أول الكلام

دقَّ على النوافذِ مساءً وأشعلني إلى صديقي الشهيد

بقلم غسان عبد الله

يا صاحب الروحِ البهيّةَ: كيفَ ألهبْتَ الأرقْ؟‏ والجندُ يقتحمونَ مملكةَ الشفقْ! ضاعَ المقالْ،‏ يا صاحب الروحِ النديَّةَ: أشعل حباً توارى في‏ الأفقْ، فتملَّ أسلحةٌ.. وترمي ما تبقّى من‏ ذخائرَ بين طيّاتِ الجبالْ‏.. أأخونُ ورْدَ مشاعري‏ إن دَوَّنَتْكَ حروفُ أوردتي‏ وجسَّدَتِ الهُيامْ؟!.‏

الدعواتُ تعيدُ وجهَكَ لي وأنتَ على شفا حرفٍ من الروحِ والأمنياتْ!‏ قطّرْ رحيقَكَ أيّها الإحساسُ في كأسِ القصيدةِ‏ كي تُضاءَ دفاتري.. لي حزنُ هذي الأرضِ.. لي فرحُ الطفولة.. وعلى مدى جرْحِ الحكايةِ أستضيءُ بما تشعشعهُ‏ الغُفيلة.. لي ما تكوّنهُ الحدائقُ من سماحْ.. وليَ‏ المدائنُ والأقاحْ.. وليَ انتظاري حين تشتعلُ‏ الرياحْ.. أأسيرُ منكسِرَ الرؤى؟ وأنا الذي‏ قد شعّ بي قَمَرُ الجنونْ؟!‏ لِمَنِ الكتابةُ إِنْ تساقطتِ النجومُ مع الزّهَرْ؟!‏ إن كنتَ غادرْتَ نوافذي إلى أفقكَ العالي وَظلَّ قلبي مفرداً‏.. لِمَنِ الكتابةُ.. إنْ تسامتْ مقلتاكَ مع المدى‏ أو أشعلَ القلبُ السَّفَرْ‏.. لِمَنِ الكتابةُ إِنْ تكُنْ محبوسةً بيني وبينَ دفاتري؟‏ لِمَنِ الكتابةُ إِنْ يناوشْ دكتاتورُ الجهلِ‏ قلبَ الشاعرِ؟‏ لا تستوي الكلماتُ مزهرةً بدونِكَ.. والغيابُ‏ مشوِّهٌ للروحِ.. هلْ هطلَ الخلاصُ مع المطرْ؟!‏ لِمَنِ‏ الكتابَة؟..‏

كوّرْتُ للأحلامِ كوكبها وأشعلتُ الفضاءْ‏.. وأتيتُ أكبُرُ في الذينَ يقاتلونَ ويُقتَلُوْنْ.. ووحيداً عانَقْتَني.. وبدأتني عشقَ القصائدِ للبشرْ.‏. كانَ ازدهارُ الأرضِ أوّلَ ضوعنا.. والشعرُ‏ مبتدأَ الهتونْ.. يا خفقةَ الألمِ المقيمِ.. هذي النوافذُ لم تزلْ بي وعيونُ الشعرِ والخربشات، هذي الحروف، هذي الليالي.. هذي الثواني والصباحاتُ.. المساءاتُ.. الوجيبُ.. القلبُ، والفرحُ المشعشعُ في السؤالِ،‏ هذي الأزاهرُ والدعاءُ.. هذي البشائرْ.. هذي النجومُ الراقصاتُ على ذؤاباتِ الجبالِ.. كوّنْتَ أيامَ التَّبدُّلِ، فانخطفْتُ إلى بداياتِ الكرومْ‏.. وأضأتَ ليلَ الروحِ، فابتدأتْ فضاءاتُ النّجومْ.. أيها الشهيدُ وزَّعتَ نفسَكَ في الأماكنِ، واستحلْتَ مع الحياةْ.. في كلِّ بيتٍ بعضَ أدعيةٍ وأحلامٍ ولونَ‏ الذكرياتْ. وعلى صدى الألحانِ دفؤكَ يتَّقدْ.. ومعي‏ اشتعالُكَ نخلةٌ‏ أنتَ الوداعُ.. إذا اشتعلتُ‏.. أنتَ اللقاءُ إذا انطفأتُ‏.. أنتَ الملاكُ يعيشُ حالاتِ الوجودْ‏.. أنتَ التوهَّجُ حينَ تفجأني القيودْ.

هَلْ كانَ حُلماً أَنْ أراكَ.. أن أسيّرَ مركبي نحوَ‏ ازدهارِكَ.. أن أكوِّنَ غيمَ قلبِكَ.. أن أوحّدَ‏ حالتي برفيفِ نبضِكْ؟‏ أشعلْتني بالأسئلة.. وزرعْتَ في قلبي‏ بداياتِ الشؤونِ المذهلة.. ماذا جرى؟!‏ ماذا جرى؟‏ ماذا جرى؟‏ حتى انتهيتَ إلى الثّرى؟!‏ حَدَثٌ بِحجْمِ طفولتي.. وفضاءُ هذا القبرِ متِّسَعي‏ ومقبرتي الفضاءُ..‏ هل كانَ موتاً في المكانْ، ذاكَ الندى،‏ أم كانَ أوّلَ رعشةٍ للأرضِ في هذا الزمانْ؟‏ سرُّ انتصاراتِ الحياةْ. في أنْ نظلَّ معاً طموحاً سرمدياً‏ أن أكوْنَ وأن تكوْن… فلنا الترابُ، ولنا‏ تلاوينُ الطبيعةِ والبشرْ، ولنا الثمارُ، لنا‏ النجومُ، لنا الكتابُ.. آلَفْتَ قلبي، وتشابكتْ أحلامُنَا فرحاً، فأشرقَ حولنا وطنٌ‏ وفي الأعماقِ: وسَّعَ كلُّ قلبٍ للحبيبِ مكانَهُ…‏ هلْ هيّنٌ أن تختفي معنىً وجسْما؟! في عزِّ روحِكَ واشتعالِكَ والفؤادُ يُعِدُّ رسْما؟!‏ لا تتركني بينَ أنيابِ الوحوشِ تحيطُ بي‏ من كلِّ جانبْ.. في كلِّ جيلٍ تبزُغُ وتختفي.. وأنا أكوّنُ حالتي‏ في الحالتينْ.. هل تقطفُ كلامَ قلبي راعشاً في كلِّ حينْ؟‏ ما بينَ مجْمرَةِ التوهّجِ وانبجاسِ قصيدتي تخضرُّ في‏ روحي العُصورُ وأنتَ لي تتوقّدُ.. أتظلُّ‏ هذي الأرضُ مسكننا الأخيرْ؟‏ أم زورقاً يُفضي إلى النجمِ المثيرْ؟‏ ماذا سيبقى في فمي مِنْ أغنياتْ؟‏ ماذا سيزهرُ في يديَّ من النّدى والحشرجاتْ؟‏ ومن الذي يوماً سيُطفأُ أنْ تراكمتِ الهمومُ‏ معي وأخفقَتِ الحياةْ؟!‏ في كلِّ خافقةٍ حواسُّكَ شعلةٌ للذكرياتْ‏.

أَلَمٌ وجودي فازرعْ في القلبِ مبتدأً من الكُتبِ‏ ولتمنحْ ما استطعتْ من المَطرْ.‏. وتجمّع.. وتناثر،.. وتوهّج في كلِّ شيءْ.. ما للمدينةِ قُرْبَ هذي القريةِ قد أقفرتْ،‏ وتوحَّدَتْ بظلامِ روحي؟!‏ ما للقصائدِ تكتسي بدمائها وكأنّها انبجستْ صباحَ‏ توحدي بالموتِ؟ ما للأغنياتِ جريحةً تهمي‏ على صمتِ المرايا الشاسعة؟ ما للمدينةِ، لي،‏ لهجْسِ النبضِ، للأحلامِ، للروحِ المشتَّتِ، للنَّدى‏ والحبِّ والأشياءِ.. لا تهمي على الوطنِ الذبيحِ؟!‏.

دقَّ على النوافذِ مساءً وأشعلني‏.. جسدي تحوَّلَ فحمةً‏.. ودماءُ قلبي أصبحتْ ثلجاً‏ وأوردتي يباسْ.. ها مقلتايَ انسابتا ذَوْباً، أخيراً، واستحلْتُ‏ إلى حطبْ. دقَّ صباحاً بابَ وحشتي واصرُخْ،‏ ولتجعلْ قلبي سراجاً من جديدٍ، خلف ذاكرةِ القصبْ….‏ لا تتركْ قلبي‏ فينطفئَ الكلامُ على النوافذِ كالورودْ.‏. يا ليتني أدركتُ قلبَكَ قبلَ مجزرةِ الظهيرة!‏ كنتُ اختطفتُكَ ما استطعتُ!‏.. هلْ يختفي هذا المكانُ ويستحيلُ إلى دخانْ؟‏ النارُ لمّا تشتعلْ في الروحِ، لا تتبدّدْ يا صديقي.. أنتَ وَرْدٌ لاشتعالاتِ المدى‏ وأنا المشرّدُ ليسَ يلجئُني زمانُ.

هل كنتَ ضحكتيَ الأخيرةَ؟ فارتعشْتُ‏ إلى نهاياتِ البكاءِ. أمْ كنتُ آخرَ قصةٍ لرحيلِ‏ قلبكَ؟ أم بداياتِ الشؤونِ؟ يا رعشةَ اللوزِ‏ المضيءِ على الرُّبى: هل كنتَ ومضتيَ الأخيرةَ في‏ الرحيلِ إلى الولادة؟ أم أوَّلَ الأحلامِ، أمْ‏ بوحَ السكونِ؟ كوّنتني، وأخذتني حتى نهاياتِ‏ الفرحْ..، وقتلتني حينَ انطفأتَ،‏ ولم أعُدْ إلاَّ شجوني..‍‍‏ لي قد تكونُ المشنقة‏ لي قد تكونُ الزنبقة‏ وبكَ انطفائي حينَ يشعلُني بكائي.. وبكَ اشتعالي حينَ تخنقني دمائي.. أتظلُّ هذي الروحُ حولكَ مشرقه؟‏.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *