البرلمان الجزائري يصوت على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي
بقلم توفيق المديني
صوت البرلمان الجزائري بإجماع سياسي ونيابي غير مسبوق، يوم الأربعاء24 ديسمبر/كانون الأول 2025، على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، بين 14 يونيو/حزيران 1830 وحتى الخامس يوليو/تموز 1962، في جلسة كانت استثنائية من حيث الأجواء، حيث وصف ذلك بأنه إنجاز تاريخي يحقق تطلعاً سياسياً وشعبياً ظل قائماً منذ عقود.
وقال رئيس اللجنة الرئاسية المشتركة لملف الذاكرة (جزائرية فرنسية) لحسن زغيدي، الذي سُمح له بالتدخل خلال جلسة التصويت “سنحاسب فرنسا على كل قطرة دم لجزائري سفكها الاستعمار”، مضيفاً “ننظر من البرلمانات المغاربية والأفريقية وفي الكاريبي، للقيام بمبادرة مماثلة لتلك التي قام بها البرلمان الجزائري لتجريم الاستعمار، لاستعادة حقوق الشعوب ومحاسبة القوى الاستعمارية عن جرائمها ومنع الإفلات من العقاب عن هذه الجرائم”.
وخلال الجلسة، أنشد نواب البرلمان الجزائري مقطعاً بعينه في النشيد الوطني، الذي يقول “يا فرنسا قد مضى وقت العتاب، وطويناه كما يطوى الكتاب، يا فرنسا إننا يوم الحساب، فاستعدي وخذي منا الجواب” وهو مقطع كان قد أثار في يونيو 2023 جدلاً في الوسط السياسي والإعلام الفرنسي، بعدما وقع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مرسوماً رئاسياً، ثبت بموجبه هذا المقطع في النشيد الرسمي الجزائري، بعدما كان حذف في التسعينيات. وأكد وزير المجاهدين (قدماء ثورة التحرير) عبد المالك تاشريفت بعد التصويت، أن “واجب الضمير والعدالة وحق الشعوب، تقتضي أن تتحمل فرنسا مسؤوليتها على ما اقترفت من جرائم الإبادة، والعلاقات يجب أن تتأسس على الحقيقة لا على الإنكار”.
وكان البرلمان الجزائري قد شكل في مارس/ آذار الماضي، لجنة خاصة ضمت ستة نواب يمثلون الكتل النيابية الرئيسة، حركة مجتمع السلم (إسلامي)، التجمع الوطني الديمقراطي (تقدمي)، وحزب جبهة التحرير الوطني (محافظ)، وجبهة المستقبل (وسط) وحركة البناء الوطني (إسلامي)، وكتلة المستقلين. وصاغت اللجنة مسودة أولى بـ 54 مادة، قبل أن يتم اختزالها في 26 مادة. وكان لافتاً أنَّ مسودة القانون كانت أسندت إلى لجنة الدفاع في البرلمان، في رسالةٍ سياسيةٍ تستهدف اعتبار الاستحقاقات الواردة في القانون الجديد، مسألة الدفاع عن حقوق وطنية.
جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر
تطالب الجزائر منذ الاستقلال باعتراف فرنسي رسمي عن جرائم الاستعمار بين 1830 و1962، لكن باريس تؤكد في كل مرة أن الأبناء “لا يمكن أن يعتذروا عما اقترفه الآباء”، وتدعو إلى طي الملف والتطلع للمستقبل المشترك. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصل للحكم في شهر أيار/مايو 2017، فقد عُرِفَ بمواقفه الجريئة فيما يتعلق بملف جرائم الاحتلال الفرنسي للجزائر، بل وينتظر بعض المتابعين في الجزائر أن تقوم فرنسا بالاعتذار عن حقبة الاستعمار.
