اتفاقية الانفصال قبل الحرب، سيتم تعزيز صورة دولة إسرائيل كدولة تسعى إلى الاتفاقات والاستقرار، وتخلو من أي مطامع إقليمية.
الجبهة اللبنانية: تسريع المفاوضات مع لبنان كأداة لتفكيك المحور
بالتوازي مع المحور السوري، يجب أن تتضمن العملية السياسية تحولاً جذرياً على الجبهة الشمالية. إن سبيل إضعاف حزب الله لا يمر فقط عبر الضربات الجوية والمناورات العسكرية في عمق الأراضي اللبنانية، بل أيضاً عبر تسريع المفاوضات السياسية مع الحكومة اللبنانية الشرعية، بدعم دولي وعربي واسع. يُمثل الاتفاق الإطاري المُوقع في 26 حزيران 2026 اختراقاً هاماً في هذا السياق، وإن كان مجرد بداية لمسار يتطلب دعماً أمريكياً وسعودياً كبيراً للحكومة اللبنانية وجيشها، ومشاركة أمريكية فعّالة في الإشراف على أنشطة الجيش اللبناني في الجيبين اللذين سيُنقلان بموجب الاتفاق إلى مسؤوليته، كأساس ضروري لمواصلة العملية وإعادة نشر الجيش الإسرائيلي واللبناني في المنطقة، دون السماح لحزب الله باستعادة قدراته.
ينبغي على إسرائيل أن تُقدم اقتراحاً واضحاً لتسوية جميع نقاط النزاع على الحدود البرية (بما في ذلك مزارع شبعا والغجر) وتقديم ضمانات دولية لتنفيذ قرار مُحسّن للأمم المتحدة (على غرار القرار 1701). يجب تنسيق هذه الخطوة السياسية مع دول الخليج (السعودية والإمارات العربية المتحدة)، التي ستُقدم حوافز اقتصادية لإعادة بناء الدولة اللبنانية المنهارة وجيشها، شريطة انسحاب حزب الله إلى ما وراء الليطاني وتفكيك قواته العسكرية.
ستضع هذه الاستراتيجية حزب الله في فخ. إذا رفض التسوية واستمر في القتال، فسينظر إليه الرأي العام اللبناني (بما في ذلك بعض أفراد الطائفة الشيعية) على أنه يعمل لصالح طهران ويعرقل وصول مليارات الدولارات من المساعدات. إن تحويل لبنان من ساحة قتال حصرية لحزب الله إلى ساحة مواجهة سياسية مع الحكومة اللبنانية سيقوض شرعية الحزب الداخلية. وسيُشكل الحزب أداة ضغط فعالة لعزل بيروت عن محور المقاومة.
وبعيداً عن البُعد الأمني، يُعد البُعد الاقتصادي حجر الزاوية الذي بدونه سينهار النظام السياسي تجاه لبنان. فحزب الله ليس مجرد منظمة إرهابية، بل هو شبكة أمنية اجتماعية واقتصادية للطائفة الشيعية وآلية ابتزاز للدولة اللبنانية. ولإخراجه من لبنان، يجب على إسرائيل تشجيع بنية أمنية اقتصادية تكون فيها مزايا دول الخليج أوسع وأكثر إغراءً من تدفق الأموال الإيرانية، ولكنها مشروطة صراحةً باحتواء الحزب بشكل منهجي، وإن كان تدريجياً. تُقدّر الخسائر المباشرة الناجمة عن فترات القتال الأخيرة في لبنان بمليارات الدولارات، وقد شهدت البلاد منذ آذار 2026 انخفاضاً حاداً في الإيرادات العامة.
