أمريكا في عهد ترامب.. قوة بلا تأثير: بين العظمة الظّاهرة والعجز الاستراتيجي
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
يُظهرُ لنا المشهدُ السياسي الأمريكي في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب تناقضاً صارخاً بين الحجم الهائل للقوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، وبين حالة العجز المتزايد في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي رسمتها دوائر القرار واتخذتها الرئاسة الأمريكية.
فعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة لأقوى جيش في العالم وأكبر اقتصاد عالمي، إلا أن إدارة ترامب وجدت نفسها غارقةً في مستنقعات حروب خاسرة، ومآزق دبلوماسية وسياسية لم تستطع الخروج منها حتى اليوم، وهذا مما دفع كثير من الساسة والنخب الفكرية وسدنة مراكز التفكير الأمريكية بالذات، إلى وصف أمريكا في هذه المرحلة بأنها باتت مجرد “قوة صغيرة” رغم عظمتها الظاهرة.
وقد جاءت الحربُ العدوانية التي شنّتها إدارة ترامب ضد إيران، لتكونَ من أبرز مظاهر هذا التناقض.. وقد أشعلوا الحرب ضدها على الرغم من أنها (أي إيران) دولة كبيرة ومهمة في المنطقة، ومستقلة وذات سيادة، وعضو في الأمم المتحدة، وتخضع لقوانين دولية، وهي عضو في كثير من المنظمات والمجالس الدولية..
طبعاً، لم تنجح هذه الحرب في تحقيق أهدافها المعلنة، بل أدخلت أمريكا في “أتون خسارات” متتالية على حد تعبير كثير من المحللين والمراقبين والنخب السياسية الغربية والأمريكية.. إذْ لم تتمكن واشنطن من القضاء على النظام الإيراني أو تغييره مثلما كانت النية الصهيو/أمريكية، ولم تنجح في تفكيك الملف النووي الإيراني، كما لم تتمكن من إنهاء قدرات إيران الصاروخية.. والأخطر من ذلك، أن ترامب وقع تفاهماً مع إيران ثم تراجع عنه، مما أضعف مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
ومن المعروف أنّ مضيقَ هرمز كان – قبل العدوان على إيران – مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، ولم يكن يحدث فيه أية مشكلات ملاحية أو غير ملاحية، بالعكس كانت السفن والناقلات النفطية والغازية تعبره بكل سلاسة وأريحية وبالمجان.. لكن بعد أن شنت أمريكا عدوانها على إيران، ومن ثم فرضت حصاراً اقتصادياً خانقاً على إيران، ردت طهران بإغلاق المضيق أمام حركة الملاحة، ثم أعقب ذلك قيامها بفتح مسار بديل تحت إشرافها، وهذا ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود تجاوز 4.5 دولارات للغالون الواحد، ووصل سعر برميل النفط تقريباً إلى 110 دولار في تعاملات اليوم (11 أيلول 2026). وقد كشف هذا الرد الإيراني هشاشة الموقف الأمريكي وهزالته، إذ لم تستطعْ واشنطن – على الرغم من وجود حاملات طائراتها ومدمّراتها وغواصاتها وقطعها البحرية وقواعدها البرية في دول الخليج، وقيامها بشن ضربات جوية وصاروخية على الساحل الإيراني الجنوبي- إعادة فتح المضيق أو (كما تدّعي) حماية حركة التجارة العالمية التي تعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي في مضيق كانت تمر عبره (قبل 28 شباط 2026م) شحنات نفطية تقدر بـحوالي 20 بالمائة من إجمالي إنتاج النفط العالمي.
وعلى الرغم من كل العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران عبر عقود إلى أن وصلنا إلى عقوباتها الأقصى منذ حوالي الأسبوعين، لم تنجح سياسة “الضغط الأقصى” في تغيير سلوك إيران لإرضاء الغرور والصلف والعنجهية الأمريكية. فقد طورت طهران ما يسمى بـ “اقتصاد المقاومة”، عبر شبكات تجارة الظل واستخدام العملات المحلية والأصول الرقمية، مما وفر لها حداً أدنى من التدفقات المالية اللازمة لتخفيف الضغوط. ويؤكد خبراء أن إيران أثبتت قدرة تاريخية على التكيف مع العقوبات رغم وجود تأثيرات نسبية، وأن زيادة الضغط الاقتصادي وحده لن ينتج تنازلات سياسية كبيرة إطلاقاً في أي ملف من الملفات السياسية والعسكرية المختلف عليها مع إيران..
وعلى الصعيد الداخلي، فقد تراجعت شعبية ترامب بشكل حاد نتيجة الآثار الاقتصادية للحرب على إيران، والتي شملت غلاء أسعار مواد الطاقة وحتى أسعار المواد الغذائية.. حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن حوالي 65% من الأمريكيين يرفضون طريقة تعامل ترامب مع الحرب، بينما يرى 59% أن قرار استخدام القوة العسكرية كان خاطئاً. كما انخفض معدل تأييده اليوم إلى ما دون 33%، وهي النسبة الأدنى منذ توليه الرئاسة، مما جعل ترامب عبئاً انتخابياً على حزبه الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي.
طبعاً، لم يقتصر التراجع على الناخبين المستقلين، بل امتد إلى القاعدة الجمهورية التقليدية التي تشكل النواة الصلبة للحزب. ففي المناطق الريفية، انخفض صافي تأييد ترامب من +27 إلى -6 بين الناخبين البيض. ويعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، حيث ارتفعت حالات الإفلاس الزراعي بنسبة 46%، وأغلقت 15 ألف مزرعة أبوابها.
وتعكس المعضلة الانتخابية للجمهوريين انقساماً حاداً داخل الحزب بين مختلف نخبه وقادته حتى على مستوى النائب جي دي فانس ووزير الخارجية مارك روبيو، وهما أصبحا يحسبان حساب خط الرجعة والمستقبل السياسي لهما بعد غرق سفينة ترامب التي من المرجح أن تزداد غرقاً مع فشله في انتخابات التجديد النصفية بعد أقل من شهرين.. وبينما يحاول بعض المرشحين في الولايات المتأرجحة الابتعاد عن ترامب، يصر الرئيس على فرض أجندته على السباق الانتخابي. وقد أعلن ترامب أنه سيمنح كل مواطن أمريكي بالغ ما قيمته 5000 دولار إذا احتفظ الجمهوريون بمجلسي الكونغرس، وهو مجرد وعد لا قيمة له، ويبدو محاولة يائسة لشراء الأصوات..
ويواجه ترامب أيضاً تحديات قانونية متزايدة، إذ يستعد الديمقراطيون لفتح تحقيقات واسعة في كثير من الملفات السياسية والاقتصادية وعلى رأسها ما يصفونه بـ “فساد ترامب”، إذا فازوا بأغلبية في مجلس النواب.. كما أن الحملة الانتقامية التي يشنها ترامب ضد المشرعين الجمهوريين الذين عارضوه سابقاً تسببت في استنزاف مالي وسياسي هائل داخل الحزب الجمهوري..!!.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يبدو أن ترامب بات يدرك تماماً أن خسارة حزبه محتملة وربما واقعة. حيث تشير استطلاعات الرأي والتحليلات المستندة إليها، إلى أن الجمهوريين قد يفقدون السيطرة على مجلس النواب، مما سيمكن الديمقراطيين من عرقلة أجندته التشريعية وفتح تحقيقات قد تهدد رئاسته بالكامل، خاصة إذا ما جرى طرح موضوع مساءلته وعزله..!!. وهذه الديناميكية تعكس كيف تحول ترامب من ورقة قوة للحزب الجمهوري إلى عبء انتخابي ثقيل عليه..!!.
إن تجربة أمريكا في عهد ترامب تكشف عن حقيقة مهمة هي:
أن القوة الاقتصادية والعسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية مهما كانت شعارات التحدي المطروحة.. فقد أظهرت الحرب على إيران أن القوة العسكرية الهائلة يمكن أن تتحول إلى مأزق استراتيجي كبير وخطير ومكلف مادياً، وأن العقوبات الاقتصادية قد تفشل في إخضاع دولة مصممة على المقاومة ومواجهة المارد الأمريكي بالتحدث والثبات.
والأهم من ذلك، أن السياسات الخارجية الفاشلة يمكن أن تترجم إلى خسائر انتخابية داخلية، مما يهدد مستقبل الرئيس وحزبه. وهكذا، تقدم تجربة ترامب مع إيران درساً في حدود القوة الأمريكية، ودليلاً على أن العظمة الظاهرة قد تخفي هشاشة حقيقية في القدرة على تحقيق النتائج المرجوة.
إنَّ القوة الحقيقية لا تكمنُ في مجرد امتلاك الأدوات أو الوسائل، بل في القدرة على توظيفها بحكمة وذكاء ووعي ومسؤولية. فالأدوات وحدها، مهما بلغتْ من تطوّرٍ وقوة في النوعية والمضمون، تبقى بلا قيمة حقيقية إذا أُسيء استخدامها أو وُظفتْ بلا رؤية أو بصيرة واعية مسؤولة. وهذا بالضبط ما افتقر إليه ترامب وإدارته بشكل شبه كامل؛ إذ لم تكن المشكلة في نقص الإمكانات أو غياب القوة المادية أو العسكرية أو الاقتصادية، بل في غياب الحكمة في إدارة تلك الإمكانات وتوجيهها نحو مصالح البلاد العليا..
لقد امتلكت الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة كل مقومات القوة: اقتصاداً ضخماً، وجيشاً هو الأقوى في العالم، ونفوذاً دبلوماسياً واسعاً، وأدوات ضغط وتأثير لا مثيل لها. لكن القوة الحقيقية لم تظهر في استخدام تلك الأدوات بذكاء ومسؤولية، بل على العكس، شهدنا قرارات متسرعة، وسياسات ارتجالية، وتحالفات غير محسوبة، وانحيازاً واضحاً لأجندات خارجية على حساب المصالح الأمريكية نفسها. وهنا تبرز الحقيقة التي بات يدركها اليوم كثير من الأمريكيين، سواء في المدن الكبرى أو المناطق الريفية، سواء داخل الحزب الجمهوري أو خارجه: أن رئيسهم قد تم جرّه وسوقه من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مستنقع خطير، مستنقع الصراعات المفتوحة، والتورط في حروب لا تنتهي، وتبني أجندات لا تخدم أمريكا بقدر ما تخدم أطرافاً أخرى.
وقد أدركَ كثيرون، ولو متأخّرين، أنَّ الانحيازَ الأعمى والانخراط في مغامرات غير محسوبة لم يجلب للولايات المتحدة سوى عزلةٍ متزايدة، واستنزافٍ للموارد، وتشويهٍ لسمعتها الدولية، وتراجعٍ في ثقة حلفائها في كلّ أنحاء العالم.. فالقوة ليست في امتلاك العصا الغليظة فقط، بل في معرفة متى تُستخدم، وكيف، ولمصلحة من.
وهذه الحقيقة، على الرغم من قسوتها، بدأت تتسلل إلى وعي الرأي العام الأمريكي، الذي يطالب اليوم بمراجعة شاملة لسياسات بلاده، وباستعادة القرار الأمريكي المستقل، وبوضع المصالح الوطنية فوق كل الاعتبارات والولاءات الخارجية..!!.
