السعودية تحت حصار استراتيجي.. الحرب على باب المندب
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
تتوسع الحرب الدائرة مع إيران لتشمل الجبهة اليمنية، ما يمثل اختباراً للسعودية واتفاقياتها الإقليمية، وللولايات المتحدة، ولإسرائيل.
بينما انصبّ الاهتمام العالمي على مضيق هرمز في الأشهر الأخيرة، تتصاعد الحملة على ممر باب المندب، وهو ممر مائي آخر في شبه الجزيرة العربية، بوتيرة متسارعة. لم يعد تصاعد الحرب في اليمن وتزايد تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر جبهة منفصلة، بل جبهة أخرى في الحرب الإقليمية مع إيران. تعيش السعودية أزمة حقيقية وضغوطاً استراتيجية غير مسبوقة: فممر هرمز مُعطّل من الشرق، وخط أنابيب النفط بين الشرق والغرب مُتضرر، والحوثيون يشنّون هجمات على أراضيها، والطريق البديل عبر البحر الأحمر مُهدد. وبالتالي، فإن قدرتها على الدفاع عن أراضيها وتأمين صادراتها النفطية تتعرض لضغوط من عدة جهات في آن واحد. تُمثل الأزمة اختباراً للتحالفات الجديدة التي بنتها الرياض، بقيادة “تحالف مكة”، وكذلك للولايات المتحدة. فبالنسبة لإدارة ترامب، التي تسعى لتقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة، يكمن التحدي في مساعدة حليف رئيسي وضمان حرية الملاحة دون الانجرار إلى جبهة أخرى ضد الحوثيين وتوسيع نطاق الحرب مع إيران. كما أن لإسرائيل مصلحة مباشرة في احتواء الحوثيين ومنعهم من ترسيخ وجودهم في باب المندب. وفي ظل محنة السعودية، ينبغي لإسرائيل أن تتواصل مع الرياض وتقدم لها مساعدة سرية، دون شروط أو محاولة الحصول على تعويضات سياسية فورية. فاحتواء الحوثيين والحفاظ على باب المندب مفتوحاً باتا مصلحة مشتركة بين الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل. وبينما تتجه أنظار العالم نحو مضيق هرمز، تنفتح جبهة خطيرة أخرى في الشرق الأوسط في اليمن. بعد مرور ما يقارب أربع سنوات على انتهاء الحرب هناك، استأنف الحوثيون هجوماً واسع النطاق – جواً وبحراً وبراً – ولم يعد هدفهم الرئيسي المملكة العربية السعودية فحسب، بل المنطقة التي تسيطر على مضيق باب المندب، ثاني أهم ممر مائي يحيط بشبه الجزيرة العربية، وأحد أهم الممرات الملاحية في العالم. وقد عزز الهجوم البري الكبير الذي شنه الحوثيون مطلع أيلول على المخا سيطرتهم على ساحل البحر الأحمر، وأحكموا قبضتهم البرية على المضيق، مما سهّل عليهم انتهاك حرية الملاحة فيه. وفي الوقت نفسه، تُظهر الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على المملكة العربية السعودية أن الحملة تعود أيضاً إلى أراضي المملكة. وتتجاوز تداعيات ذلك حدود اليمن: فمع تعطيل مضيق هرمز من الشرق، وإغلاق خط أنابيب النفط السعودي شرقاً وغرباً عقب هجمات من العراق، وتهديد الحوثيين للمخرج عبر البحر الأحمر من الغرب، يتحول مضيق باب المندب من جبهة ثانوية إلى ساحة استراتيجية مركزية. إن الحرب اليمنية الثانية، إن كانت هذه هي المرحلة التي دخلتها المنطقة بالفعل، هي أيضاً حرب باب المندب.
وتتجاوز تداعياتها الحرب في اليمن بكثير. لسنوات، كان يُنظر إلى إيران والحوثيين من منظور الرياض على أنهما جبهتان منفصلتان: إيران تمثل التهديد الاستراتيجي من الشرق، والحوثيون مصدر إزعاج من الجنوب. أما الآن، فتعمل الجبهتان في آن واحد، بل يمكن القول إنهما تعملان بتنسيق. تمارس إيران ضغوطاً على مضيق هرمز، بينما يهدد حلفاؤها في اليمن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وتُعد هاتان النقطتان الرئيسيتان المحيطتان بشبه الجزيرة من أهم نقاط الاختناق في العالم العربي، حيث يتزامن الصراعان ويعزز أحدهما الآخر. ومن الجدير بالذكر أن شرارة الجولة الحالية تجسد هذا الترابط أيضاً: ففي تموز 2026، حاول الحوثيون إنزال طائرة قادمة من طهران في صنعاء، في محاولة لتحدي الحصار الجوي والبحري المفروض عليهم. شنت طائرات التحالف بقيادة السعودية هجوماً على المدرج ومنعت هبوط الطائرة، ورد الحوثيون بالصواريخ والطائرات المسيرة ومقاطعة الملاحة البحرية السعودية، منهيين بذلك وقف إطلاق النار الذي استمر منذ عام 2022.