نحو 132 عاماً من الاستعمار الفرنسي للجزائر… (الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند قصر الإليزيه في باريس وإلى جانبه جنرالان فرنسيان): سبق وأثار ماكرون غضب بعض التيارات السياسية الفرنسية عندما صرح في حواره له مع صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية “إنَّ 132 عاماً من الاستعمار الفرنسي للجزائر شهدت جرائم وأفعالاً بربرية التي ستصنف اليوم بوصفها جرائم ضد الإنسانية”. كما دعا خلال زيارته للجزائر في شباط/فبراير 2017 فرنسا للاعتذار عن جرائم الماضي، لا سيما تلك التي ارتكبت إبان حرب استقلال الجزائر التي انتهت في عام 1962. وقد أثارت تعليقات ماكرون ردود فعل غاضبة في سباق انتخابات الرئاسة آنذاك وخاصة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، وفيون الذي شجب هذه التصريحات ووصفها بأنَّها تنم عن “كراهية لتاريخنا”، ولكنَّها لاقت ترحيباً واسعاً في الجزائر.
الحقبة الكولونيالية… حمولة تاريخية ثقيلة
المنظرون لإعادة الاعتبار للكولونيالية تناسوا مئات آلاف القتلى، المدنيين في معظمهم، الذين قتلتهم الأرتال الجهنمية للجنرال بوجود وخلفائه بين عامَيْ 1840و1881، متسببة في عملية ترحيل قسري ومشهدي للسكان، مات جراءها ما يقارب 900000 “من البلديين” كما كانوا يسمونهم في ذلك الوقت. لقد تناسوا الغزوات الدموية المنظمة، والسلب الجماعي، الذي كان يستهدف منح الكولونياليين القادمين من المتروبول أجود الأراضي الزراعية.
لقد تناسوا أيضا قانون إدارة المستعمرين، هذا الأثر التذكاري التاريخي لعنصرية الدولة الفرنسية، الذي تم تبنيه في 28 حزيران/يونيو 1881 من قبل الجمهورية الثالثة لمعاقبة “العرب” على أساس معايير عرقية وثقافية، الخاضعين لحملة عسكرية وعدالة استثنائية، في تناقض صارخ مع المبادئ كلها المعترف بها من قبل المؤسسات وإعلان حقوق الإنسان والمواطن.
لقد تناسى هؤلاء المجازر التي ارتكبت قبل سبعين عاما في الجزائر، والتي تعتبر مروعة، ولم يسبق لها مثيل منذ حرب الإبادة، في مدن سطيف، قالمة، وخراطة، وفي إقليم قسنطينة شرق الجزائر، الزمان: 8 أيار/مايو 1945. ماذا جرى في ذلك اليوم الذي يعتبره المؤرخون بعد مرور أكثر من سبعين سنة عليه، أنه كان “الفعل المؤسس” لثورة التحرير في الجزائر التي اندلعت بعده بنحو عشر سنوات، وقادت البلاد إلى الاستقلال؟
أسطورة تمدن الكولونيالية الفرنسية: على الرغم من كل حقيقة تاريخية، يدافع الممثلون الفرنسيون عن أسطورة الكولونيالية بوصفها رسالة حضارية وتمدينية متطابقة مع المثل والقيم التي اشتهرت فرنسا بالدفاع عنها في هذه الأرض الجزائرية. بينما يحتاج طي صفحة الماضي الكولونيالي، إلى شجاعة سياسية وأدبية وأخلاقية عالية، من الجانبين الفرنسي والجزائري، فالتاريخ لا يطوي صفحاته من تلقاء نفسه، كما يرى توفيق المديني. منظمة إرهابية فرنسية تقول إنَّ “الجزائر فرنسية وستبقى فرنسية”
إذا كانت فرنسا فتحت خزائن الذاكرة التاريخية بسبب الجرائم التي ارتكبت في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، وفي الحرب العالمية الثانية 1939-1945، حين تعاون نظام المارشال بيتان مع النازيين، فإنَّه آن الأوان لكي تفتح الخزانة الثالثة للذاكرة التي تحتوي على جرائم ارتكبت باسم فرنسا إبان الثورة الجزائرية، فيما كان يعرف فيما مضى بالحقيقة التاريخية أصبح الآن حقيقة سياسية يبين فيها الواجب والأخلاق.
إنَّ صعوبة المقاوم للنازية فرانسوا ميتران في مواجهة العميل فيشي، هي الصعوبة عينها التي يواجهها اليوم زعماء فرنسا بسبب جرائمها في الجزائر، إذ إن الوقائع التاريخية ماثلة اليوم أمام الجميع. وهي معلنة وصريحة، وتتحمل مسؤوليتها حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة المتمتعة بسلطات استثنائية، والتي خططت وأمرت وغطت على الجرائم التي ارتكبتها القوات الفرنسية في الجزائر في مواجهة المقاومة الوطنية التحررية، بوصفها تتناقض كليا مع كل القوانين الإنسانية، بما فيها قوانين الحرب.
آن الأوان أن تفتح فرنسا ذاكرة جرائمها تجاه الجزائر
إنَّ الواجب الذي فرض نفسه على فيشي يفرض نفسه اليوم على الجزائر، إذ إنَّ الجانب الاستعراضي العام والتفاخري الذي قام به الجنرال أوساريس عبر كتابه الذي دوّن فيه جرائم الحرب، يفرض على الدولة الفرنسية واجب القيام بالاعتذار التاريخي. أما صمت السلطات العليا في الدولة وعدم القيام بهذا الاعتذار، فإنَّهما يعنيان القبول بالديالكتيك الإجرامي الذي يضطلع بمسؤوليته المنظم السابق لحملة الإرهاب والقتل في الجزائر الجنرال أوساريس وسواه من العسكريين.
منظمة إرهابية فرنسية تقول إنَّ “الجزائر فرنسية وستبقى فرنسية”: تُعتَبَر منظمة الجيش السري OAS منظمة إرهابية فرنسية. تأسست عام 1961. وهي تضم المناصرين للأطروحة القائلة إنَّ الجزائر فرنسية. وترى المنظمة أنَّ الإرهاب وسيلة مشروعة لتحقيق ذلك. أول ظهور للاختصار OAS كان على جدران عاصمة الجزائر مصحوباً بشعار: “الجزائر فرنسية وستبقى فرنسية”.
إن المسألة لم تعد قضية المؤرخين، كما زعم في السابق رئيس الحكومة السابق ليونيل جوسبان، فقد قام هؤلاء المؤرخون أمثال: “بيير فيدال ناكيت” و “بنجامين ستورا”، بأعمالهم منذ وقت طويل، حين فضحوا ممارسات الجيش الفرنسي أثناء حرب الجزائر. المسألة هي سياسية بامتياز. وهي من دون شك قضائية أيضاً.
لقد كانت السلطات الفرنسية باسم الصراع ضد الحصانة من العقاب، تطالب لندن بتسليم الجنرال الراحل أوغيستو بينوشيه لمحاكمته في فرنسا في بداية الألفية، وأيضاً بالنسبة لقيادات الخمير الحمر التي ارتكبت جرائم إبادة ضد شعبها في كمبوديا، وكذلك بالنسبة لمجرمي الحرب في يوغوسلافيا، تطالب بتقديمهم إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، في حين أنها ترفض تقديم مجرمي الحرب في الجزائر إلى المحاكمة، لا سيما تقديم الجنرالين ماسو وأوساريس، اللذين اعترفا بارتكاب جرائم التعذيب.
وكان أوساريس أعلن أنه ليس “نادماً أو آسفاً”، قائلاً إنَّه تم إقرار التعذيب على أعلى المستويات بالحكومة الفرنسية وكان ذلك ضروريا للحصول على معلومات استخبارية. وبموجب شروط العفو ما بعد الحرب لم يكن بالمستطاع محاكمته بارتكاب جرائم حرب. وبدلاً من ذلك، حُوكِمَ وأُدِينَ لكونه اعتذر عن جرائم الحرب – وهي جريمة يعاقب عليها بالغرامة. كما جرى تجريده من رتبته العسكرية ووسام جوقة الشرف وهو أعلى الأوسمة في فرنسا.
