انفراجة في ملف الأسرى والمفقودين.. السعودية تتقدم خطوة نحو السلام في اليمن
بقلم نوال النونو
وقّعت حكومة صنعاء مع المملكة العربية السعودية الثلاثاء الماضي في العاصمة العمانية مسقط على اتفاق قضى بالإفراج عن (1700) من أسرى الجيش واللجان الشعبية التابعين لأنصار الله مقابل الإفراج عن (1200) من أسرى الأطراف اليمنية الموالين للسعودية والإمارات، بينهم (7) سعوديين و (23) سودانياً.
وتمكن “أنصار الله” من أسر سعوديين وسودانيين، في معارك جرت بينهما في أكثر من جبهة خلال السنوات الماضية، حيث زجت المملكة بأكثر من (15 ألف) سوداني للقتال في اليمن ضد أنصار الله، منذ انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015م.
وصدرت بيانات ترحيب بهذا الاتفاق من قبل سلطنة عمان التي ساهمت بشكل كبير في إنجاحه، وقطر، والإمارات، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك ترحيب من قبل السعودية وصنعاء، ومكتب المبعوث الأممي إلى اليمن.
وأوضح رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى التابعة لأنصار الله العميد عبد القادر المرتضى أنه جرى اتفاق آخر، يتضمن الكشف عن المفقودين من الطرفين، مشيراً إلى أنه جرى البدء في تشكيل لجان ميدانية متخصصة تتولى مهمة انتشال الجثامين من مختلف محاور القتال، تمهيداً لتسليمها لذويها تحت إشراف الصليب الأحمر الدولي، بما يضمن صون كرامة الموتى وحق العائلات في استلام رفات أبنائها.
وجدد العميد المرتضى التزام صنعاء الصارم بعدم ترك أي أسير أو مفقود لدى “تحالف العدوان”، مشدداً على أن العمل مستمر بوتيرة عالية لإغلاق هذا الملف الإنساني بجميع تفرعاته بشكل كامل، كما أعرب عن أمله الكبير في أن يتم إنجاز التنفيذ الفعلي لهذا الاتفاق قبل حلول شهر رمضان المبارك، ليكون بمثابة “فرَج إنساني كبير” يخفف من معاناة آلاف الأسر اليمنية.
ووصف المرتضى اتفاق تبادل الأسرى الموقع الأخير، بـ “الاتفاق التاريخي”، حيث يسعى لتصفير ملف الأسرى والمعتقلين والمفقودين والجثامين بشكل نهائي وكامل، بعيداً عن التجاذبات السياسية، وبما يخدم المسار الإنساني الشامل.
الرغبة السعودية سبب نجاح الاتفاق
ونُفذت آخر عملية تبادل للأسرى بين السعودية وصنعاء بإشراف الأمم المتحدة في أبريل/ نيسان 2023، بعد عام من توقيع اتفاق هدنة بينهما، ومنذ ذلك التاريخ فشلت كل الجهود لتحريك الملف الإنساني نتيجة عدم توفر الرغبة لدى السعودية لمعالجة هذا الملف، بسبب الضغط الأمريكي المتواصل عليها، بعد مساندة اليمن الكبيرة لغزة في معركة “طوفان الأقصى”.
ومنذ عام 2022م، توقف العدوان السعودي الإماراتي المدعوم أمريكياً عن قصف اليمن بالطيران الحربي، مقابل توقف اليمن عن قصف المملكة العربية السعودية والإمارات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وكان ذلك مقدمة لاتفاق يعالج أولاً الاستحقاقات الإنسانية في اليمن قبل الدخول في مفاوضات لمعالجة الملف السياسي، غير أن الملف الإنساني لم يشهد أي تقدم، بسبب انخراط اليمن في معركة “طوفان الأقصى”، فظلت المطارات مغلقة ولا سيما مطار صنعاء الدولي، وظلت العراقيل قائمة في وصول البضائع إلى ميناء الحديدة، كما فشلت كل الجهود للإفراج عن الأسرى، رغم التحذيرات المتتالية من صنعاء بأن عدم انجاز السعودية لهذا الاستحقاق الإنساني قد يقود للعودة إلى المربع الأول، وهو استمرار اليمن في اطلاق الصواريخ على الرياض وأبو ظبي.