ويُثير توقيت هذا الصراع قلقاً بالغاً لدى السعودية. فقد استثمرت المملكة لعقود في خط أنابيب يمتد من الشرق إلى الغرب، ينقل النفط من شرق المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر، بهدف تقليل اعتمادها على مضيق هرمز، إلا أن هذا النجاح خلق اعتماداً جديداً: فبحلول جزيران 2026، كان نحو 92% من صادرات النفط السعودية المنقولة بحراً تمر عبر ميناء ينبع، وقفز حجم الصادرات منه قرابة خمسة أضعاف، من حوالي 763 ألف برميل يومياً قبل الأزمة إلى حوالي 3.8 مليون برميل يومياً. بعبارة أخرى، كلما ازداد خطر مضيق هرمز، ازدادت أهمية البحر الأحمر. ومع ازدياد أهمية البحر الأحمر، يتحول الصراع مع الحوثيين من مجرد إزعاج على الحدود الجنوبية للسعودية إلى تهديد استراتيجي لتجارتها وخطوط إمدادها بالطاقة. فقد أصبح الممر الذي كان يُفترض أن يُخفف المخاطر نقطة اختناق بحد ذاته.
منذ إعلان الحوثيين الحصار على المملكة في 20 تموز 2026، لم تُحمّل أي شحنة نفط على الساحل الغربي للمملكة للتصدير عبر مضيق باب المندب. وتُجبر ناقلات النفط المحملة على التوجه شمالاً عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك تدور حول أفريقيا للوصول إلى عملائها في آسيا، وهو مسار يُطيل الرحلة من ينبع إلى كوريا الجنوبية من حوالي 24 يوماً إلى حوالي 54 يوماً، ويتطلب أيضاً تغيير السفن. والأهم من ذلك، أن الحوثيين منحوا استثناءات فعلية للسفن الصينية والروسية، لذا فإن المقاطعة ليست إغلاقاً للمضيق، بل هي عملية تفتيش سياسي لمن يُسمح له بالمرور عبره. في الخامس من آب، هاجمت اليمن ناقلة نفط سعودية قبالة سواحل ينبع، على طريق ملاحي داخلي بين ينبع وجيزان، على بعد مئات الكيلومترات من منطقة المقاطعة المعلنة، وربطت الهجوم صراحةً بتحويل مسار الناقلات شمالاً. بعبارة أخرى، أصبح البحر الأحمر بأكمله خطراً على الملاحة السعودية.
وهكذا، عادت المملكة إلى قصف أهداف الحوثيين في اليمن ودعم القوات التي تقاتلهم، بعد سنوات من سعيها للانسحاب من الحرب اليمنية؛ ووفقاً للحوثيين، نُفذ أكثر من 120 هجوماً سعودياً في الأيام الثلاثة التي سبقت هجوم الثامن من أيلول. في الوقت نفسه، بدأت الحكومة اليمنية المعترف بها حملة قصف مضادة، شنت خلالها هجوماً مضاداً في الجوف وبدع بهدف تشتيت قوات الحوثيين، معلنةً هدفاً أكثر طموحاً: استعادة صنعاء. بمعنى ما، كانت نتائج الحرب مع إيران هي التي أتاحت للحوثيين فرصةً، وزادت في نهاية المطاف الضغط على الرياض للانخراط مجدداً في اليمن. في الجولة السابقة بين السعودية والحوثيين، بين عامي 2015 و2022، نفّذ التحالف بقيادة السعودية عشرات الآلاف من الغارات الجوية في اليمن، لكنه فشل في منع الحوثيين من مهاجمة البنية التحتية للمملكة في قطاعات الطاقة والطيران والبنية التحتية المدنية. انتهت الحملة بوقف إطلاق النار بدلاً من حسم النتيجة لصالح أي من الطرفين، ويبقى أن نرى ما إذا كانت الدروس المستفادة في الرياض، والتغيرات في التحالفات الإقليمية والدولية، والظروف المتغيرة للحوثيين في الداخل، ستُؤتي ثمارها. هذه المرة، تدخل الرياض المعركة بتحالف أوسع. ويُعدّ هذا أول اختبار لـ “ميثاق مكة” المُوقّع في 7 آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، والذي ينصّ على أن أي هجوم مسلح على أيٍّ منها يُعتبر هجوماً على الدول الثلاث. حتى الآن، اكتفت تركيا وباكستان بإدانات شديدة اللهجة ودعوات لوقف الحوثيين؛ ولا يوجد حتى الآن أي دليل على تدخّل عسكري فعلي في النزاع. لا تحتاج الرياض بالضرورة إلى قوات تركية أو باكستانية على الأرض، بل تحتاج إلى طائرات اعتراضية وطائرات مسيّرة ومعلومات استخباراتية وغيرها من الوسائل لحماية منشآتها وبنيتها التحتية في قطاع الطاقة. إذا وفّرت أنقرة وإسلام آباد هذه الوسائل، فسيكتسب التحالف الجديد أولى ثماره العملياتية. أما إذا اكتفتا بالإدانات، فسيتضح التباين بين التصريحات والاستعداد لتحمّل التكاليف عندما تتعرّض إحدى الشريكات لهجوم فعلي.
لكن السؤال الأهمّ يوجّه إلى واشنطن. فمن وجهة نظر إدارة ترامب، تُشكّل التطورات في باب المندب معضلة بالغة التعقيد. تسعى الإدارة الأمريكية في آنٍ واحد إلى تجنب تصعيد الحرب مع إيران والانجرار مجدداً إلى حملة مباشرة ومطولة ضد الحوثيين، وفي الوقت نفسه منع إلحاق ضرر جسيم بالسعودية وحرية الملاحة. هذه الأهداف الثلاثة ليست بالضرورة متوافقة. وتمثل الأزمة أيضاً اختباراً للبنية الإقليمية التي تسعى إدارة ترامب إلى تعزيزها: تقليل التدخل العسكري الأمريكي المباشر، وزيادة مسؤولية الشركاء الإقليميين عن الدفاع عن أنفسهم، إلى جانب تقديم المساعدة الأمريكية في مجالات الاستخبارات والدفاع والإمداد والردع. وفي هذا السياق، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن السعودية، بل يتعداه إلى ما إذا كان هذا النموذج قادراً على الصمود أمام اختبارٍ حقيقي عندما يتعرض أحد شركائها الرئيسيين لهجوم ويطلب مساعدة أوسع، في حين لا ترغب واشنطن في فتح جبهة أخرى.
ويبدو أن أولوية ترامب هي تجنب الدخول المباشر في حملة أخرى قدر الإمكان. فالحرب مع إيران مستمرة منذ أشهر، وينصبّ الجهد الأمريكي على محاولة تقليص نطاقها وإيجاد مخرج منها. إن تجدد الحملة ضد الحوثيين سيستلزم تخصيص قوات وأسلحة إضافية، وقد يُنشئ صلة مباشرة بين الساحة اليمنية والحرب في إيران، ويُفاقم الصراع الإقليمي. وتُظهر تصريحات ترامب الأخيرة، التي تفيد بأن الحوثيين غير معنيين بالحرب مع الولايات المتحدة، وأنه غير قلق في هذه المرحلة من احتمال نشوب صراع معهم، رغبته في منع تحول الأزمة إلى جبهة أمريكية أخرى. وتشير التقارير الأخيرة أيضاً إلى أن واشنطن تُفضل في هذه المرحلة الاكتفاء بالمساعدة الاستخباراتية والدعم للسعودية العربية، وعدم اللجوء إلى هجمات أمريكية مباشرة.
لكن تجنب التدخل لا يحل المعضلة الأمريكية. فالسعودية شريك رئيسي للولايات المتحدة، واستمرار تضرر قدرتها على تصدير النفط، إلى جانب تهديد ممر ملاحي دولي حيوي، يُؤثر أيضاً على المصالح الأمريكية المباشرة. علاوة على ذلك، فإن تجنب تقديم مساعدة كبيرة للرياض قد يُنظر إليه في المنطقة على أنه دليل على أن حتى الشراكة الوثيقة مع واشنطن لا تضمن الدعم في أوقات الأزمات. في ظل توسع علاقات السعودية مع شركاء جدد في السنوات الأخيرة، ينعكس ذلك على مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها في المنطقة.
يشير هذا إلى خيار وسط، وهو تقديم دعم كبير للسعودية دون إشراك الولايات المتحدة بشكل مباشر في الحرب. قد يشمل هذا الدعم المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر، والمساعدة في اختيار الأهداف، وتوفير صواريخ اعتراضية وتدابير دفاعية، وزيادة الوجود البحري والمرافقة، ودعم التحالف الإقليمي لحماية حرية الملاحة. في الوقت نفسه، يمكن لواشنطن ترك الجزء الأكبر من العمليات العسكرية ضد الحوثيين في يد السعودية وحلفائها، والحفاظ على قنوات سياسية لتوضيح الخطوط الحمراء الأمريكية للحوثيين وإيران. سيبقى التدخل العسكري المباشر خياراً متاحاً في حال تعرض القوات أو السفن الأمريكية للهجوم، أو إذا اتسع نطاق تهديد الحوثيين ليشمل انتهاكاً واسع النطاق ومستمراً لحرية الملاحة الدولية.
كما تحدّ الاعتبارات السياسية الداخلية من حرية ترامب في اتخاذ القرارات. مع اقتراب انتخابات الكونغرس في ت2، حيث أصبحت الحرب مع إيران وأسعار الطاقة والخوف من مزيد من التدخل الأمريكي جزءاً من النقاش السياسي. إن فتح جبهة أخرى في اليمن سيجعل من الصعب على ترامب تبرير موقفه أمام الرأي العام، وكيف تجد إدارته، التي تعهدت بتجنب الحروب المطولة، نفسها متورطة في آن واحد مع إيران والحوثيين. من جهة أخرى، قد يُلحق المزيد من الضرر بإمدادات النفط وارتفاع أسعار الطاقة خسائر سياسية فادحة به. وتُظهر تصريحاته الأخيرة، التي ربط فيها انتهاء الحرب مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي بانخفاض متوقع في أسعار النفط، مدى اندماج الاعتبارات الاقتصادية والانتخابية في حسابات الإدارة.
لذا، فإن التحدي الذي يواجه إدارة ترامب في هذه المرحلة ليس كيفية هزيمة الحوثيين، بل كيفية منعهم من تحقيق إنجاز استراتيجي، ومساعدة السعودية، وضمان حرية الملاحة دون جعل الولايات المتحدة مرتعاً لحرب أخرى. ولذلك، من المرجح أن تُفضل الإدارة تدخلاً تدريجياً، بالاعتماد على الشراكات الإقليمية وبدعم أمريكي كبير، مع وضع شروط صارمة لدخول الولايات المتحدة المباشر في هذه العملية. سيمثل نجاح هذا النهج اختباراً هاماً لقدرة واشنطن على الحفاظ على البنية الإقليمية التي تسعى إلى بنائها، وذلك من خلال تقليص التدخل المباشر دون المساس بالردع وثقة شركائها فيها.
خلاصة وتداعيات
تُظهر التطورات الأخيرة في اليمن أن الحرب مع إيران تتحول تدريجياً من حرب مباشرة إلى حملة إقليمية متعددة القطاعات. لم تعد اليمن والعراق والساحة البحرية جبهات منفصلة: فإيران تُعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز، والحوثيون يمارسون ضغوطاً على السعودية ويُعززون سيطرتهم على منطقة باب المندب، والميليشيات الموالية لإيران في العراق تنضم إلى المعركة. وهكذا، يعمل المحور الإيراني كشبكة لا مركزية قادرة على ممارسة ضغط تراكمي من عدة اتجاهات، حتى بدون قيادة وسيطرة إيرانية مباشرة على كل مكون من مكوناته.
في الوقت نفسه، أصبحت السيطرة على الممرات البحرية الضيقة أداة استراتيجية بحد ذاتها. ليس من الضروري أن تُغلق إيران مضيق هرمز بالكامل، وليس من الضروري أن يُغلق الحوثيون باب المندب بالكامل. إن القدرة على تهديد الملاحة البحرية لفترة طويلة، ورفع أسعار التأمين والنقل، وجعل طرق التصدير غير موثوقة، كافية لتوليد نفوذ يفوق بكثير قوتهم العسكرية. ولذلك، فإن السيناريو الخطير هو إنشاء “كماشة بحرية” حول شبه الجزيرة العربية، حيث تستطيع إيران ووكلائها تعطيل ممرين ملاحيين رئيسيين في المنطقة في آن واحد.
