إقليميات

بابُ المندب عِقدَةُ النَّهايةِ في مواجَهةِ الغَطرَسةِ الأمِريكيةِ

بقلم زينب عدنان زراقط

وفي هذا السياق، تكتسب التطورات المتسارعة في اليمن أهمية تتجاوز حدود الحرب اليمنية نفسها، ولا سيما مع الحديث عن تصعيد سعودي، وتحركات عسكرية مرتبطة بقوى سورية، ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوى حول البحر الأحمر وباب المندب. وفي المقابل، يظل لبنان ساحة شديدة الحساسية، نظراً إلى ارتباط جبهته الجنوبية مباشرة بالتوتر الإقليمي الأوسع.

فهل يتحول اليمن، عبر قدرته على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جزء من معادلة إقليمية مترابطة مع لبنان وإيران، بما يجعل تعدد ساحات الضغط قادراً على تغيير موازين القوة ورفع الكلفة العسكرية والاقتصادية على الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، ودفعهم في النهاية إلى إعادة حساباتهم والقبول بتسوية جديدة؟.

اليمن الورقة الإقليمية الحاسمة

لفهم الصراع اليمني الراهن، لا بد من العودة إلى جذوره الجغرافية، وفي مقدمتها قضية عسير وجازان ونجران، التي ارتبطت تاريخياً بالمجال اليمني وكانت محوراً لصراع طويل دامَ لعقود على الحدود والنفوذ في جنوب الجزيرة العربية. لذلك تجاوزت المواجهة اليوم حدود الحرب الداخلية لتتصل بالسيادة والجغرافيا وموازين القوة، خصوصاً مع انتقال اليمن من الدفاع عن أراضيه إلى التأثير في البحر الأحمر وباب المندب.

ومنذ عام 2015، خاض اليمن حرباً واسعة قادتها السعودية بدعم أمريكي ومشاركة إماراتية، شهدت انتشار قوات وميليشيات تابعة للتحالف في مناطق واسعة من البلاد. إلا أن سنوات الحرب والحصار أفضت إلى نتيجة مغايرة؛ إذ استثمر اليمن هذه المرحلة في إعادة بناء قدراته العسكرية وتطوير منظوماته الصاروخية والمسيّرة وتراكم الخبرة القتالية، لينتقل من موقع المتلقي للضربات إلى امتلاك أدوات ردع قادرة على تهديد مصالح خصومه وممراتهم الاستراتيجية. وبذلك أصبحت معركة استعادة السيادة مرتبطة بإنهاء الوجود والنفوذ الخارجي، وفرض واقع جديد يؤكد أن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة لإرادة الآخرين.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الجبهة اليمنية لم تعد مجرد مواجهة بين طرفين محليين أو حتى حرباً يمنية – سعودية بالمعنى التقليدي. فالموقع الجغرافي لليمن، وخصوصاً قربه من باب المندب والبحر الأحمر، يمنحه قدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة الدولية، ويجعل أي تصعيد فيه قابلاً للامتداد إلى خارج حدوده.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه أنصار الله تطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، بعدما أثبتت السنوات الماضية أن الحرب الجوية والحصار والضغط العسكري لم تكن كافية لإنهاء نفوذهم أو فرض تسوية سياسية عليهم؛ وهو ما برز بوضوح في أيار 2025، حين اضطرت الولايات المتحدة، بعد أسابيع من القصف المكثف، إلى الدخول في اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة عُمانية، أوقفت بموجبه ضرباتها على اليمن مقابل وقف استهداف السفن الأمريكية، في خطوة عكست حدود قدرة القوة الجوية وحدها على إخضاع أنصار الله وفرض شروط سياسية عليهم.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين السيطرة النارية على باب المندب والسيطرة الجغرافية المباشرة عليه. فامتلاك القدرة الصاروخية على تهديد الملاحة يمنح صنعاء ورقة ضغط كبيرة، بينما تمنح السيطرة الميدانية المباشرة على المناطق المشرفة على المضيق قدرة إضافية على إدارة هذه الورقة.

وتزداد خطورة هذه المعادلة مع تحوّل باب المندب إلى ورقة اقتصادية واستراتيجية في الصراع الإقليمي؛ وهي الورقة التي لوّحت بها إيران بوضوح ضمن معادلة الرد على أي تهديد لمصالحها. وقد أظهر اليمن عملياً قدرة على استخدام موقعه الجغرافي لفرض قيود وحصار على الملاحة المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، كما جعل الملاحة والمصالح السعودية عرضة للضغط من الاتجاه نفسه. وبذلك لم يعد باب المندب مجرد ممر بحري، بل ورقة ضغط يمكن أن تتكامل مع مضيق هرمز. فإذا اجتمعت الضغوط على الممرين، فإن تدفقات الطاقة والتجارة العالمية ستواجه صدمة كبرى، بما يرفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها ويضيّق هامش المناورة أمام واشنطن في أي تفاوض مع طهران.

ومن هنا، فإن أي تطور عسكري جديد في الساحل الغربي اليمني لا يمكن فصله عن الحسابات المتعلقة بالملاحة الدولية. وفي حال اتسع نطاق المواجهة، فقد يتحول باب المندب إلى إحدى أهم أوراق الضغط في الصراع الإقليمي، بالتوازي مع مضيق هرمز. وعندها يصبح أمن البحر الأحمر مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الخليج وأسواق الطاقة العالمية. هذه المعادلة تفسر أيضاً سبب الحساسية الكبيرة تجاه أي تحرك عسكري في اليمن، سواء من السعودية أو من أطراف إقليمية أخرى.

وفي هذا السياق، تكتسب التطورات الميدانية على الساحل الغربي أهمية مضاعفة؛ فبعد السيطرة على حيس، واصل أنصار الله تقدمهم باتجاه الساحل، مقتربين من مناطق أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية وصولاً إلى باب المندب. وهذا التقدم، إذا استمر، لا يعني مجرد مكسب عسكري على الأرض، بل يعزز قدرة اليمن على تحويل موقعه الجغرافي إلى أداة ضغط مباشرة على الملاحة في البحر الأحمر، ويمنح باب المندب وزناً أكبر في معادلة الصراع الإقليمي.

ترابط الجبهات لبنان- اليمن- إيران

من أكثر الملفات إثارة للجدل الحديث عن إرسال مقاتلين سوريين إلى الجبهة اليمنية، أو عن احتمال استخدام مجموعات سورية مسلحة في ساحات أخرى، بينها لبنان، فيما تتداول مصادر سياسية وإعلامية مختلفة روايات عن وجود ترتيبات إقليمية لهذا الغرض. وتزداد حساسية هذا الملف بالنسبة إلى لبنان مع احتمال انتقال مجموعات مسلحة ذات خبرة قتالية من الساحة السورية إلى الأراضي اللبنانية، بما قد يفتح جبهة جديدة ويزيد من هشاشة الوضع الأمني والسياسي في البلاد.

وبصرف النظر عن صحة كل التفاصيل المتداولة، فإن الحديث عن هذه التحركات يعكس تشابكاً متزايداً بين الساحات الإقليمية؛ فاليمن يمتلك موقعاً يسمح بالتأثير في البحر الأحمر، بينما يمتلك لبنان جبهة جنوبية ملاصقة لإسرائيل، وتشكل سوريا جسراً جغرافياً وسياسياً بين عدة ساحات. ومن ثم، فإن انتقال مجموعات مسلحة من سوريا إلى لبنان، أو تصعيد الجبهة اللبنانية، قد يحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة إضافية، كما أن تصعيداً في البحر الأحمر قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الخصوم في شرق المتوسط، بما يجعل الساحات الثلاث أكثر ترابطاً وخطورة.

وفي هذا السياق، لم يعد التحول العسكري اليمني مقتصراً على مواجهة السعودية داخل الجغرافيا اليمنية، بل امتد إلى البحر الأحمر، ليكشف عن تنامي قدرته على تهديد المصالح الإقليمية والدولية، بما فيها المصالح الإسرائيلية. ويبرز استهداف ناقلة نفط سعودية قبالة سواحل ينبع مثالاً على هذا التحول؛ إذ أبلغت جهات ملاحية عن تعرض ناقلة لهجوم على مسافة بعيدة عن السواحل اليمنية، في تطور، إذا تأكدت تفاصيله العملياتية، يعكس اتساع نطاق التهديد البحري اليمني إلى شمال البحر الأحمر. وتكتسب الواقعة أهمية إضافية لأن شمال البحر الأحمر يرتبط بالمجال البحري المؤدي إلى ميناء إيلات، ما يعني أن اتساع المدى وتطور القدرة على التعامل مع أهداف بحرية متحركة يمكن أن يجعلا المصالح الإسرائيلية ضمن الحسابات الاستراتيجية مستقبلاً.

ويوازي هذا التحول البحري تصاعدٌ في القلق داخل إعلام الخصم، الذي وصف التطورات بأنها “جنونية”، متحدثاً عن سقوط نحو 2600 كيلومتر مربع من الأراضي اليمنية خلال عملية واحدة وفي غضون 24 ساعة، بما يعكس، وفق هذه الرواية، اتساع القدرة العسكرية اليمنية على إحداث تغييرات ميدانية سريعة وواسعة.

وهكذا، لم يعد اليمن مجرد ساحة للحرب، بل تحول، بعد سنوات من القتال والحصار، إلى قوة تمتلك أدوات ردع قادرة على نقل كلفة المواجهة إلى خصومها وتهديد خطوط الملاحة والطاقة في الإقليم. ومن هنا يمكن فهم الحديث عن “وحدة الساحات” باعتبارها مفهوماً استراتيجياً أكثر من كونه مجرد شعار سياسي؛ فالضغط على إحدى الجبهات قد يستدعي رداً أو تحركاً في جبهة أخرى، بينما يمكن أن يؤدي انتقال المقاتلين والسلاح بين سوريا ولبنان إلى فتح جبهة جديدة تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي وتشتيت حسابات الخصوم.

أمّا لبنان، فيجد نفسه أمام معادلة صعبة؛ فالسلطة تؤكد سياسة النأي بالنفس وعدم الدخول في الحرب الإقليمية، لكن استمرار التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، إلى جانب دور حزب الله، يجعل ذلك أكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، أدانت الرئاسة والحكومة اللبنانية الهجمات على السعودية، وأكدتا تضامن لبنان معها. حيث أدانت الرئاسة والحكومة اللبنانية الهجمات على السعودية؛ فوصف الرئيس جوزاف عون الهجمات بأنها “عمل عدواني يشكل انتهاكاً صريحاً لسيادة دولة شقيقة”، مؤكداً أن “أي استهداف لسيادتها يستوجب إدانة عربية ودولية جامعة”، فيما أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أنه “يدين بأشد العبارات” الاعتداءات، مؤكداً “تضامن لبنان الكامل مع المملكة” ووقوفه إلى جانبها في مواجهة أي اعتداء يطال “أمنها وسيادتها”. وفي المقابل، يبرز التناقض في الموقف اللبناني؛ فبينما أُدينت الهجمات على السعودية، لم يصدر الموقف نفسه تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان، من قتل ودمار وتهجير وانتهاك للأراضي، ما يطرح تساؤلات حول ثبات الموقف الرسمي تجاه سيادة لبنان.

في النهاية هذه المعادلة، تبرز إيران بوصفها طرفاً رئيسياً في شبكة التوازنات الإقليمية، فيما تمثل الجبهة اليمنية إحدى أهم نقاط الضغط المرتبطة بها. فاليمن، بحكم موقعه على باب المندب، يمنح هذه الشبكة قدرة على التأثير في البحر الأحمر والملاحة الدولية، بالتوازي مع الأهمية الاستراتيجية التي يحتفظ بها مضيق هرمز بالنسبة إلى إيران.

ومن هنا، فإن أي مواجهة مباشرة مع طهران لا تبقى محصورة في الأراضي الإيرانية أو الخليج، بل يمكن أن تتردد تداعياتها في ساحات أخرى، وفي مقدمتها اليمن. كما أن تطور القدرات العسكرية اليمنية، ولا سيما الصاروخية والبحرية، جعل الجبهة اليمنية عاملاً مؤثراً في الحسابات الإقليمية، وليس مجرد ساحة داخلية للصراع.

وهكذا تتشكل معادلة مترابطة: إيران في هرمز، واليمن في باب المندب، ولبنان في شرق المتوسط. ثلاث ساحات متباعدة جغرافياً، لكنها متصلة استراتيجياً، بحيث يمكن لأي تصعيد في إحداها أن يفرض حسابات جديدة على بقية الجبهات.

وفي هذا السياق تحديداً، تكتسب الشروط الإيرانية لإنهاء الحرب دلالة تتجاوز الملف الإيراني المباشر؛ إذ لم يعد اليمن، في هذه المعادلة، ملفاً منفصلاً، بل ظهر إلى جانب لبنان ضمن الملفات التي تربطها طهران بمسار إنهاء المواجهة. فوقف الحرب، ووقف التهديدات، وانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، وإنهاء الحصار المفروض على اليمن، إلى جانب المطالب المتعلقة بالأصول الإيرانية والقدرات النووية والصاروخية، ترسم صورة لتسوية تنظر إلى ساحات الصراع باعتبارها مترابطة لا منفصلة.

وبذلك يصبح اليمن جزءاً من معادلة التفاوض نفسها: فكما أن لبنان حاضر في شروط إنهاء الحرب، فإن اليمن وباب المندب يحضران بوصفهما ورقة استراتيجية قادرة على التأثير في أمن الملاحة والاقتصاد الإقليمي والدولي.

فهل اقتربنا إذن من عقدة النهاية؟ هل تصبح السيطرة اليمنية على باب المندب، إلى جانب استمرار الضغط الإيراني على مضيق هرمز، اللحظة التي تنتقل فيها المواجهة من صراع عسكري إقليمي إلى معادلة اقتصادية عالمية، بحيث يصبح شلّ اثنين من أهم شرايين التجارة والطاقة ورقة ضغط لا تستطيع واشنطن تحمل كلفتها؟ وهل يمكن أن تقود هذه المعادلة، في نهاية المطاف، إلى إجبار الولايات المتحدة على إعادة حساباتها والتراجع عن خيار التصعيد، والقبول بالشروط الإيرانية للخروج من المواجهة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *