إقليميات

المُرشد الأعلى يُهدد.. و”ترامب” بين خطر العزل وجنون الحرب

بقلم زينب عدنان زراقط

نحن أمام مشروع لم يعد يكتفي بإدارة النفوذ، بل بات يخوض حرب وجود لإطالة عمره، مستخدماً كل أدوات التخريب: من الحصار الاقتصادي، إلى الاغتيالات، إلى تفجير الدول من الداخل، وحتى جرّ الولايات المتحدة نفسها إلى مغامرات تهدد استقرارها الداخلي.

فهل نحن أمام مشروع صهيوني بلغ ذروة اندفاعه وبدأ يصطدم بحدوده الواقعية؟ وهل تحوّلت الولايات المتحدة من قوة تقود النظام الدولي إلى أداة تُستنزف في خدمة أولويات إسرائيل؟، وهل يكشف العجز عن كسر إيران، والفشل في إخضاع فنزويلا، أن أدوات التخريب – مهما تطورت – لم تعد قادرة على حسم الصراعات؟ ثم السؤال الأخطر: هل تدفع هذه الإخفاقات المتراكمة واشنطن نحو أزمة داخلية قد تُطيح برأس السلطة نفسها، بدل أن تُسقط خصومها في الخارج؟ أم أن المنطقة والعالم يقفان على أعتاب مواجهة أوسع؟.

اللوبي الصهيوني: المُحرّك الأمريكي

دخلت السياسة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، مرحلة غير مسبوقة من الارتجال. فبدل أن تكون محكومة بتوازنات مؤسساتية، بات القرار السياسي رهينة مزاج شخصي، وصراعات داخل الإدارة، وضغوط لوبيات نافذة، وعلى رأسها اللوبي الصهيوني. هذا الواقع منح إسرائيل قدرة استثنائية على دفع واشنطن نحو التصعيد، حتى بات واضحاً أن تل أبيب لا تنتظر الضوء الأخضر الأمريكي، بل تفرض الوقائع ثم تُلزم واشنطن بتغطيتها.

التهديدات بضرب إيران، أو اغتيال قياداتها، أو استهداف بنيتها النفطية، لا تنفصل عن مأزق أمريكي أوسع: أزمة اقتصادية خانقة، تراجع الهيمنة العالمية، صعود الصين وروسيا، وفشل ذريع في تجارب التدخل السابقة من العراق إلى أفغانستان وفنزويلا. من هنا، يصبح النفط والممرات البحرية أهدافاً استراتيجية فعلية، بينما يُستخدم “النووي الإيراني” كذريعة سياسية وإعلامية.

إيران

تُشكّل إيران الهدف المركزي للمشروع الصهيوني – الأمريكي، لا بسبب ملف تقني أو خلاف سياسي عابر، بل لأنها تمثل النقيض الاستراتيجي الكامل لمنطق الهيمنة الإسرائيلية. فهي دولة تمتلك نظاماً سياسياً مركباً، وقاعدة اجتماعية عقائدية واسعة، وقدرة متقدمة على امتصاص الصدمات، ما جعل سيناريوهات الانهيار السريع التي استُخدمت في العراق أو ليبيا غير قابلة للتطبيق. من هنا، اعتمدت واشنطن وتل أبيب استراتيجية طويلة النفس، قوامها العقوبات القصوى، والحرب النفسية والإعلامية، والاختراقات الأمنية والاغتيالات، واستهداف الموارد الحيوية، والرهان على تفجير التناقضات الداخلية وصولًا إلى لحظة انفراط شامل.