خاتمة: أية مقاربة لبناء مفهوم جديد للذاكرة
الاستقراء التفصيلي لعناصر “الذاكرة الصحيحة” التي يؤصل لها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تبين محدوديتها الفكرية، ومفارقاتها المفاهيمية، واستحالة تحققها في مزاج وثقافة الطرفين إلا بكشط التاريخ أو شطب أجزائه المفصلية.
وما يفجر هذه “الذاكرة الصحيحة” ليس فقط محدوديتها أو مفارقاتها أو استحالة تحققها، بل تناقض موقفها من الاعتراف والاعتذار، بين الشعور بواجب الاعتذار تجاه “الحركيين” وضرورة تعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم، وبين التأكيد بأن تقديم الاعتذار للجزائر، أو أي مستعمرة فرنسية سابقة لن يصلح لشيء.
ولذلك، يمكن أن نعتبر كل التأسيسات التي أوردها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مجرد ترف فكري، لا تقدم أي شيء، وأن الأولى الابتعاد من حقل التاريخ والمعرفة، لأن هذا الحقل لا يقبل المساومة ولا الطمس ولا الأعمال التوفيقية والتلفيقية.
بناء الذاكرة المشتركة من خلال الاشتغال على حقل المعرفة، يقود إلى أحد ثلاثة مسارات: إما الاعتراف والاعتذار، بحكم أنَّ مدخل المصالحة يتطلب هذا الواجب الأخلاقي، أو الهيمنة بفرض رواية خاصة وتغطيتها باسم “الرواية المشتركة الصحيحة”، أو مسار القطيعة.
التقدير أنَّ بناء مقاربة جديدة، يتطلب الابتعاد من حقل التاريخ، لأن ما وقع، لا يمكن تغييره ولا مسحه من مزاج الدول المستعمرة، والرهان بدل ذلك على حقل السياسة وحده دون غيره، لأنه يتعلق بالحاضر، وبناء المستقبل.
يَحْتَاجُ طَيَّ صَفْحَةِ الماضي الْكُولُونْيَالِي، إِلَى شَجَاعَة سِيَاسِيَّةٍ وَأدَبِيَّةٍ وَأخْلَاقِيَّةٍ عَالِيَةٍ، مِنَ الْجَانِبِينِ الْفِرَنْسِيَّ والْجَزَائِرِيِّ، فَالتَّارِيخُ لَا يَطْوِي صَفْحَاتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. كَمَا أَنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ جِدّاً تَجَاوُزِ تَارِيخِ الذَّاكِرَةِ لِشَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ، حَتَّى وَإِنْ أُسْهَمَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي رَدْمِ الْهُوَّةِ الْمَحْفُورَةِ بَيْنَ فِرَنْسَا وَالْجَزَائرَ. مِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَوَاقِفَ الرَّئِيسِ الْفِرَنْسِيِّ مَاكِرُونَ بِشَأْنِ نَقْدِهِ للماضي الكولونيالي، وَالَّتِي لَاقَتْ تَرْحِيباً وَاسِعاً فِي الْجَزَائِرِ، تَقْتَضِي أَنْ تُقَدِّمَ فِرَنْسَا اعتذاراً وَاضِحاً لِلشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ، حَتَّى يَسْتَطِيعَ تَجَاوُزَ تَارِيخِ الْألَمِ. وَنَسْتَطِيعُ حِينَهَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ هُنَاكَ تَحَوُّلاً قَدْ حَدَثَ فِي الْمَوْقِفِ الرَّسَمِيِّ الْفَرْنَسِيِّ، بِمَا يَجْعَلُ عَلاقَات فِرَنْسَا مَعَ الْجَزَائِرِ تَنْتَقِلُ مِنْ عُقْدَةِ الْهَيْمَنَةِ إِلَى مَجَالِ الشَّرِيكِ الْفَاعِلِ فِي مَنْظُورِ الْعَلَاقَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ لَمَا بَعْدَ الْحِرَاكِ الشَّعْبِيِّ.
