بين الدلالة والأسلوبية الحديثة.. من أجل ثقافة البقاء…
بقلم غسان عبد الله
لقد صنع الغرب حداثته مخضّبة بدماء الشعوب وتلقّفها بعض المثقفين العرب، فاغتربوا وتغرّبوا وغرّبوا.!.. نحن لا يمكننا أن نستكين لدعاوى الحداثة والهمس وما بعد الحداثة، ونحن نجرب الخروج على الفراهيدي وابن جني والمتنبي، لا بد من محاولات لنخرج عن القاعدة الوهمية حول الحداثة.
نحبُّ أن نشرب من نسغ الحياة، من شرايين المعرفة المصطفاة، ونحن نعرف أن المرور بدهشة مخيم جنين، بالمقاتل الذي أدمن لغة الحياة، وانتزع وسام الوطن، خير من المكوث تحت غبار تجربة الاستنساخ في تجربة الحداثة الغربية، المخضّبة بدماء الشعوب، وثرواتهم ومرجعياتهم، تلك الثقافة التي تلقّفها بعض المثقفين العرب، فحملتهم إلى موائد اللعنة والصَغَار، فجعلوا من التّجديد جنازات للصدق والإبداع والحب والوجود.
في الصحف الغربية يعلن تسامحه مع العدو، وينعت القاتل الحائز على وسام يهوذا بالصديق. وفي فضائية عربية يرفض العمليات الاستشهادية لأنها تؤلّب الرأي العام العالمي على الفلسطينيين ويسميها عمليات انتحارية، دون شك أن شاعراً لم يكن ليجرؤ على هذا الانتماء التوراتي، لو لم تكن نجوميته تشكل الساتر الذي يجعل أعداءه السياسيين يتغنون بقصائده التي تشارك “المهرولين” بتقديم التراب الفلسطيني على طبق من دم إيمان حجو ومحمد الدرة والشهداء الأبرار كافة ليصغر هذا التراب المقدس ويصبح معبراً أو حاجزاً عنصرياً.
الدلالة: إن لغة المستقبل أو اللغة الجديدة القادمة مع النموذج الجديد، ولئن كانت اللغة هي وعاء الإبداع بمفهوم وهي الإبداع عينه بمفهوم آخر، فإن الأسلوبية الحديثة في الأدب والشعر والرواية بخاصة، وجدت لنفسها مهرباً من الدلالة مستندة إلى مدارس ما بعد الأيديولوجيا، وهنا تكمن مصيبة الأدب الفلسطيني المعاصر كغيره من الشعر العربي باستثناءات قليلة.
الدلالة ليس بمباشرة الأشياء وحسيتها، وإنما باكتشاف دفئها وزمرة دمها وكيفية تفكيرها بالخلق والكون والبقاء والوصل، بالرمز تخلقه الوقائع الاجتماعية فتمنحه اللون والرائحة والبهجة حتى في لحظات الموت بحثاً عن البقاء.
الدلالة لا يمكن إلا أن تكون لها مرجعية أيديولوجية، لأن أي موقف حتى الإبحار بحثاً عن المتعة والجسد والذهب أو عشبة البقاء يرجع إلى أيديولوجيا، مثله مثل الشعر الهامس أو المكتوب على لوحات قماشية أو على الجسد، فلماذا يكون هَرَبُ بعضهم من الأيديولوجيا مدعاة للتنازل عن الوطن.
والدلالة في أدب وفكر فلسطيني، ولد في جبهات المقاومة، في المخيم والخندق، والتعبير الرائع عنها في رسالة خاصة لابن نوح للشاعر العربي أمل دنق. والدلالة فيما ولدته سجون العدو، من أدب يفيض بالحياة وفكر لا يستسلم، وشعر لا يئد الرجال، ولا يستبيح حرمة الأرض، أدب يصنع المستقبل ويدل إليه بقوة.
حكاية الدلالة ليست ضوضاء الخطابات في السوح والمنابر، إنها الاندماج الروحي والجسدي في الدلالة واللغة من أجل محصِّلة معرفية جمالية، وولّادة كما يحصل في الطبيعة حين ترفع السنابل الخضراوات الرؤوس في الحقول، وحين تتفتح أكمام الحب في القلوب، حين يصبح المتراس دار عبادة، وحين لا يَنتجُ في “الهرولة” عباد صغار في جمعيات أهلية تموّلها جمعيات الغرب المختلفة، والتي أعادت إنتاج حداثتها على مقاصل أطفال فلسطين، وعلى محارق زيتونها.
الأسلوبية الحديثة: إن الاهتمام الواسع بالأسلوبية في الشعر العربي المعاصر، يدفعني إلى السؤال: هل تختلف هذه النظرة الأسلوبية إلى الشعر، عن مدرسة البديع التي حمل لواءها مسلم بن الوليد وأبو تمام ومن ثمّ المتنبي؟. وما الفارق الرئيس بينهما؟. ترافقتْ هذه الأسلوبية المعاصرة بالدعوة إلى الهمس، والأنا – الذات -، والنأي عن الأنا الجمعية، وفي التطبيق العملي للنقد، قامتْ بدراسة الألفاظ المفردة، وتراكيبها المختلفة، والصورة، ولم يكن فيها أكثر من إشارات إلى المضامين واكتفت بنعوت الرؤيوية، والحداثية، وأحياناً موت المؤلف، وما إلى ذلك من المصطلحات النقدية، التي شغلت النقاد والشعراء، والتي تمركزت حول عدد من النقاد الغربيين ومدارسهم النقدية.
الأسلوبية وحدها نكوص، ارتداد، لكنها جزء مهم من عملية نقدية متكاملة، لا يمكن مثلاً قبول نقد يبدو فيه الناقد جاهلاً بعلوم اللغة وفقهها، جاهلاً بعلم جمالها، مدّعياً تجاوز أسرارها، بما عتم الجهل في مداركه، أو بما يريده هو من تشكلات في اللغة، وربما كان جهل أميٍّ مضحكاً، أمام تجاهل أكاديمي، لدوافع يمليها عليه تمكّنه من لغة أجنبية يتقنها. فيغرق في لجة الآخر، ويصبح المولود غير الشرعي، لناقد بتَّ الصلة بين تفكيره، وبين ثقافة مجتمعه التي تشكل المقاييس والمعايير؛ لاسيما إذا كان المجتمع في مرحلة مخاض، يؤسس في مقاومته للمشروع التصفوي مشروعاً نهضوياً، مشروعَ بقاء وحياة تزخر بالإبداع.
فالأسلوبية العربية لم تنقطع عن الفكر والحياة والفلسفة والدين والحرب والسلم، لذلك منحت الإنسانية الأدب الخالد، فأيُّ أسلوبية يمضي إليها الشعر والنقد الآن؟ يكذب الناقد! حين يريد أن يقفز إلى دائرة ضوء التبشير والتشهير، والانتقال من موقف إلى آخر، ينزع جلد وجهه، ويلحس مواقفه المكتوبة والشفهية، ولا أعتقد لأنه قرأ كتاباً جديداً في الأسلوب والحداثة الغربية، بل لأنه يريد أن يحقّق سبقاً ويبرز أستذة لا يستحقهما.
إن إطلاق أحكام القيمة دون دراية أو دربة بنقد لا يعتمد إلا على الأسلوبية مضيعة للوقت. وبخاصة عندما يفقد المصداقية، وحين تتبدل المواقف مع الأهواء، إن اعتماد المحو ليس مأثرةً، في المحو يتساوى الأكاديمي والجاهل، ويخسر المبدع فرصةَ أنْ يحمل الأكاديمي مفاتيح المعرفة إلى المتلقي. نحن أمام مجزرة، يرتكبها الدعاة الجدد إلى الحداثة الأسلوبية، تبدأ من إطلاق الأحكام المسبقة الصنع، وتصدر الأوامر إلى المبدعين، وتعدم النصوص. نحن بحاجة إلى ثقافة وإبداع يلائمان بين اللغة الجديدة وبين حياة المخيم والمعتقل وجنازات الشهداء؛ ومبدعونا في هذا المجال أصواتٌ تُكسِّر جليد الموت وتحقق وجودنا الإنساني.