غير أن الحصيلة جاءت معاكسة تماماً للتقديرات. فلم يسقط النظام، ولم تتفكك الدولة، بل تطورت القدرات العسكرية والتقنية، وتكرّس ميزان ردع إقليمي بات يقيّد إسرائيل نفسها. ولم يقتصر هذا الفشل على الجانب العسكري، بل امتد إلى الساحة التي راهن عليها الغرب كأداة حاسمة: الفضاء الرقمي. فقد سعت الولايات المتحدة، عبر شبكات الإنترنت الفضائي التابعة لإيلون ماسك، إلى تجاوز البنية الوطنية للاتصال وخلق فضاء خارجي يُستخدم في التحريض والتنسيق وإدارة الاضطرابات. إلا أن إيران نجحت، عبر قدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية والسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، في تعطيل فعالية هذه الأقمار ضمن نطاقها الجغرافي، ما أسقط رهان “الثورة الرقمية” كما أسقط من قبله رهان العقوبات والضغط الأقصى.

وتجلّى هذا التحول في ميزان القوة بأوضح صوره خلال ما عُرف بـ “حرب الأيام الاثني عشر” على إيران. ففي تلك المواجهة، اندفعت إسرائيل، بدعم أمريكي غير مباشر، في صراع ظنّت أنها قادرة على التحكم بسقفه ونتائجه. غير أن الواقع الميداني سرعان ما كشف هشاشة هذه الحسابات. فإيران لم تكتفِ بامتصاص الضربات، بل أدارت المواجهة بثبات، واحتفظت بقدرتها على التصعيد المرحلي، ما أربك الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وأصاب صورة “الردع المطلق” بتصدّع غير مسبوق. ومع تصاعد الضغط الداخلي وتعطّل مظاهر الحياة والاقتصاد، اضطرت تل أبيب إلى الطلب من واشنطن التدخل لإنهاء المواجهة.

لكن اللحظة الفارقة تمثّلت في أن طهران، وقد أمسكت بزمام المعادلة، رفضت الخروج من الحرب دون أن تكون صاحبة الضربة الأخيرة. وبالفعل، جاءت الضربة الختامية إيرانية، محسوبة في توقيتها ورسالتها، لتكريس حقيقة جديدة: إسرائيل لم تعد الطرف الذي يقرّر متى تبدأ الحروب ومتى تنتهي. ومنذ تلك اللحظة، انتقلت إيران من مرحلة تثبيت الردع إلى مرحلة فرضه.

هذا التحول تُرجم لاحقاً في موقف حاسم للقيادة الإيرانية، عبّر عنه أمر صريح من المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، مفاده أن أي تورّط إسرائيلي جديد في عدوان مباشر لن يُقابل برد مضبوط الإيقاع أو محدود السقف، بل بردٍّ شامل قد يصل إلى “حرق الأخضر واليابس”. بهذا المعنى، لم تعد المعادلة قائمة على الردع المتبادل فقط، بل على نقل كلفة أي مغامرة مقبلة إلى مستوى وجودي، وهو ما يفسّر التراجع الإسرائيلي الواضح عن خيار الحرب، والانتقال من لغة التهديد إلى إدارة الخوف والانتظار.

فنزويلا

لم يكن ما جرى في فنزويلا حدثاً منفصلاً. فاختطاف الرئيس نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير 2026 جاء تتويجاً لمسار طويل من الضغوط الأمريكية – الصهيونية. قبل ستة أشهر فقط، ناقش البيت الأبيض خيار التفاوض مع مادورو لضمان وصول الشركات الأمريكية إلى النفط، لكن هذا التوجه اصطدم بمعارضة شرسة قادها ماركو روبيو، المرتبط باللوبيات اليمينية المتطرفة والداعمة لإسرائيل.

مع تصاعد الضغوط، انتقلت واشنطن إلى الحصار البحري والتلويح بالقوة، في محاولة لدفع الجيش الفنزويلي إلى الانقلاب. الذرائع كانت واهية، من “استخفاف مادورو” إلى اتهامات جنائية سرعان ما تهاوت. الحقيقة أن القرار كان سياسياً بامتياز، مدفوعاً برغبة في كسر دولة رفضت التطبيع، وتقاربت مع إيران وروسيا والصين. المعارضة الفنزويلية، وعلى رأسها ماريا كورينا ماتشادو، لعبت دور الأداة، مقدّمة وعوداً بفتح قطاع النفط بالكامل. لكن ما إن نُفّذت عملية الاختطاف حتى تخلّت عنها واشنطن، بل أبدى ترامب ميلاً لدعم ديلسي رودريغيز كخيار “أكثر استقراراً”، ما كشف أن المعارضة لم تكن سوى غطاء مؤقت.

