عجز السعودية عن احتواء التطورات ترفع أسهم القلق في واشنطن وتل أبيب
بقلم ابتسام الشامي
أنصار الله تسيطر على باب المندب:
في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية تحدي إعادة فتح مضيق هرمز وانتزاع السيطرة عليه من الأيدي الإيرانية، جاءت سيطرة حركة أنصار الله على مضيق باب المندب لتشكل أداة ضغط جديدة على الولايات المتحدة الأمريكية والتزاماتها أمام العالم والداخل الأمريكي خفض أسعار النفط وتحرير الاقتصاد العالمي من تداعيات لهيب ارتفاعها، على مسافة اسابيع فاصلة من انتخابات التجديد النصفي.
ترفع التطورات اليمنية مستوى الضغوط على الإدارة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، في وقت يتواصل فيه المأزق الأمريكي في الخروج من ورطة الحرب على إيران وتداعياتها الثقيلة في الميزان السياسي والاقتصادي على صانع القرار في البيت الأبيض. وإذا كان من الصحيح القول إن قرار أنصار الله معقوداً في صنعاء ويتحدد وفق المصلحة اليمنية أولاً، إلا أن العلاقة التي تجمع الحركة بطهران تجعل من سيطرتها على باب المندب حدثاً متصلاً من حيث التفاعلات بالحرب الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما ترسمه من معادلات جديدة في المنطقة، وبهذا المعنى فإن القراءة الغربية والإسرائيلية للحدث ركزت عليه بوصفه امتداداً للحرب، ومكسباً إضافياً لطهران التي صمدت وأفشلت أهداف العدوان عليها وفي مقدمها إسقاط النظام وتغيير هويته السياسية.
وبعد مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، تصاعدت أسهم القلق لدى واشنطن وحلفائها من أن يؤدي قرار ما بإغلاق مضيق باب المندب، إلى مزيد من الخنق للاقتصاد العالمي بما يعزز من موقف طهران وحلفائها. علماً أن المضيق الواقع في البحر الأحمر اكتسب أهمية كبرى منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية العدوانية على إيران، وما أعقبها من اضطراب حاد في حركة النفط عبر مضيق هرمز. فقد أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع تدفقات النفط والسوائل البترولية عبر باب المندب من 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 8.1 ملايين في الربع الثاني من 2026، بينما هبطت التدفقات عبر هرمز خلال الفترة نفسها من 21.6 مليونا إلى 4.9 ملايين برميل يومياً.
وفي ما تحاول السعودية جاهدة احتواء التطورات بتكثيف عدد الغارات وحدتها على المحافظات الخاضعة لسيطرة أنصار الله، فإن الأمور تبدو خارجة عن قدرتها على الاحتواء، لاسيما في ظل الخذلان الأمريكي لها، إذ قوبل طلبها بالتدخل العسكري ضد صنعاء بالرفض، واكتفت واشنطن بإرسال مستشارين عسكريين للمساعدة في إدارة العمليات وتقديم خدمات استخباراتية، وهو ما ارتأته أيضاً تل ابيب مفضلة النأي بالنفس عن التدخل العسكري المباشر. وبانتظار ما ستؤول إليه الوساطة التي طلبتها الرياض من عدد من عواصم المنطقة لتحصيل موافقة صنعاء على هدنة لمدة اسبوعين، فإن الإعلام الغربي والإسرائيلي توقف عند التطورات في اليمن واضعاً إياها في سياق استراتيجي لن تقتصر تداعياته على البلد الذي يتعرض للحصار والحرب منذ اثني عشر عاماً، وإنما على المنطقة برمتها، لاسيما وأن التطورات المتسارعة تؤدي إلى حدوث انهيارات سريعة تجعل من احتوائها عسكرياً أمراً بالغ الصعوبة وتخلق مفاجآت من خارج حسابات أصحاب القرار في الرياض.
صدمة التقدم السريع
التقدم السريع لحركة أنصار الله باتجاه المناطق الاستراتيجية أحدث صدمة كبيرة وأربك الحسابات السعودية وقيادة قواتها على الأرض. وهذا ما لفتت إليه صحيفة الغارديان البريطانية، التي رأت في افتتاحيتها بأن ما وصفته بتقدم الحوثيين صدم المراقبين، مع أن المنطقة التي تعيش الاضطرابات معتادة على المفاجآت. واستعادت أسباب التصعيد الحالي عندما قصف الرياض مطار صنعاء الأمر الذي “منح الحوثيين فرصة للتصعيد مع إلقاء اللوم على السعودية”. وفي سياق قراءتها المشهد اليمني في سياق الحرب الأمريكية ضد إيران، أكدت الصحيفة أن “الحوثيين ليسوا مجرد وكلاء لإيران، لكن مصالحهم تتزايد تقارباً، بفضل حرب ترامب غير الشرعية على إيران. فهم بحاجة إلى الحفاظ على الدعم الإيراني، وقد أتاحت أزمة مضيق هرمز فرصة جديدة لممارسة ضغوط اقتصادية وربما خلق مصدر دخل جديد، عبر مكاسب استراتيجية على طول الساحل”. وفي ما يخص التوازن القائم ميدانياً بين أنصار الله وخصومهم، ترى الصحيفة أن القوى التي تقف في وجه قوات صنعاء، بما فيها الحكومة والانفصاليون الجنوبيون، فهي أكثر انقساماً من أي وقت مضى. وقد سحبت الإمارات العربية المتحدة، التي كانت على خلاف مع حليفتها المقربة سابقاً السعودية، قواتها من اليمن مع بداية العام”.