وتُظهر الأزمة أيضاً قصور التحالفات الجديدة في المنطقة. فقد وسّعت السعودية نطاق داعميها الأمنيين في السنوات الأخيرة، بدءاً من الولايات المتحدة وصولاً إلى التحالف البحري في البحر الأحمر و”تحالف مكة” مع تركيا وباكستان، ولكن في الوقت الراهن، لا يُقدّم أيٌّ منهم رداً كاملاً. وتمتنع تركيا وباكستان حالياً عن التدخل العسكري المباشر، وتتردد الولايات المتحدة في توسيع نطاق الحملة، ويعاني المعسكر المناهض للحوثيين في اليمن من الانقسام والضعف. وهذا تعبير آخر عن مبدأ أوسع: فالتحالفات المتعددة تُتيح للدول خيارات ومرونة ومساحة أكبر للمناورة، لكنها لا تضمن مزيداً من الأمن.
وتُعاني السعودية فعلياً من حصار استراتيجي. فممر هرمز مُعطّل من الشرق، وخط أنابيب شرق – غرب مُصمّم لتجاوزه قد تضرر، ومن الجنوب يُعزّز الحوثيون سيطرتهم على منطقة باب المندب ويُهدّدون الطريق البديل عبر البحر الأحمر. إن البدائل التي بنتها المملكة للحد من هشاشتها باتت هي نفسها أهدافاً. فالمملكة لا تعاني من نقص في النفط، بل من نقص في القدرة على إيصاله إلى الأسواق بأمان. يمكن للمخزونات أن توفر متنفساً مؤقتاً، ويمكن إصلاح البنية التحتية المتضررة، لكن إصلاح خط الأنابيب لا ينهي الأزمة: فما يُصلح اليوم قد يتضرر مجدداً غداً. لذا، لا يقتصر التحدي على استئناف الصادرات فحسب، بل يشمل تأمين شرايين التصدير التي يمكن حمايتها على المدى الطويل.
يتخذ الحصار الاستراتيجي أيضاً بُعداً آخر، إذ يُشكل تهديداً مباشراً للوطن السعودي. ففي الأيام الأخيرة، اضطرت السلطات إلى إصدار تحذيرات متكررة لسكان المدن الجنوبية من صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيّرة، بعد أن تسببت هجمات سابقة في سقوط عشرات الضحايا وإلحاق أضرار بالبنية التحتية للطاقة. وبالتالي، يتعين على السعودية حماية طرق تصديرها، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وحماية مدنها من المزيد من الهجمات.
من وجهة نظر إسرائيلية، تكمن الأهمية الرئيسية في أن تهديد الحوثيين لم يعد شأناً يمنياً فحسب، ولا يقتصر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، بل هو جزء من حملة أوسع ضد إيران، ومحاولة للضغط على دول المنطقة من خلال السيطرة على شريان حياتها. يُنشئ هذا الأمر مصلحة مشتركة واضحة وقوية بشكل استثنائي بين إسرائيل والسعودية: منع ترسخ الحوثيين الذي من شأنه أن يسمح لإيران وحلفائها بتهديد هرمز وباب المندب في آن واحد.
بالنسبة لإسرائيل، تُعدّ هذه فرصة سياسية وأمنية سانحة. فعندما تُدرك الرياض محدودية الدعم الأمريكي والفجوة بين تصريحات شركائها الجدد واستعدادهم لاستخدام القوة، يُمكن لإسرائيل أن تُبرهن على قيمتها كشريك أمني من خلال تقديم مساعدة غير مُعلنة. ولا يشترط أن تكون هذه المساعدة مشروطة، إذ يُرجّح أن المملكة ستتذكر هذه “الخدمة” كما تذكرت المساعدة الإسرائيلية السابقة لدول الخليج قيمتها السياسية في مرحلة لاحقة. وتتمثل المصلحة الآنية في منع إيران ووكلائها من اكتساب نفوذ استراتيجي على بوابتي المنطقة البحريتين؛ أما المصلحة على المدى البعيد فتتمثل في جعل تداخل المصالح أساساً لشراكة إسرائيلية سعودية أعمق في المستقبل.
معهد أبحاث الأمن القومي – يؤئيل غوجانسكي (باحث أول ورئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وزميل مشارك في معهد الشرق الأوسط (MEI) في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية.)، إلداد شابيت (كان آخر منصب شغله في شعبة الاستخبارات العسكرية هو مساعد التقييم لرئيس قسم الأبحاث، وفي مكتب رئيس الوزراء شغل منصب رئيس قسم الأبحاث (2011-2015).