هذه فرصة سانحة لخلق نفوذ اقتصادي من خلال سلسلة من المشاريع الهامة، تشمل: إحراز تقدم في تطوير مصادر الغاز اللبنانية، مما سيساعدها على الخروج من أزمة ديون ضخمة؛ إعادة بناء البنية التحتية الحيوية بدعم من إطار التمويل الذي أقره البنك الدولي مع إشراف دقيق لمنع تمويل الإرهاب وتجاوز آليات حزب الله؛ إنقاذ النظام المصرفي واستقرار العملة بمساعدة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي سياق الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان، ينبغي على إسرائيل تشجيع الولايات المتحدة وفرنسا على دعم برنامج الخليج “المال مقابل السيادة الفعّالة”
العقبة التركية: عائق إقليمي و “مُعرقِل”
يُعدّ سلوك تركيا في عهد رجب طيب أردوغان أحد أبرز التحديات التي تعترض سبيل تحقيق هذه الخطوة الطموحة. تعتبر أنقرة، التي ترى نفسها زعيمة العالم السني وراعية لحركة الإخوان المسلمين (وحماس تحديداً)، أن التطبيع الإسرائيلي السعودي الواسع النطاق يمثل تهديداً مباشراً لطموحاتها الإقليمية. وقد يتصرف أردوغان كعامل تخريبي خطير، إذ قد يسعى إلى إحداث شرخ في التحالف السني المتنامي، وتحريض الرياض وإسلام آباد ضد التقارب مع إسرائيل، وتكثيف الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية ضدها، ومنح اللجوء السياسي والاقتصادي لكبار مسؤولي حماس المقيمين حالياً في قطر. وينشط بالفعل ناشطون بارزون من الأراضي التركية، وبموافقة تركيا الكاملة، بل وربما بتشجيعها، على تطوير البنية التحتية الإرهابية لحماس في الضفة الغربية، وتنظيم عمليات إرهابية ضد إسرائيل.
ولتحييد العقبة التركية وكبح جماح طموحات إسرائيل للهيمنة في المنطقة، يتعين عليها اتخاذ سلسلة من الخطوات المتزامنة على جبهات متوازية.
1- الاستفادة من القناة السورية: سيساهم تسريع وتيرة التواصل الأمني والسياسي مع دمشق في تعزيز سيادة وشرعية نظام الشرع على كامل الأراضي السورية، وتقويض المبررات التركية لاستمرار وجودها العسكري في شمال البلاد، كما سيضعف، بمساعدة موارد الخليج، قبضتها الاقتصادية والسياسية هناك.
2- تسخير المحور المصري السعودي: تحتاج إسرائيل إلى تسخير نفوذ مصر والسعودية – اللتين لا تمانعان في تعزيز تركيا لنفوذها في الشرق الأوسط – لكبح جماح أنقرة بشكل جماعي.
3- منع أي تدخل تركي كبير في الساحة الفلسطينية عموماً، وفي قطاع غزة خصوصاً
4- تعزيز التحالف اليوناني: توسيع التعاون الإقليمي مع قبرص واليونان وتعميقه، وتهيئة الظروف لبناء جسر بين آسيا وأوروبا مستقبلاً، من خلال أطر مثل الممر الدولي.
5- استخدام النفوذ الاقتصادي والسياسي الأمريكي: يحتاج الاقتصاد التركي الهش إلى الاستقرار، ومن المفترض أن أردوغان يدرك أن معارضة التحركات المدعومة من واشنطن والرياض ستكون لها عواقب وخيمة. ينبغي الضغط على إدارة ترامب، من خلال حوارٍ مُعمق، لتوضيح موقفها لأنقرة بأن الإضرار بالبنية الإقليمية الجديدة سيؤدي إلى عقوبات اقتصادية قاسية
العقبات الداخلية: حدود الحيز السياسي الإسرائيلي
لا يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه تنفيذ هذه الاستراتيجية في العواصم العربية، بل في القدس. فالحيز السياسي في إسرائيل اليوم يتسم بانقسامٍ عميق واستقطابٍ غير مسبوق. ويُؤدي هيكل الائتلاف الحالي واعتماده على عناصر اليمين المتطرف إلى شللٍ فكري، حيث يُنظر إلى أي ذكرٍ لـ “إصلاح السلطة الفلسطينية” أو “أفقٍ سياسي” على أنه استسلامٌ أو تنازلٌ غير مقبول.
هذه هي المفارقة الإسرائيلية الجوهرية: فالحاجة الأمنية الاستراتيجية الأكثر إلحاحاً – الانضمام إلى المحور السني، والتوصل إلى اتفاقٍ في الشمال، وإيجاد قناة اتصال مع سوريا، واستعادة العلاقات مع الولايات المتحدة – تصطدم مباشرةً بحدود بقاء الائتلاف الحكومي الحالي سياسياً على المدى القريب. إن القيادة الإسرائيلية الراغبة في البقاء مُطالبة باتخاذ قرارات صعبة: إدراك أن “المقايضات” المطلوبة (وخاصة الموافقة المبدئية على مسار سياسي مُحكم مع الفلسطينيين) ثمن زهيد مقارنةً بالمكاسب الهائلة المتمثلة في تفكيك محور الشر الإيراني. إن الاستمرار في لعب “لعبة الداما” المحلية لإرضاء القواعد السياسية سيؤدي إلى عزلة إسرائيل واستنزافها وهزيمتها في الحملة الأوسع.
خلاصة وتوصيات عملية: الانتقال من لعبة الداما إلى الشطرنج
إن المأزق الاستراتيجي الذي تجد إسرائيل نفسها فيه ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة إدارة الصراع بنهج خطي وقصير النظر، لا يدمج بشكل كافٍ بين الجانبين السياسي والعسكري، ولا يُترجم الإنجازات العسكرية الكبيرة إلى تحركات سياسية تهدف إلى تحقيق أهداف شاملة. لهزيمة أعدائها اللدودين، يجب على إسرائيل أن ترفع بصرها من أنفاق غزة ومواقع حزب الله إلى رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط بأكمله. لقد حان الوقت للتوقف عن لعب لعبة الداما؛ حان وقت لعب الشطرنج
لن يتحقق التحول الاستراتيجي إلا من خلال خطوة مشتركة ومتزامنة ومدروسة التوقيت، تُترجم الإنجازات العسكرية التي تحققت خلال السنوات الثلاث الماضية إلى تغيير جيو/سياسي دائم: تحقيق اختراق ضد السلطة الفلسطينية المتجددة، مما يفتح الطريق أمام الرياض؛ واستكمال التطبيع مع السعودية ودمج إسرائيل في المحور السني المتنامي؛ وفتح قناة أمنية مع سوريا، مما يُضعف إيران وتركيا ويُتيح خفض القوات؛ وتسريع التحرك السياسي والاقتصادي مع الحكومة اللبنانية لتقويض شرعية حزب الله.
خارطة طريق للتنفيذ – توصيات عملية للمستوى السياسي
1- تشكيل فريق عمل وزاري مشترك برئاسة رئيس الوزراء (يضم مجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، والجيش الإسرائيلي، وجهاز (الشاباك)، بالإضافة إلى مسؤولين سابقين رفيعي المستوى في الأنظمة الحكومية ذات الصلة): لصياغة وثيقة بعنوان “شروط العتبة الوظيفية” لعرضها رسمياً على الإدارة الأمريكية، على أن تُصاغ الوثيقة بأسلوب احترافي وبلغة تركز على الأداء (النهج القائم على الأداء).
2- فتح قناة اتصال سرية مع الرياض ورام الله: لتحديد ملامح السلطة الفلسطينية المُجددة (إصلاحات في قطاع التعليم، ووقف تمويل الإرهابيين، وإصلاحات هيكلية، وإصلاحات في النظام الأمني)، بهدف توفير سبيل للسعوديين للتقدم نحو اتفاق التطبيع الكبير، شريطة استيفاء شروط نزع سلاح قطاع غزة والسيطرة الأمنية الإسرائيلية بالتوازي مع إصلاحات معمقة في السلطة الفلسطينية.
3- فتح قناة اتصال أمنية مُعجّلة مع دمشق بدعم أمريكي: استغلال مصالح إدارة ترامب لدمج سوريا في “اتفاقيات أبراهام”. الهدف: التوصل إلى تفاهمات أولية لإخراج القوات المعادية من جنوب سوريا، وكبح جماح سعي تركيا للهيمنة، وتثبيت الحدود بما يسمح بتقليص انتشار قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة. إضافةً إلى ذلك: بناء تحالف احتواء ضد تركيا، وذلك بتسخير جهود مصر والسعودية والولايات المتحدة لممارسة ضغوط سياسية ومالية على أنقرة، لمنعها من أن تكون “مُفسدة” أو أن توفر ملاذاً آمناً لحماس “في اليوم التالي “. بالتوازي مع توسيع وتعميق التحالف اليوناني مع قبرص واليونان. إطلاق برنامج “المال مقابل السيادة الفعّالة” مع الولايات المتحدة وفرنسا للجبهة اللبنانية، بربط تمويل واستثمارات دول الخليج (في القطاع 8، وفي ترميم البنية التحتية واستقرار العملة) بانسحاب حزب الله عبر نهر الليطاني ونقل صلاحيات السيادة إلى الجيش اللبناني، الذي سيعمل على نزع سلاح حزب الله بشكل منهجي
عندما تتحقق هذه الهيكلية الإقليمية الجديدة، سيتحول طوق النار الذي حاولت إيران فرضه حول إسرائيل إلى قبضة خانقة حول طهران ووكلائها. سيكون هذا هو النصر الحقيقي والكامل على حماس ومحور المقاومة بأكمله: حقيقة ستوضح للعدو أن قرار تنفيذ هجوم 7 ت1 ومحاولة تدمير إسرائيل هو ما أدى إلى عزلته وهزيمته السياسية الساحقة.
معهد أبحاث الأمن القومي – كوبي ميخائيل