أما بشأن مستقبل الحرب وفرص وقف الاندفاعة الميدانية لحركة أنصار الله، تجزم صحيفة الغارديان “بأن الضربات السعودية لن تكفي وحدها لدحر الحوثيين”. مع إشارتها هنا إلى خذلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حليفته السعودية حيث أن الأخير رفض طلبات المساعدة، “ويواجه السعوديون خياراً بين التفاوض مع عدو ازداد جرأة ولديه الآن مطالب متشددة أو العودة إلى حرب شاملة من النوع الذي ندموا عليه سابقاً. مع أن تاريخ اليمن الحديث يبرهن أن الحل العسكري عبثي”.
إلى ذلك فإن الانهيار السريع للقوات الموالية للسعودية فاجأ الرياض والقادة الميدانيين المشرفين عليهم ومكّن حركة أنصار الله من التقدم السريع بما أتاح لها السيطرة على مناطق استراتيجية وتغيير المعادلات الميدانية لمصلحة صنعاء. وفي هذا الإطار نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده أندرو إنغلاند قال فيه إن ما سماه الهجوم الحوثي هز السعودية بعد هزيمة القوات اليمنية التي ساعدت على دعمها وتدريبها. ونقلت الصحيفة شهادات عما حدث أثناء الهجوم الحوثي الخاطف، حيث قام بعض مقاتلي الجيش اليمني بدفن أسلحتهم في الصحراء وباعها آخرون في الأسواق المحلية، أما الجميع، فقد فروا أملاً في النجاة.
وتابع تقرير الصحيفة البريطانية أنه “في الوقت الذي أمطر فيه الحوثيون خصومهم بالصواريخ والطائرات المسيرة، انسحبت القوات الموالية للحكومة اليمنية جنوباً ليلاً، ما فتح الطريق أمام المتمردين المدعومين من إيران للسيطرة على ميناء المخا على البحر الأحمر الأسبوع الماضي، والزحف نحو مضيق باب المندب، محكمين قبضتهم على هذا الممر البحري الاستراتيجي”.
التطورات في ميزان الحرب على إيران
بدورها وضعت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكيّة التطورات في اليمن في سياق المعركة الكبرى الجارية في المنطقة بين الولايات المتحدة وحلفائها والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفائها، ورأت في تقرير حول الموضوع أنّ سيطرة ما سمته الفريق الحوثي على مضيق باب المندب تمنح الفريق الإيراني نفوذاً استراتيجياً متزايداً في المنطقة. زاعمة أن هذا التطور “يهدد” حرية الملاحة الدولية، ويعزز قدرة طهران على الضغط على خصومها.
وتتحدث الصحيفة عن التداعيات المباشرة للتطورات الميدانية اليمنية على أسواق الطاقة، مشيرة إلى أن أسعار النفط تجاوزت 100 دولار للبرميل مع “تصاعد المخاوف بشأن أمن طرق الإمداد، بينما تعرّض خط أنابيب سعودي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر لهجوم بطائرات مسيرة”. وبرأي صحيفة واشنطن بوست فإن الجمع بين التهديد البحري والتهديد الذي تواجهه البنية التحتية للطاقة يزيد من المخاطر أمام أسواق النفط، إذ “يمكن أن يؤدي استمرار تعطيل خطوط النقل أو الملاحة إلى تقليص الإمدادات المتاحة ورفع تكاليف الشحن والتأمين”.
