دوليات

بعد ربع قرن على هجمات الحادي عشر من أيلول: الحرب على إيران تطوي الشرق الأوسط الأمريكي

بقلم ابتسام الشامي

زمن الهيمنة الأمريكية

شكلت هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 حدثاً مفصلياً في تاريخ الهيمنة الأمريكية ربطاً بما تلاها من احتلال أمريكي لكل من أفغانستان والعراق وتمدد نفوذ شمل غالبية دول منطقة غرب آسيا، فالهجمات التي تبناها تنظيم القاعدة واستهدفت مقر وزارة الحرب البنتاغون ومبنيي التجارة العالمية، أعطى للمشروع التوسعي الأمريكي للسيطرة على مقدرات دول المنطقة وثروات شعوبها فرصة للمزيد من إحكام السيطرة بعدما كانت قد بدأت عملياً باتفاقات ذات طابع أمني تارة بزعم مواجهة مد الثورة الإسلامية الإيرانية وأخرى لمواجهة النظام العراقي في أعقاب احتلاله الكويت وقبلها متطلبات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي واتفاقيات حماية عروش بعض الأنظمة مقابل ضمان أمن الطاقة والتعاون النفطي.

ولم يمضِ شهر وبضعة أيام على تلك الهجمات حتى كانت “الجحافل” الأمريكية في طريقها إلى افغانستان بزعم تفكيك تنظيم القاعدة، وحرمان الجماعات المسلحة من الملاذات الآمنة، وإسقاط حكم طالبان، قبل أن تتوجه قوات الغزو الأمريكية باتجاه العراق بعدما ربطت الإدارة الأمريكية بين نظام بغداد وتنظيم القاعدة، وادّعت أن النظام العراقي برئاسة صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل ويشكل خطراً على الأمن العالمي، مستبطنة خلف مزاعمها وادعاءاتها هذه تغيير خريطة المنطقة وإعادة صياغة المشهد السياسي انطلاقاً من العراق.

على أن نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في احتلال أفغانستان والعراق، لم يؤدِ النتيجة السياسة المطلوبة المشار إليها آنفا إذ بقيت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسياستها الخارجية ودعمها لقوى المقاومة العقبة الكأداء أمام مشروع الهيمنة المطلقة لواشنطن والكيان الصهيوني على المنطقة. وعلى الرغم من مشاريع زعزعة استقرار المنطقة من خلال الحروب الإسرائيلية ضد غزة ولبنان والهجمة التكفيرية التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية لإشعال الفتنة وإشغال محور المقاومة عن هدفه الرئيسي، صمدت إيران وعززت حضورها الإقليمي ودعمها لحلفائها ما أربك المشروع الأمريكي وفرمل اندفاعته التي كان عليها لحظة أحداث الحادي عشر من أيلول، الأمر الذي وضعها في دائرة الاستهداف المباشر بعد تطبيق استراتيجية إضعاف حلفائها. هكذا وجدت الجمهورية الإسلامية نفسها خلال أقل من عام أمام عدوانين الأول شنّه العدو الاسرائيلي ضدها في الثاني عشر من حزيران عام 2025 بتغطية أمريكية ومشاركة عدوانية، والثاني في الثامن والعشرين من شباط عام 2026 عندما أعلنت واشنطن وتل أبيب الحرب على طهران ضمن أهداف متعددة كان أبرزها اسقاط النظام الإيراني وتغيير الهوية السياسية الإيرانية لاستكمال مشروع الهيمنة على منطقة غرب آسيا. وإذا كان العدوان الأول قد استغرق إثني عشر يوماً قبل الإعلان عن توقفه بزعم توجيه ضربة قاسمة للمشروع النووي الإيراني بالقنابل الأمريكية الذكية، فإن الحرب العدوانية التالية التي افتتحت باغتيال قائد الأمة الإمام السيد علي الخامنئي وكبار القادة الإيرانيين، والمتواصلة بأشكال مختلفة حربية واقتصادية وإعلامية، لم تفشل في تحقيق أهدافها فحسب، بل أدخلت الولايات المتحدة وحلفاءها مأزقاً شديد التعقيد والصعوبة، بالنظر إلى ما يترتب عليه من تداعيات تطال مكانة الولايات المتحدة ونفوذها فضلاً عن تأثيراته في الاقتصاد العالمي.

أمريكا إلى تراجع

وانطلاقاً مما تقدم فإن حلول الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من أيلول أعادت إلى الواجهة السؤال عن حدود القوة الأمريكية ومصيرها. في هذا السياق، ترى مجلة فورين أفيرز أن الحرب مع إيران تطوي صفحة الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، بعدما كشفت محدودية قوة واشنطن وهشاشة ضماناتها الأمنية لحلفائها. ومع تراجع الثقة به، تبدو المنطقة مقبلة على نظام جديد، قد يمنح الولايات المتحدة فرصة أخيرة لاستبدال التدخل العسكري بالدبلوماسية والدفاع الجماعي. وتعتبر المجلة النظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 كان واحداً من الضحايا العديدة للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران. وقد أثبت الفشل الأمريكي والإسرائيلي في الإطاحة بالنظام في طهران عقم سياسة العقوبات والعنف التي استمرت لعقود. كما أن عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها من الهجمات الإيرانية أو عن إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً قد وجه ضربة قاصمة إلى جوهر الصفقة الأمنية التي برّرت وجود شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة. وأدى موقف إسرائيل العدواني المتزايد، وتخليها عن أي تظاهر بالاهتمام بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، إلى إنهاء المهمة التي اضطلعت بها واشنطن لعقود، والمتمثلة في الجمع بين حلفائها العرب و”إسرائيل” ضمن شراكة أمنية دائمة. وبحسب المجلة الأمريكية فإن تدمير “إسرائيل” لغزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران “وجّها ضربة قاضية إلى الشرق الأوسط الأمريكي”. فقد أدى الدعم الأمريكي لهجوم إسرائيل على غزة، لا سيما في عهد الرئيس جو بايدن، إلى تبديد ما تبقى من سلطة أخلاقية كان بإمكان الولايات المتحدة الادعاء بأنها تمتلكها. أما كارثة ترامب في إيران فقد حطمت وهم القدرة العسكرية الأمريكية المطلقة. وأظهر الحدثان معاً للدول العربية افتقارها إلى نفوذ حقيقي داخل النظام الإقليمي، وتضاؤل جدوى الضمانات الأمنية الأمريكية”. بدوره تناول بيتر بيرغن نائب رئيس معهد نيو أمريكان، في مقالة له في شبكة سي أن أن سياسة الرئيس ترامب في التعامل مع الوضع العالمي والشرق الأوسطي بشكل خاص. وقال إن ترامب لم يتعلم من دروس الحروب التي أعقبت هجمات 11 أيلول 2001. مشيراً إلى أنه منذ تاريخ تلك الهجمات وسع رؤساء الولايات المتحدة سلطاتهم تدريجياً لشن الحروب في أي مكان وزمان وكيفما شاءوا. وبشنه عملية “الغضب الملحمي” في إيران، بلغ الرئيس دونالد ترامب ذروة جديدة في صلاحيات شن الحروب التي يدعيها لنفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية. فقد أعلن ترامب عن حربه التي اختارها على إيران، التي وصفها بأنها “الدولة الأولى في العالم الراعية للإرهاب” دون أي تفويض من الكونغرس أو دعم من حلفاء الناتو أو قرار من الأمم المتحدة. ولم تلق حربه هذه دعماً من الشعب الأمريكي، إذ كانت هذه الحرب، منذ بدايتها، الأقل شعبية في العصر الحديث، ولم يكن هناك ما يشير إلى تهديد وشيك للولايات المتحدة. كما أنه لم يكلف نفسه عناء التعلم من حروب أمريكا السابقة، ولم تكن لديه خطة حقيقية لما بعد بدء الأعمال العدائية.

وأضاف الكاتب أن الجيش الأمريكي تعود على تدمير الأشياء وقتل الناس، ولكن عندما لم تكن تكتيكاته متوافقة مع استراتيجية واضحة، انتهى الأمر بالولايات المتحدة في مستنقع فيتنام أو الحرب الأهلية الطائفية في العراق التي أدت في النهاية إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية أو التسبب في ركود اقتصادي عالمي محتمل ناجم عن الحرب الإيرانية.

ويختم الكاتب مقالته بالقول إن سجل الولايات المتحدة المخيب للآمال في تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط بعد أحداث الحادي عشر من أيلول لم يبشر بالخير لمشروعها في إزاحة النظام الإيراني. وفي غضون ذلك، استغل النظام في إيران سيطرته الجديدة على مضيق هرمز لإحداث اضطراب كبير في أسواق النفط والغاز التي تغذي الاقتصاد العالمي. وبعد 25 عاما من الهجمات على المصالح الأمريكية أصبحت الولايات المتحدة، التي كانت تفتخر بكونها ضامنة النظام العالمي، الآن المزعزع الرئيسي له.

خاتمة

بين الحادي عشر من أيلول عام 2001 والحادي عشر من أيلول عام 2026 ربع قرن من الزمن كانت أحداثه شاهدة على أن القوة وحدها لا تصنع الفرق، وأن ذروة القوة التي بلغتها الولايات المتحدة آنذاك آخذة في التقهقر، ومعها مرحلة جديدة لنظام إقليمي جديد تثقل في ميزان قوته الدول والحركات اللادولتية التي صمدت في مواجهة أمريكا وحلفائها وهي في عز قوتها واندفاعة هيمنتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *