استمرار الخلافات الليبية حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات
بقلم توفيق المديني
تعيش ليبيا كما هو معروف على وقع الخلافات السياسية بين مجلس النواب الذي يترأسه المستشار “عقيلة صالح” في بنغازي، والمجلس الأعلى للدولة الذي يترأسه الدكتور”محمد تكالة” في طرابلس، بشأن تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، التي تمثل “إحدى الركائز الأساسية” في خريطة الطريق السياسية المعلنة في 23 أغسطس2025، المعلنة من قبل البعثة الأممية في ليبيا.
وكانت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه أعلنتْ أمام مجلس الأمن الدولي، في الحادي والعشرين من أغسطس/آب 2025، خريطة طريق سياسية بثلاث ركائز أساسية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات بالتزامن مع صياغة إطار انتخابي فني وسياسي سليم، وتوحيد المؤسسات عبر تشكيل حكومة جديدة، وإطلاق “حوار مهيكل” يضم مشاركة مجتمعية واسعة إلى جانب الفاعلين السياسيين لصياغة مسار ينتهي إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. وأكدت تيتيه أن تنفيذ الخطة سيكون تدريجياً على مدى 12 إلى 18 شهراً، لكنه في الوقت نفسه، “بحزمة واحدة” لا تقبل التجزئة، تبدأ بمرحلة أساسية هي إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية وتعديل الإطار القانوني خلال شهرين، قبل الانتقال إلى تشكيل حكومة موحدة.
اتفاق بوزنيقة كمرجعية
أنهى وفدَا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة من جلسات الحوار، التي انطلقت في مدينة بوزنيقة المغربية (جنوبي العاصمة الرباط) في عام 2022، بإعلان اتفاقهما على إنجاز الانتخابات وفق القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في البلاد، وصُنِفَتْ المفوضية العليا للانتخابات ضمن المناصب السيادية المخصصة لإقليم غرب البلاد. ونجح الوفدان بعد مناقشات مستفيضة امتدت لساعات في التوصل إلى اتفاق من 8 نقاط بمثابة خريطة طريق لإحياء العملية السياسية الجامدة في البلاد وتجاوز الخلافات التي عطلت المسلسل الانتخابي. وينطلق اتفاق بوزنيقة من “الإعلان الدستوري وتعديلاته” و”الاتفاق السياسي الليبي”، بالإضافة إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ويهدف إلى تهيئة المناخ السياسي والدستوري لإجراء الانتخابات وفق القوانين الانتخابية المعتمدة.
ويبقى من أهم نقاط الاتفاق بشأن المرحلة التمهيدية لإجراء الاستحقاق الانتخابي، تشكيل لجنة عمل مشتركة لإعادة تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تشمل مهامها: التواصل مع البعثة الأممية ومختلف الأطراف المحلية والدولية، ومراجعة آلية الاختيار المقترحة في لقاء القاهرة بين المجلسين وتقديم مقترحات للتعديل في حال حقق ذلك مزيدا من التوافق. بالإضافة إلى تقديم مقترح بالضوابط الكفيلة بضمان عمل الحكومة وفق معايير تدعم الشفافية والمركزية وتدعم مسار الانتخابات.
وفي ظلّ غياب أي موقف رسمي حتّى الآن من مجلس النواب، ينص الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات عام 2015 على اشتراك مجلسَي النواب والدولة في تعيين شاغلي المناصب السيادية، ومنها: محافظ المصرف المركزي، والنائب العام، والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهيئة الرقابة الإدارية، وهيئة مكافحة الفساد، وديوان المحاسبة. غير أن الخلافات المستمرة بين المجلسين حالت دون تنفيذ هذه الترتيبات، ما دفع البعثة الأممية إلى رعاية حوار بوزنيقة، الذي انتهى إلى اتفاق المحاصصة، دون أن يُترجم الاتفاق إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض.
وأعادت خريطة الطريق الأممية، التي أعلنتها المبعوثة الأممية في 23 أغسطس/آب 2025، المفوضية العليا للانتخابات إلى واجهة المشهد السياسي، إذ نصّت في مرحلتها الأولى على “إعادة تشكيل” مجلس المفوضية، إلى جانب تعديل القوانين الانتخابية. وعلى إثر ذلك، اتفق مجلسا النواب والدولة على تشكيل لجنة مشتركة للنظر في شغل المناصب السيادية، ووقّعا اتفاقاً في الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول2025، حيث نصت الفقرة الثالثة من الاتفاق على “تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وذلك تماشياً مع متطلبات خريطة الطريق للحل السياسي المقترحة من قبل بعثة الأمم المتحدة”. ونصت خريطة الطريق الأممية المعلنة في 23 أغسطس/ آب 2025على عمل مجلسي النواب والدولة على “تعزيز قدرة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بإعادة تشكيل مجلس إدارتها لملء المناصب الشاغرة الحالية”، باعتبار ذلك خطوة أساسية تسبق أي استحقاق انتخابي.
انتخاب المجلس الأعلى للدولة رئيس مجلس المفوضية
انتخب المجلس الأعلى للدولة الليبي، خلال جلسة رسمية عقدت الاثنين5كانون الثاني/يناير 2026، صلاح الدين الكميشي رئيساً للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، خلفاً لرئيسها عماد السائح الذي تولّى رئاستها منذ عام 2012. وجرت الجلسة برئاسة رئيس المجلس محمد تكالة، الذي أوضح في كلمته الافتتاحية أنَّ عدد الأعضاء المشاركين بلغ 107 أعضاء من أصل 134، وهو ما يحقق النصاب القانوني المطلوب لانعقاد الجلسة، والمحدد بمشاركة ثلثي أعضاء المجلس. وأسفرت عملية التصويت عن حصول الكميشي على 63 صوتاً، فيما توزعت بقية الأصوات على ستة مترشحين آخرين. والكميشي أكاديمي شغل، منذ تأسيس المفوضية عام 2012، منصب مدير مكتب التخطيط والمتابعة، قبل أن يتولى لاحقاً منصب مدير إدارة العمليات بالمفوضية إلى حين انتخابه رئيساً لها. وخلال جلسة عقدها المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عقدها يوم الإثنين 12كانون الثاني/يناير ، أعلن اختياره لثلاثة أعضاء لعضوية مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في مسعى لاستكمال تشكيل مجلس الهيئة، وذلك وسط استمرار غياب موقف رسمي من مجلس النواب بشأن هذه الإجراءات. وخلال افتتاح الجلسة، أكد رئيس المجلس محمد تكالة أن قرار تغيير مجلس إدارة المفوضية اتُخذ في إطار الصلاحيات الأصيلة للمجلس الأعلى للدولة، مشدِّداً على أن هذا الاختصاص “لا يمكن التدخل فيه من أي جهة أخرى”.
وتطرق تكالة إلى لقائه بنائبة رئيس البعثة الأممية ستيفاني خوري، مساءالأحد11 كانون الثاني/يناير 2026، موضحاً أنه كان “يتوقع موقفاً جديداً من البعثة”، وأشار إلى أن خوري اكتفت بتجديد دعوة البعثة إلى التهدئة ووقف الإجراءات الأحادية.
وكان مجلس النواب في بنغازي اختار الأسبوع الماضي، وبشكل منفرد ثلاثة أعضاء لمجلس إدارة المفوضية، وهو القرار الذي بادر مجلس الدولة برفضه، معتبراً أنه “إجراء أحادي” يتعارض مع التوافقات السياسية المعلنة بين المجلسين في الرابع من أكتوبر الماضي. وعلى الرغم من رفض مجلس الدولة في طرابلس خطوة مجلس النواب، إلا أنَّه بنى على تلك الخطوة وانتخب ثلاثة أعضاء آخرين يوم الإثنين الماضي، بعد أن كان قد انتخب رئيساً للمفوضية الأسبوع الماضي، ليصبح بذلك مجلس إدارة المفوضية للانتخابات، المكون من رئيس وستة أعضاء، مكتملاً.
اتفاق الصخيرات
يمثل الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات في 17 كانون الأول/ديسمبر عام 2015 المرجعية العليا للعملية السياسية في ليبيا.
مقدمة: في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ ليبيا، اجتمع ممثلون من كافة أرجاء البلاد للتفاوض حول هذا الاتفاق الذي يمثل فرصة فريدة لمعالجة المعاناة الحالية للشعب الليبي وبناء دولة ديمقراطية مدنية من خلال الإجماع الوطني.
وأثبتوا من خلال قيامهم بهذا بأنهم قادة حقيقيون ملتزمون بإعلاء الشعب الليبي والدولة الليبية فوق المصالح الذاتية واستعدادهم لاتخاذ قرارات صعبة من أجل ليبيا.
ويستند الاتفاق السياسي الليبي الذي تمخض عن هذا الحوار إلى أربعة مبادئ رئيسية:
• ضمان الحقوق الديمقراطية للشعب الليبي
• الحاجة إلى حكومة توافقية تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات والرقابة والتوازن فيما بينها
• ضرورة تمكين مؤسسات الدولة، كحكومة الوفاق الوطني، لتتمكن من معالجة التحديات الخطيرة في المستقبل
• احترام القضاء الليبي واستقلاله.
إن تنفيذ هذا الاتفاق، بحسن نية، سوف يتيح الأدوات اللازمة لمعالجة تحديات محاربة الإرهاب وإصلاح وبناء مؤسسات الدولة وتحفيز التنمية الاقتصادية والتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية وترسيخ سيادة القانون وحقوق الإنسان في جميع أرجاء البلاد.
يعد هذا الاتفاق الخطوة الأولى على طريق طويل نحو تعافي ليبيا وازدهارها. إن عمليات الانتقال السياسي هي دائمة صعبة، واستبدال الأنظمة الاستبدادية بديمقراطية حقيقية يعد مهمة جبارة في أحسن الظروف. فلا توجد طرق مختصرة، ولن يكون الأمر سهلاً. غير أنها خطوة أولى جيدة تضع ليبيا على أرض صلبة لمواجهة تحديات المستقبل.