تل أبيب قلقة من التطورات في اليمن
وإذا كانت الصحف الغربية قد اهتمت بالحدث اليمني بوصفه مقدمة لتحول خطير في ميزان القوى المتصارعة في منطقة غرب آسيا ومدى تأثير ذلك في إعادة رسم الخارطة السياسية لها، فإن تل أبيب تتعامل مع الحدث بوصفه خطراً داهماً يمس أمنها القومي. وهو ما عكسته الصحف الإسرائيلية في مقالاتها وفي نقلته من تقديرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن التطورات المتسارعة في اليمن تحظى باهتمام لافت داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، نظراً لما يثيره تقدم “الحوثيين” نحو مضيق باب المندب من تهديد محتمل لخطوط الإمداد الإسرائيلية عبر البحر الأحمر. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن هذا التطور “مثير للقلق”، لكنّ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تتوقع التدخل عسكرياً ما لم تتعرض “إسرائيل” نفسها لهجوم مباشر. ووفقاً للصحيفة، تنظر المؤسستان الأمنية والسياسية إلى “التقدم الحوثي باعتباره أكثر من مجرد تطور محلي يخص اليمن، بل يرى مسؤولون عسكريون أن الوضع ينطوي على خطر محتمل، ليس على إسرائيل وحدها، بل على الدول التي تعتمد على هذا الممر البحري أيضاً”. تقدر المؤسسة الأمنية في كيان العدو أن خطورة الوضع الحالي في اليمن تكمن في مضيق باب المندب، الذي يصل عرضه في بعض أجزائه إلى نحو 18 كيلومتراً، ما يجعل تعطيل حركة السفن فيه أسهل مقارنة بممرات بحرية أوسع مثل مضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه حوالي 55 كيلومتراً. وهذا يعني أن القوى التي تسيطر على مضيق باب المندب لا تحتاج إلى أنظمة الرادار المتطورة أو قدرات المراقبة المعقدة الأخرى لتحديد السفن واستهدافها، فمن الممكن رصد السفن بصرياً واستهدافها بسهولة باستخدام أسلحة بسيطة نسبياً، مثل صواريخ “كورنت” الموجهة المضادة للدبابات.
وأوضحت يديعوت أحرونوت في السياق نفسه أن التقديرات الإسرائيلية ترى “أن الحوثيين قد يتمكنون من استخدام صواريخ وزوارق مفخخة لاستهداف السفن وانتقاء أهدافهم بدقة، بما يمنحهم قدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر الممر الذي يشكل شرياناً مهمّاً للتجارة الدولية”
بدوره يرجح موقع “والاه” الإسرائيلي أن اقتراب حركة أنصار الله من باب المندب على الأرض يقلص المسافة أمام الصواريخ والطائرات المسيرة، ويزيد القدرة على التأثير في حركة السفن. وأسهب الموقع الاخباري في الحديث عن تداعيات ارتفاع مستوى المخاطر، المتمثلة في ارتفاع أقساط التأمين، ما سيدفع بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح.
الانهيار السريع للقوات الموالية للسعودية بما وفره من تقدم لحركة أنصار الله مع ما ولّده ذلك من مخاطر أمنية على الكيان الغاصب، استدعى توجيه انتقادات لاذعة لإدارة عمليات تلك القوات. وكشفت صحيفتا يديعوت أحرونوت ومعاريف عن انتقادات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لما وُصف بـ “انهيار الردع”، وعن تساؤلات حول غياب أي تحرك يمني وإقليمي لوقف تقدم الحوثيين.
وربطاً بالتطورات الإقليمية عكست صحيفة يديعوت أحرونوت تخوفاً إسرائيلياً من أن يفضي إحكام “الحوثيين” سيطرتهم على باب المندب إلى نشوء “ائتلاف حقيقي وجاد بقيادة إيران” قادر على بسط نفوذ واسع في الممرات البحرية بالمنطقة، خصوصاً وأن واشنطن ترفض التدخل في الأزمة حتى اللحظة. وبناء عليه تفيد الصحيفة بأن الجيش الإسرائيلي رفع مستوى تأهبه، إذ أصدر قائد سلاح البحرية إيال هارئيل تعليمات برفع جاهزية المنظومة البحرية ومراكز القيادة والسيطرة، فيما جرى تعزيز القوات في البحر تحسباً لأي “مفاجآت” محتملة.
وتعبر الصحيفة عن خشية إسرائيلية من أن تؤدي التطورات في البحر الأحمر إلى تحول إستراتيجي أوسع، قد تمتد تداعياته إلى البحر المتوسط، في ظل ما تعتبره تل أبيب “تنامياً للنفوذ الإيراني في مضيق هرمز وسيطرة الحوثيين على باب المندب”. وهنا تشير صحيفة “يديعوت أحرونوت” إلى الأولوية الإسرائيلية والمتمثلة بـ “حرية الملاحة البحرية”، مع واقع أن نحو 98% من الواردات الإسرائيلية تصل عبر البحر، ما يجعل أي تهديد للممرات البحرية تحديا إستراتيجيا بالنسبة لها.
خاتمة
لن تكون سيطرة حركة أنصار الله على باب المندب حدثاً عابراً يمكن للمحور الأمريكي هضمه بسهولة، لكن المشكلة بالنسبة للأخير أنه يتهيب خوض مغامرة عسكرية سبق أن اختبارها ضد الحركة وأعضاء المحور فرادى وبشكل جماعي من دون أن يتمكنوا من كسر إرادة اليمنيين وتغيير وجهتهم.