أما الرهان النفطي، فانكشف سريعاً: لا شركات متحمسة، لا بنية تحتية، ولا جدوى اقتصادية حقيقية. وهكذا تحوّلت فنزويلا إلى عبء سياسي وقانوني، لا إلى غنيمة.

الداخل الأمريكي: حين ينقلب السحر على الساحر

بلغ الارتداد ذروته داخل الولايات المتحدة. ففي 8 كانون الثاني/يناير 2026، أقرّ مجلس الشيوخ، بأغلبية 52 مقابل 47، قراراً يقيّد صلاحيات ترامب العسكرية، ويمنعه من شن أي حرب، بما فيها ضد فنزويلا، دون موافقة الكونغرس. انضمام خمسة جمهوريين إلى الديمقراطيين شكّل مؤشراً خطيراً على انقسام داخل حزب ترامب نفسه.

ترامب هاجم علناً من سمّاهم “المنشقين”، مهدداً بعدم إعادة انتخابهم، لكن الرسالة كانت أوضح: المؤسسة الأمريكية لم تعد مستعدة لتحمّل مغامرات قد تُستخدم للهروب من المساءلة. ومع تراجع الادعاء العام عن تهم رئيسية ضد مادورو، انهارت أجزاء أساسية من الرواية الأمريكية، ما أعاد إلى الواجهة سيناريو العزل بوصفه احتمالاً واقعياً.

في الختام، ما تكشفه الوقائع المتراكمة، من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، ليس مجرد إخفاقات تكتيكية، بل تصدّع عميق في بنية مشروع قام لعقود على فرض الإرادة بالقوة، وعلى افتراض أن التفوق العسكري والتكنولوجي كفيلان بكسر الخصوم. إيران لم تسقط على الرغم من العقوبات والاغتيالات والحصار الرقمي، بل فرضت معادلة ردع وصلت إلى حد امتلاك الضربة الأخيرة ورفع كلفة أي مواجهة إلى مستوى وجودي. وفنزويلا، على الرغم من الاختطاف والفوضى، لم تتحول إلى الغنيمة التي وُعِد بها صُنّاع القرار. أما الولايات المتحدة، فبدأت تحاسب نفسها، وظهر أن مغامرات الخارج قد تفتح أبواب الانقسام والعزل في الداخل.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالأمر يزداد تعقيداً داخلياً، فهو الآن في مأزق انتخابي واضح، مع اقتراب انتخابات أكتوبر القادمة، يدرك أن فُرَصَه في الفوز تتراجع بشكل حاد، وأن أي خسارة انتخابية ستزيد من احتمال عزله أو تقييد سلطاته بشكل دائم. وهذا الواقع يدفعه إلى التفكير في خيار المغامرة الخارجية، سواء عبر اندفاع نحو حرب، أو مواجهة مباشرة في فنزويلا أو الشرق الأوسط، أو أي تحرك عسكري آخر، كوسيلة للهروب إلى الأمام ومحاولة إعادة ضبط الزخم السياسي لصالحه، حتى لو كانت المخاطر على الدولة الأمريكية وشركائها كبيرة.

وهنا يُطرح السؤال الحاسم: هل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في تحمل كلفة المشروع الصهيوني دون أن يتفكك توازنها الداخلي؟.

ما هو مؤكّد أن زمن السيطرة بلا ثمن قد انتهى، وأن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الضربات، بل بقدرة المشاريع الكبرى على البقاء.. أو السقوط تحت ثقل تناقضاتها. فهل ما نعيشه اليوم هو بداية نظام ردع جديد، أم مرحلة انتقالية تسبق صداماً أكبر لم تُحسم شروطه بعد؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *