نشأةُ الولايات المتحدة الأمريكيّة تاريخٌ قصيرٌ ممتلئٌ بالهيمنةِ والدمِ والإبادات الجماعيّة
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية في الرابع من تموز بذكرى الاستقلال الذي مضى عليه هذا العام 250 سنة.. وإذا ما دققنا في نشأة هذا الاستقلال سنجد أنه جاء نتيجة كم كبير من الدماء والمجازر والإبادات الجماعية التي ارتكبها “الآباء المؤسسون” بحق السكان الأصليين من الهنود الحمر في سياسة ممنهجة هدفت إلى تهجيرهم، وتفكيك ثقافاتهم، والقضاء عليهم عضوياً ومعنوياً.
إنها واحدة من أفظع أعمال القتل الممنهج في مدى التاريخ البشري كله، والتي تواصلت ليس فقط عبر إبادة السكان الأصليين، بل أيضاً من خلال استعباد الزنوج الأفارقة بعدما استقدموهم إلى الأرض الجديدة بهدف خدمة العنصر الأبيض، وتأمين راحته، واستغلال هؤلاء الأفارقة البسطاء في الأشغال الشاقة.
ولو سأل أي مواطن أمريكي يحتفل بهذه المناسبة نفسه عن معنى الاستقلال؟! ولماذا يحتفل به؟! وكيف حدث؟! هل سيصل إلى نتائج صحيحة وواقعية عما قام به وارتكبه سدنة السياسة الأمريكية منذ قرنين ونصف؟!.. وهل سيعون حقيقةَ تاريخ بلادهم بما ينطوي على أعمال قتل وتصفية وعبودية ومظالم وانتهاكات ومجازر ما زالت مستمرة إلى أيامنا هذه بحق كثير من شعوب الأرض ومجتمعاتهم وحضاراتها..؟!.. نعم هل سيُطرح سؤال جوهري حول ذاكرة الأمة الأميركية وقدرتها على التعلم من دروس الماضي؟! وهل سيتذكر الأميركي يوماً ما القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي، وأبادتا مئات الآلاف من الأبرياء في لحظات؟! وهل يستعيد في وعيه مشاهد حرب فيتنام، حيث أُحرق الأبرياء بقنابل النابالم، وتحولت الغابات إلى رماد وسكانها إلى أشباح؟ ثم كيف يمكن أن يغيب عن باله ما جرى في كوريا من دمار شامل، أو ما فعله الأميركي في العراق من قتل وقصف عشوائي أوقع عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين بعدما شن حرباً ظالمة تحت مزاعم امتلاك العراق للنووي؟ وهل هو بحاجة إلى تذكير بمآسي أفغانستان، أو ما يجري اليوم في غزة تحت أنظار العالم من إبادة مستمرة تتحمل واشنطن مسؤوليتها الأخلاقية المباشرة فيها؟! ناهيك عن عدوانه المستمر ضد لبنان وإيران، والذي كان أولى فصوله مجزرة مدرسة الأطفال البنات في ميناب، وهي كلها شواهد حية لا زالت جراحها تنزف في الذاكرة الجمعية للشعوب؟!.
هذه الأمة التي تحتفل بماضيها وتفاخر بتاريخها وأمجادها (أين هي؟!)، ينبغي أن تكتوي بنار العار بدلاً من أن تتوشح بالأكاليل نتيجة ممارساتها الظالمة وسعيها الدائم لإدارتها ونخبتها الإمبريالية من أجل السيطرة والهيمنة على مقدرات العالم ونهب خيرات الشعوب والتحكم بمضائق العالم وثرواته ومواقعه الفريدة، بهدف تعظيم أمريكا فقط (أمريكا أولاً).. إنَّ تاريخها كما يراه الملايين من شعوب الأرض ليسَ تاريخاً مشرفاً، بل هو سجلٌ حافل بأنهار الدماء وأعمال القتل والعنف وشنّ الحروب التي تنمُّ عن وحشية سياسية ورأسمالية لا تشبع أبداً من مصّ دماء الناس في شتى بقاع هذا العالم، انحدرت بقيمها الإنسانية إلى أدنى مستوى في القاع والحضيض. حيثُ تحوّلت أميركا في نظر الكثير –من دول العالم ومجتمعاته- إلى كابوسٍ معولم، ورمزٍ للقوة العمياء التي لا تهادن ولا ترحم، وغدت عنواناً للانحطاط الأخلاقي الذي يثيرُ الاشمئزاز في كل مكان، خاصة في دعمها اللا محدود لدولة الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة.
إن أميركا هذه مصابة بجنون استبدادي حادّ خاصة في ظل هذه الإدارة الترامبية البعيدة عن منطق السياسة الدولية المفترض أن تكون قائمة على القانون واحترام سيادة الدول. والناظر للسياسة الأمريكية اليوم لا يجد واقعياً سوى رفع الصوت التهديدي بحق كل من يحاول الاعتراض على سياساتها القهرية بحق كثير من شعوب العالم.. ولا تكتفي بهذا بل تشرّع قوانينها وأحكامها على العالم كما تتصوّر هي، وتزعم أنها تصلح للكرة الأرضية كلها. تفرض وتأمر وتقرّر وتستملك وتستولي وتنهب وتثير الفتن وتشن الحروب، من دون اعتبار لأشخاص أو بلدان أو شعوب، مهدّدة هذا بهجوم وذاك بحصار، وذلك بعقوبات أو خنق اقتصادي كاسح. مسارها الأيديولوجي لم يتبدّل قيد أنملة منذ مطلع القرن السابع عشر، يوم تأسيس مستوطنة فرجينيا. فالبذور الأولى للعدوانية الأميركية الراهنة نجدها في عقيدة الأقدمين من إنكلترا وإسكتلندا.
ولا شك بأن قصة الولايات المتحدة الأميركية تُروى عادةً كملحمة بطولية عن تأسيس أمة جديدة، عن ثورة ضد الاستبداد، وامتداد نحو الحرية، وبناء مجتمع ديمقراطي أصبح نموذجاً للعالم. لكن هذه الرواية التجريدية -التي تكرس في المناهج والخطب السياسية- تبدو وكأنها تغض الطرف عن كثير من الصفحات المظلمة والمفصلية في تاريخ هذا البلد. فالحقيقة التي تعيد كتابتها الأبحاث التاريخية الحديثة، هي أن الولايات المتحدة، في زمنها القصير الذي لا يتجاوز القرنين ونصف القرن، قامت على أسس من العنف المنظّم والإبادة الجماعية وارتكاب أعمال عنف دموي.. ونسجت هويتها الوطنية من خيوط من الدماء. من القارة الأميركية إلى أراضي الشعوب البعيدة، يحمل التاريخ الأميركي بصمة واضحة لعقلية استعمارية وإمبريالية لم تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها، مخلفةً وراءها خراباً بشرياً ومعنوياً هائلاً.
ولم يبدأ العنف الأميركي مع إعلان الاستقلال عام 1776م، بل هو راسخ في جوهر عملية الاستعمار الأوروبي للأراضي الجديدة. ولكن ما يميز التجربة الأميركية هو تحويل هذا العنف إلى سياسة دولة ممنهجة، صيغت بمصطلحات “القضاء على الهنود” و”المصير المحتوم”. فمنذ وصول المستوطنين الأوائل، كانَ الصراعُ مع السكان الأصليين، الذين أُطلق عليهم خطأً اسم “الهنود”، صراع وجود. تُقدّر الدراساتُ -مثل تلك التي أجراها المؤرخ ديفيد ستانارد في كتابه “المحرقة الأميركية”- أن عدد سكان الأمريكيتين الأصليين قد انخفض بما يصل إلى مئة مليون نسمة خلال أربعمائة عام من الاستعمار الأوروبي والأميركي، وذلك نتيجة لمزيج مدمر من الأوبئة المستوردة، والمجازر الممنهجة. والأدهى، أن هذا التراجع كان ليحصل بوتيرة أقل بكثير لولا السياسات العنصرية المتعمدة التي انتهجتها الحكومات الأميركية المتعاقبة.
ففي عام 1814م، وقّع الرئيس الأمريكي “جيمس ماديسون” مرسوماً يكافئ من يجلب فروة رأس هندي بمبلغ يتراوح بين 50 و100 دولار. وفي ستينيات القرن التاسع عشر، دفع قانون “الاستيطان” الصادر في عهد أبراهام لينكولن مئات الآلاف من المستوطنين البيض للتوجه غرباً، واحتلال الأراضي التي كان الهنود يعيشون عليها لأجيال، مما أدى إلى سلسلة من الحروب والإبادات. ولم تقتصر السياسة على القتل المباشر، بل شملت إبادة مصادر الحياة ذاتها، كما حدث مع قطعان البيسون (الجاموس الأميركي)، الذي كان يشكل العمود الفقري لمعيشة قبائل السهول، وبقاءهم ثقافياً ومادياً. وبحلول عام 1873م، كانت قطعان البيسون قد أوشكت على الانقراض، لتعلن بذلك موتاً بطيئاً للشعوب التي كانت تعتمد عليها. قال زعيم قبيلة السيو، “جالس الثور”، معبراً عن هذه المأساة: “هبت ريح باردة عبر السهول عندما سقط آخر جاموس، لقد كانت ريح موت لشعبي”. وخلال الفترة ما بين 1887م و1933م، فقد الهنود نحو 90 مليون فدان من أراضيهم، وهبط عدد سكانهم من 5 ملايين نسمة في نهاية القرن الخامس عشر إلى ربع مليون في مطلع القرن العشرين.
ولم يكتفِ المشروع الأميركي بالقضاء على السكان الأصليين داخلياً، بل سرعان ما حوّل بصره نحو جيرانه في الجنوب، وخلف البحار. وقد تجسدت هذه النزعة التوسعية في عقيدة “مونرو” المنشورة في العام 1823م، والتي أعلنت أن الأميركيتين هما “ساحة خلفية” حصرية للنفوذ الأميركي، وحذرت القوى الأوروبية من التدخل فيها، مهددة إياها بـ “أي تدخل يظهره لنا… سنعتبره عملاً غير ودي تجاه الولايات المتحدة”. لكن هذه العقيدة، التي بدت دفاعية، سرعان ما تحولت إلى ذريعة للتدخل باسم “القانون الدولي” و”الاستقرار” و”حماية المصالح التجارية”.
ففي منتصف القرن التاسع عشر، اندلعت الحرب مع المكسيك (1846-1848)م، لتكون واحدة من أكثر الفصول وضوحاً في التوسع الإمبريالي، حيث استولت الولايات المتحدة على أكثر من 525 ألف ميل مربع من الأراضي المكسيكية، شملت ولايات كاليفورنيا، وتكساس، ونيو مكسيكو الحالية. ولم تكن هذه الحرب سوى حلقة في سلسلة طويلة من التدخلات التي شملت أميركا اللاتينية بأكملها، تحت مسميات مختلفة: “الدبلوماسية الدولارية” التي دعا إليها الرئيس ويليام هوارد تافت، والتي كانت تهدف إلى “استبدال الرصاص بالدولار” لدعم الاستثمارات الأميركية، و”مسؤولية الشرطة الدولية” التي أعلنها ثيودور روزفلت . ومن نتائج هذه السياسات، احتلال هايتي (1915-1934)م، والجمهورية الدومينيكية (1916-1924)م، ونيكاراغوا، وبنما، وكوبا التي أصبحت فعلياً محمية أميركية بموجب تعديل “بلات” لعام 1901م، الذي منح واشنطن الحق في التدخل في شؤونها الداخلية وإنشاء قاعدة غوانتانامو سيئة السمعة.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى، لم يتوقف هذا الزخم التدخلي، بل ازداد اتساعاً ودماراً في عصر الحرب الباردة، حيث تحولت الساحة الدولية –خاصة بعد تأسيس حلف الناتو الغربي- إلى مسرح لصراع أيديولوجي لا يعترف بحدود، بذريعة “احتواء الشيوعية” أو “نشر الديمقراطية”. وطبقاً لدراسة نشرت في مجلة “حل النزاعات” عام 2021م، نفذت الولايات المتحدة ما يقارب 400م تدخل عسكري منذ حربها الثورية، مع تسارع ملحوظ في عددها بعد عام 1950م، حيث وقع نصف هذه التدخلات، وربعها بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1991م، أي في فترة كانت فيها التهديدات المباشرة لأمنها القومي قد تراجعت نسبياً.
وقد شكلت حرب فيتنام -التي امتدت من عام 1955م ولغاية عام 1975م- واحدةً من أفظع الأمثلة على هذه السياسة التدخلية والعدوانية. وقد خلفت أكثر من مليوني ضحية مدني، وشردت الملايين من البشر، وتركت وراءها أكثر من 350 ألف طن من الألغام والقنابل غير المنفجرة التي لا تزال تفتك بالأبرياء حتى اليوم، بالإضافة إلى جريمة مذبحة “ماي لاي” عام 1968م التي راح ضحيتها 500 قروي أعزل من النساء والأطفال وكبار السن. وفي العقود الأخيرة، واصلت واشنطن هذا النهج تحت راية “الحرب على الإرهاب”، فغزت أفغانستان عام 2001م والعراق عام 2003م تحت ذرائع واهية لا أساس لها من الصحة ومن دون أخذ موافقة مجس الأمن الدولي. وقد كلفت هذه الحروب أكثر من 929 ألف شخص حياتهم بحسب تقرير لمنظمة “كود بينك” المناهضة للحرب عام 2021م، وأسفرت عن مقتل ما بين 184 ألفاً و207 آلاف مدني عراقي مباشرة، بحسب معهد “واطسون” بجامعة براون.
إن حجم تدخلات أمريكا بشؤون الدول ذات السيادة واسع وعريض وعميق، أنتجت الفوضى والقتل والدمار والخراب لتلك الدول، وهذا ما يقر به الكثير من المراقبين والمحللين حتى في الغرب نفسه.
واستمرار أمريكا إلى اليوم بنفس العقلية التدميرية والتخويفية للشعوب والأنظمة في المنطقة، له غرضان، الأول استمرار دعم الكيان القزم، واستمرار إمدادات النفط والغاز التي هي آلهة الغرب وأمريكا بالذات، وهذان أمران يشكلان محوراً أساسياً في السياسة الخارجية الأمريكية، كما كانا بالنسبة لبريطانيا سابقاً. فالسيطرة على مصادر الطاقة وضمان تدفقها بأسعار مقومة بالدولار هي بالفعل عصب الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.
من هنا، إن إعادة النظر في التاريخ الأميركي من خلال هذا المنظور النقدي لا يكشف فقط عن تناقض صارخ بين المبادئ المؤسسة لأمريكا وسلوكها الفعلي، بل يقدم نموذجاً لـ “إمبراطورية عدمية” (بحسب وصف الباحث سكوت غاك في كتابه “وُلد بالدم”)، والذي يرى أن العنف في أميركا لم يكن مجرد حوادث عرضية، بل سياسة رسمية و”تقليداً أيديولوجياً مركزياً” قام على العبودية، والاستعمار، والتفوق الأبيض.
وهذا التقليد لم يكن وليد ظروف طارئة واستثنائية، بل كان وما يزال جزءاً من هويتها الوطنية، وامتداداً لمشروع استعماري إمبريالي لا يرى إلا ذاته ومصالحه وهيمنته، بدأ مع أول مستوطن أبيض، وتوج بإمبريالية عالمية لا تزال تداعياتها ماثلة إلى يومنا هذا.
فمن إبادة الهنود إلى قصف المنازل في الشرق الأوسط، ومن تدمير مدن فيتنام إلى احتلال غرينادا وبنما وهايتي، والحرب العدوانية على إيران، يبقى السؤال التاريخي الذي تطرحه هذه الحقائق: كيف يمكن لأمة قامت على صرخة ضد الاستبداد أن تتحول إلى أكبر قوة استبدادية في العصر الحديث، وأن تبني مجدها فوق ركام الشعوب، وتدعم أعتى وأفظع قوة عدوانية وظالمة في العصر الحديث (وهي الكيان الصهيون التي قامت هي بدورها على الإبادة والقتل والتهجير)؟!.. إن الإجابة، كما يبدو، تكمن في ذلك الدرب الطويل من الدماء الذي رسم ملامحها منذ اللحظة الأولى.
إن الشعوب المظلومة والمقهورة والمنهوبة، لا تسكت عن حقوقها مهما طالت ليالي وأزمان الوصاية والقهر والهيمنة الإمبريالية.. ولكن من جانب آخر، يجب أن نفهم ونعي أن أمريكا لا يمكن أن تكون المنقذ لأي دولة في العالم. إنها تسعى دوماً لمصالحها فقط، وكل قراراتها واستراتيجياتها تعتمدها بناء على هذا التصور، ولكن غالباً ما تكون لها عواقب وآثار كارثية على العالم، وهي التي تدفع الثمن غالياً في النهاية. وقوتها الحقيقية ليست في حاملات طائراتها، بل في قدرتها على جذب العقول وخلق الإجماع العالمي حولها، وهذا ما بدأ يتآكل خاصة مع التأييد إداراتها السياسية المتعاقبة للصهيونية العالمية.
أما نحن في هذه المنطقة، فأولى خطوات الخروج من مأزقنا الراهن هي إعادة قراءة واقعنا قراءةً تخلع عنها ثوب “نظرية المؤامرة” بوصفها تفسيراً وحيداً، دون أن يعني ذلك إنكار وجود الأيادي الخارجية التي تسعى لترتيب أوراقنا وفق مصالحها. لكن التحدي الأكبر ليس في كشف تلك الأيادي فقط (وهذا واجب)، بل في الاعتراف الجريء بأننا أمام أزمة عضوية في مفهوم الدولة ذاتها، وأزمة وجودية في مشروع النهضة الذي ننشده. فعقود من التبعية، وهشاشة المؤسسات، وغياب رؤية تنموية متكاملة، كلها عوامل داخلية جعلت منا أرضاً خصبة للتدخلات الخارجية، ومنحت الآخرين شرعيةً وهميةً للعب على أوتار فرقتنا وضعفنا.
إن استمرارنا في النظر إلى أنفسنا عبر عدسة الضحية المطلقة، والاكتفاء برثاء الحال وتحميل الآخرين مسؤولية كل مصائبنا، ليس سوى هروب من المواجهة الذاتية، واستدامة لدائرة الجمود التي نعيشها. هذا الخطاب الثنائي الحادّ (نحن المظلومون-هم الظالمون)، مهما كان مريحاً عاطفياً، يبقى خطاباً عقيماً لا ينتج حلولاً، لأنه يغذّي الشعور بالعجز، ويُعفي الداخل من تحمل تبعات تقصيره، ويحوّل قضايانا المصيرية إلى مجرد ردود أفعال تجاه ما يفعله الآخر بنا.
أما الخروج الحقيقي من هذا النفق، فيبدأ بلحظة تحرّرٍ فكري نادر تقوم على أن ننظر إلى أنفسنا كفاعلين، لا كمنفعلين. كأصحاب إرادة، لا كرهائن للجغرافيا والتاريخ.. كصنّاع للأحداث، لا كضحايا لها. هذه النظرة ليست ضرباً من المثالية الساذجة، بل هي شرط أساسي لأي نهضة مرتجاة. حين نعي أننا قادرون، وأن في جعبتنا من طاقات الشباب، وثراء التراث، وعمق الانتماء، وموقع الجسر بين الشرق والغرب، ما يجعلنا لاعبين أساسيين في عالم الغد، حينها فقط تتبدل نظرتنا إلى الصراعات التي تدور على أرضنا. لن نراها بعد ذلك مجرد مؤامرات يُحاكها الآخرون علينا، بل فرصاً، وإن كانت قاسية، لتجاوز واقعنا المأزوم، وبناء دولةٍ حديثةٍ قويةٍ، ونهضةٍ تنبثق من صميم خصوصيتنا، وتنفتح على العالم من موقع الندية والثقة، لا من موقع التبعية والاستجداء.
إن الرهان إذن ليس معقوداً على تغيير ما يفعله الآخرون بنا، فذلك أمر قد لا نملكه بالكامل، ولكن الرهان الأكبر هو على تغيير ما نفعله نحن بأنفسنا، وذلك من خلال مراجعة مفاهيمنا عن السلطة والمواطنة، إصلاح خلل مؤسساتنا، تحرير اقتصادنا من الريعية، واستنهاض هممنا من جديد. حين نصنع هذا التحول الداخلي، سنجد أن صراعات الآخرين على أراضينا، مهما بلغت قسوتها، ستصبح مجرد هامش في قصة نهضتنا، وربما عامل تسريع لها، لأنها ستجبرنا على التوحد والاعتماد على الذات أكثر من أي وقت مضى. عندها فقط، يستحق أبناء هذه الأرض مستقبلهم، لأنهم سيكونون قد صنعوه بأيديهم، لا انتظروه هبةً من أحد.