وإلى جانب صفقة تبادل الأسرى، تشترط صنعاء من تحالف العدوان دفع التعويضات، ودفع رواتب الموظفين، وفتح المطارات والمنافذ، وخروج القوات الأجنبية من اليمن، وهي شروط أساسية لا تتخلى صنعاء عنها، وتمثل مقدمة لأي حل قادم.
ويرى وكيل محافظة صنعاء عضو الوفد الوطني المفاوض لدى أنصار الله حميد عاصم أن الاتفاق شمل وللمرة الأولى ملفات إنسانية شديدة الحساسية، وعلى رأسها ملف المفقودين والمخفيين قسراً، إضافة إلى ملف الجثامين، موضحاً أن هذا التطور يعكس تقدماً مهماً في مسار المفاوضات، رغم رفض الطرف الآخر التعاطي الجاد مع هذه الملفات في مراحل سابقة.
وأشار إلى أن صنعاء تمتلك معلومات دقيقة عن مصير أسرى الحرب والجثامين، وتتعامل مع هذا الملف كدولة مسؤولة، في حين يعاني تحالف العدوان وأدواته من حالة فوضى وتشتت في إدارة ملف الأسرى، حيث قُدمت في مفاوضات السويد قوائم غير مكتملة تفتقر لأبسط البيانات الأساسية.
نافذة اختبار نوايا
وتعد هذه الصفقة مبشّرة بالانخراط في معالجة بقية الجوانب، وهي تعطي انطباعاً إيجابياً بأن المملكة العربية السعودية تتجه نحو السلام بدلاً من التصعيد، وهي خطوة إذا استمرت عليها دون تراجع أو تلكؤ ستجنب اليمن المزيد من العنف، وهو ما تسعى إليه صنعاء، كما تفتح الصفقة نافذة اختبار نوايا أكثر منها بداية انفراج شامل؛ فإذا ما جرى البناء عليها بخطوات عملية في ملفات الرواتب، وفتح المطارات، وتسهيل دخول البضائع، فإن ذلك قد يؤسس لمرحلة تهدئة أوسع، أما في حال الاكتفاء بها كخطوة معزولة، فإن احتمالات الانتكاس تبقى قائمة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر العودة إلى مربع التصعيد.
ويعيش الأسرى اليمنيون في السجون السعودية، أو في معتقلات الأطراف اليمنية التابعة لها أوضاعاً إنسانية في غاية الصعوبة، حيث يتعرضون للتعذيب الشديد، كالصعق بالكهرباء، وقلع الأظافر، والصفع المتواصل، والنوم في أماكن مليئة بالقاذورات، كما يتعرض الأسرى لمهانة تشبه إلى حد ما وضع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
في المقابل، يقبع الآلاف من أسرى الطرف الآخر، بينهم سعوديون وسودانيون، في أماكن نظيفة ويحظون بالرعاية الحسنة، ويسمح لهم بالتواصل مع عائلاتهم، وبزيارة الصليب الأحمر لمعتقلاتهم؛ ولهذا فإن الإفراج عن الأسرى اليمنيين التابعين لأنصار الله، هو تخليص لهم من سنوات البؤس والتعذيب، وهو ميلاد جديد في حياتهم، وتخليصهم من كوابيس الاعتقال، وقسوة الجلادين، وهو انتصار كبير للإنسانية التي تداس في سجون المملكة والإمارات والأدوات التابعين لهما، وتكرم في معتقلات أنصار الله في صنعاء وغيرها.
وتبقى الخشية من تلكؤ السعودية وخداعها، فالتجربة اليمنية في مفاوضات كهذه أثبتت أن الرياض لا تلتزم بمعاهداتها، تماماً كما يفعل الكيان الصهيوني مع الفلسطينيين، كما أن عودة الصهاينة للتصعيد في المنطقة بشن عدوان جديد على غزة أو لبنان قد يعيق تنفيذ هذه الصفقة.