غياب إرث الدولة الوطنية في ليبيا
تتميز ليبيا تاريخياً بضعف جهاز الدولة وهشاشته وقصر عمره السياسي، فليبيا من أقطار المغرب العربي التي لم تعرف تقاليد الدولة الوطنية وفق المفهوم الحديث للمصطلح، فقد ظلت مقسمة إلى أقاليم ثلاثة رئيسية هي برقة وفزان وطرابلس قروناً عدة. وجاءت السنوسية، وهي ثاني حركة إسلامية سلفية، أسسها محمد بن علي السنوسي (1787-1859)، كمحاولة لتوحيد إفريقيا الإسلامية أولاً، وتوحيد العالم الإسلامي ثانياً، بعد أن احتلت فرنسا الجزائر، وعجز السلطنة العثمانية عن رّد العدوان الفرنسي.
خلال الحرب العالمية الثانية استخدم البريطانيون جماعة السنوسية الأقوياء، القاطنين في الشرق، بهدف مقارعة القوات الإيطالية – الألمانية. وليبيا التي كانت مستعمرة إيطالية وضعت آنذاك تحت انتداب الأمم المتحدة حتى العام 1951. بعد ذلك شجعت بريطانيا على إقامة مملكة مستقلة مع إدريس السنوسي، المنتمي إلى الجماعة السنوسية. واستقلت ليبيا عبر النظام الفيدرالي الاتحادي برعاية الأمم المتحدة، حيث صدر قرار عن المنظمة الدولية في العام 1949 قضى باستقلال البلاد في عام 1951، على أن يتم ترتيب شكل الدولة والدستور وفقاً للحقائق التاريخية للأقاليم الثلاثة.
قبل العام 1951، لم تكن دولة بهذا الاسم، بل كانت عبارة عن ثلاثة أقاليم هي برقة وفزان وطرابلس، وقد تم تأسيس الدولة من قبل لجنة ضمت 60 عضواً، بمساعدة الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص أدريان بيلت، وقد راعت هذه اللجنة في تشكيها التمثيل العادل المتساوي بواقع 20 ممثلاً عن كل إقليم والملك السنوسي أقام عاصمة البلاد في البيضاء حتى الانقلاب العسكري ضده عام 1969. وحتى عندما استقلت ليبيا سنة 1951، ظلت ليبيا اتحاداً فيدرالياً من 1951 إلى 1963 خلال حكم الملك إدريس السنوسي، وكانت مقسمة إلى ثلاثة أقاليم هي برقة (الشرق)، وطرابلس (الغرب) وفزان (الجنوب الغربي).
دامت تجربة الدولة الفيدرالية في ليبيا نحو 13 عاماً، أي حتى عام 1963، حين تم تعديل الدستور وألغيت الفيدرالية بشكل مشبوه ومخالف للدستور، بحيث جرى استحداث عشر محافظات “بما لا يلائم الطبيعة الليبية حسب رأي بعض المدافعين عن العودة إلى النظام الفيدرالي القديم”. ويعتبر أهل الشرق الليبي أن هناك تمايزات ثقافية وعرقية بين الأقاليم الثلاثة، وأن تركيبة ليبيا تلك تفسر الصياغة التي اعتمدها دستور الاستقلال عام 1951، حيث يعتبره أنصار الملكية أنه الدستور الوحيد الشرعي.
وعندما استولى العقيد القذافي على السلطة في 1سبتمبر عام 1969، قام ببناء نظام استبدادي طيلة العقود الأربعة الماضية، سماه بالنظام الجماهيري الذي بقي قائماً على البنية القبلية للحكم. واللافت في هذا النظام الاستبدادي أن جماعة القذافي، لم يختاروا رئيس دولة، بل اختاروا قائداً، حيث إن القذافي تمسك بتلك الهوية القبلية ورفض النمط الاجتماعي الحضري معاوداً إنتاج الزعامة القبلية. وكان النظام الجديد الذي أرساه على أنقاض السنوسية، وهي طريقة صوفية عسكرية، قد اتسم بازدواجية فريدة تجمع بين حاكمية جيدة على الورق تتيح للشعب إدارة شؤونه بنفسه، أي تكريس الديمقراطية المباشرة، ونظام فعلي يقوم على الحكم المطلق، حيث يمسك بالنفوذ الحقيقي قائد الثورة والجيش والقبائل المسلحة.
لقد ظلت قبائل الشرق ملكية ولم تعترف يوماً بسلطة القذافي الذي ينتمي إلى قبيلة القذاذقة الصغيرة، المقيمة في سرت، لاسيَّما أن القذافي كان يكره بنغازي وأهلها، باعتبارها حاضنة السنوسية والملك السنوسي الذي انقلب عليه عام 1969. وكانت سلطة القذافي تستند، إضافة إلى قبيلته، إلى قبيلتين أخريين هما الورافلة، الذين تجدهم في الجهاز الأمني، والمقارحة المتواجدون في الإدارة والعاملون في التجارة. وقد استبعد القذافي قبائل الشرق من جهاز الدولة وحرمهم من أرباح النفط. وهو حوّل مركز السلطة إلى طرابلس الغرب، كما في عهد الاستعمار الإيطالي.
