الإستراتيجية الأمريكية للعام المُقبل: شَرق أَوسَط اقتصادي مِن دُون حُروب
بقلم زينب عدنان زراقط
بينما يَسود المَشهد اللبناني تهويل واسع بإمكانية اندلاع حرب وشيكة بضوءٍ أخضر أمريكي لتوسيع الحرب على لبنان بهدف فرض نزع سلاح المقاومة بالقوة بعد اجتماع مرتقب بين رئيس الحكومة الإسرائيلية والرئيس الأمريكي في البيت الأبيض ما قبلَ نهاية العام…
تشير القراءة السياسية إلى أنّ هذا الخيار لا يخدم المصلحة الأمريكية، خصوصاً في مرحلةٍ صدرت فيها وثيقة رسمية بحجم “استراتيجية الأمن القومي الأمريكي”، وهي الوثيقة التي يفترض أن تكون المرجع الأول لأي قراءة جادة للسياسات الأمريكية المقبلة.
فما هي استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المرتقبة للعام المقبل وعلى ماذا تنصُّ قي ما يتعلّق في منطقة الشرق الأوسط؟ وما التغيير الذي طرأ تحديداً على طبيعة التعامل الأمريكي مع السياسة اللبنانية؟ وهل بإمكاننا القول إن العنجهية الأمريكية قد انكسرت أمام إرادة شعب مُقاوم أبىَ إلاَّ بالصمود والصبر والتضحية…؟!
دلالة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي
جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي صدرت آخر نسخة منها في 4 ديسمبر 2025، لتعكس تحولاً في أولويات واشنطن في ظل المتغيرات الدولية. وهي تُعدّ وثيقة توجيهية عليا تحدد الإطار العام للسياسة الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة. وجاء في صيغتها الحصرية تأكيد على إعادة توجيه الموارد الأمريكية نحو حماية المصالح الاقتصادية والتجارية، وتقليل الأعباء الناتجة عن الانخراط العسكري المباشر، مع التركيز على إدارة التنافس الدولي بوسائل غير عسكرية كلما أمكن ذلك.
كما نصّت الاستراتيجية، في البند المتعلق بالشرق الأوسط، على ضرورة إنهاء الحروب والنزاعات الممتدة، وتفادي الانخراط في تدخلات عسكرية طويلة الأمد في المنطقة. ويؤكد هذا البند أن تحقيق المصالح الأمريكية لا يعتمد على القوة العسكرية بقدر ما يرتبط بتعزيز التجارة، والشراكات الاقتصادية، وتأمين الطاقة وسلاسل الإمداد. ويعكس هذا التوجه قناعة أمريكية بأن الاستقرار الإقليمي يمكن بناؤه من خلال التعاون الاقتصادي والتنمية، مع الاكتفاء بوجود أمني محدود يهدف إلى حماية المصالح الاستراتيجية دون التورط في صراعات مفتوحة.
تُظهر الوثيقة تحولاً لافتاً في مقاربة الشرق الأوسط، حيث تغيب العناوين التي سيطرت لسنوات على الخطاب الأمريكي، مثل إسقاط النظام في إيران، أو محور الشر، أو بناء تحالفات إقليمية على أساس المواجهة. لا تعتبر الاستراتيجية أن المنطقة تشكل ساحة حرب أمن قومي أمريكي، ولا تضع خطوطاً حمراء كبرى في البحر الأحمر، ولا تطرح مشاريع لنزع سلاح قوى المقاومة. الأولوية الواضحة هي الاستقرار، والتهدئة، وتخفيف التوتر، من دون طرح حلول شاملة أو جذرية للأزمات القائمة.
إن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ليست بياناً سياسياً عابراً ولا تعبيراً عن موقف شخصي لرئيس أو مسؤول، بل هي نتاج عمل مؤسسي طويل تشارك فيه الرئاسة ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي وأجهزة الاستخبارات. تمتد عملية إعدادها لأشهر من النقاش والتقييم والتعديل، قبل أن تصدر بصيغة تعكس توافقاً داخل مراكز القرار الأمريكية على رؤية واحدة تحكم السياسة الخارجية والأمنية للولايات المتحدة. ومن هنا، فإن صدورها يعني أن مرحلة الجدل قد انتهت، وأن الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية قد حُسمت.
هذا التحول في الرؤية الاستراتيجية بعد الحروب عند قراءة مضمون الاستراتيجية، يوضح أنها لا تتضمن توجهاً نحو حروب جديدة، لا مع روسيا ولا مع الصين ولا في منطقة الشرق الأوسط. بل تعكس مراجعة شاملة لحصيلة الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، سواء في أوكرانيا أو في غرب آسيا، إضافة إلى الصراع الاقتصادي المتصاعد عبر الرسوم الجمركية. وكما هي عادة القوى الكبرى، فإن خوض الحروب يعقبه تقييم استراتيجي يرسم رؤية جديدة، وهذه الوثيقة تمثل خلاصة تلك المرحلة التقييمية.
تغيير الخطاب الأمريكي من الحرب للاقتصاد…
لاحقاً، بدا أنّ هناك ضغطاً أمريكياً متزايداً، ترافق مع تبدل ملحوظ في اللهجة الأمريكية تجاه لبنان. فقد صرّح المبعوث الأمريكي، وكذلك السفير الأمريكي في لبنان، بأن نزع سلاح شريحة واسعة من الشعب اللبناني بالقوة أمر غير ممكن، ما يعني أنّ خيار القوة بات مستبعداً من المقاربة الأمريكية. ثم عاد السفير الأمريكي ليؤكد، خلال لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، أنّ المطلوب هو احتواء هذا السلاح، أي تجميده ومنع استخدامه، لا الوصول إلى تصادم أو نزعه بالقوة. هذا التحول في الخطاب يشير إلى تغيير في الأسلوب الأمريكي لمعالجة ملف سلاح المقاومة.
تُظهر هُنا التجربة العسكرية أنّ نزع سلاح المقاومة بالقوة يكاد يكون مستحيلاً. فحتى أشد الحروب لا يمكنها أن تتجاوز كونها أدوات ضغط، من دون أن تؤدي إلى مشهد تسليم الصواريخ أو البنادق أو العتاد العسكري. وقد أثبتت الوقائع أنّ الضغط العسكري الإسرائيلي، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع تحقيق هذا الهدف. فعلى الرغم من اغتيال قيادات الصف الأول في المقاومة، وتدمير الضاحية الجنوبية، ودمار الجنوب، ومنع عودة الأهالي وإعادة الإعمار، لم يتحقق هدف نزع السلاح. وعليه، فإنّ أي تصعيد إضافي لن يؤدي إلى نتيجة مختلفة.
كذلك إسرائيل التي لا تزال الحليف الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، أثبتت التجربة الأخيرة حدود قدرتها وعجزها عن فرض وقائع سياسية وعسكرية تخدم المصالح الأمريكية. فعلى الرُغم من الدعم الواسع، لم تتمكن إسرائيل من إنهاء المقاومة في غزة أو لبنان، ولا من فرض إرادتها في اليمن، ولا من تغيير النظام في إيران. هذا الفشل دفع واشنطن إلى إعادة النظر في فكرة إدارة المنطقة عبر إسرائيل وحدها، والعودة إلى تفعيل أدوار حلفاء آخرين كالسعودية ومصر وتركيا.
في ظل هذا الواقع، لا تبدو الولايات المتحدة ولا إسرائيل جاهزتَيْن لتسوية شاملة في الشرق الأوسط، لكن واشنطن ترى مصلحة واضحة في تسويات جزئية تؤدي إلى التهدئة وسحب فتيل الانفجار. في لبنان، ينحصر المطلب الأمريكي في منع عودة حزب الله إلى جنوب الليطاني، لا في نزع سلاحه. وفي غزة، يتمثل الهدف في منع حماس من تشكيل تهديد مباشر، من دون تحميل القوات الدولية مهمة نزع سلاحها. غير أن إسرائيل ترفض هذا المنطق، وتسعى إلى فرض شروط تتجاوز ما تريده واشنطن.
يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي – نتنياهو – استخدام التهديد بالحرب كورقة ضغط على الولايات المتحدة، سعياً إلى مقايضات تشمل غزة ولبنان وسوريا، وصولاً إلى طرح خيار الحرب على إيران. إلا أن هذا الخيار مرفوض أمريكياً بشكل قاطع، إذ يُعد الملف الإيراني ملفاً أمريكياً خالصاً لا يُسمح لإسرائيل بالتصرف فيه منفردة. كما أن أي حرب واسعة على لبنان تتطلب عملاً برياً لا يبدو الجيش الإسرائيلي مستعداً لتحمل كلفته السياسية والعسكرية.
على المستوى الاستراتيجي، يُطرح مشروع تحويل جنوب لبنان ومحيطه إلى منطقة اقتصادية أو سياحية، وهو مشروع قديم يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، ويُعاد طرحه اليوم بصيغ جديدة، تشمل أيضاً الجولان وجبل الشيخ، مع ربط هذه المناطق بمشاريع سياحية واستثمارية كبرى، ومنفذ بحري في الناقورة. ويرتبط هذا المشروع بمصالح شركات أمريكية في النفط والغاز في البحر المتوسط، وبسعي للسيطرة الاقتصادية على الساحل الممتد من تركيا إلى غزة. غير أنّ هذا الطرح يُقابل برفض جذري، انطلاقاً من خصوصية الجنوب اللبناني، الذي لا يخلو بيت فيه من شهيد أو جريح أو أرملة، ومن رفض تحويل أهله إلى أُجَرَاء في أرضهم بعد عقود من التضحيات. فمثل هذا المشروع لا يمكن فرضه على مجتمع ما زال يعيش آثار الحروب ولم يدخل في مرحلة تسوية تاريخية.
خلاصة المشهد، أنّ لبنان سيبقى تحت ضغط إسرائيلي متواصل، يتخذ أشكالاً متقطعة من القصف والتصعيد، في ظل غياب أفق حقيقي لحل شامل. فقرار الحرب والسلم في المنطقة لا يزال بقرار أمريكي وبيدٍ إسرائيلية، بينما تبقى المساعي الدبلوماسية محدودة الفعالية أمام ميزان قوى مختل، ومشاريع إقليمية تتجاوز لبنان وتمس مستقبل المنطقة بأكملها.
إنّها السياسة الأمريكية لافتعال الأزمات والحروب، المنبثقة من دافع اقتصادي غير مباشر، لاستغلال الدول وسرقة مواردها بشروطٍ هي تفرضها مُقابل تهدئة النزاعات!.
فهل الحل في لُبنان كامنٌ في عمق البحر المتوسط، حيث الغاز الأزرق والذهب الأسود، التي جُلّ أطماع الأمريكي تقع عليها؟! هل لبنان مقبل على شراكة اقتصادية أمريكية في موارده الطبيعية البحرية مقابل تهدئه أمنيه، تُعيد عجلة الحياة للوطن ويُعاد إعماره؟ والأهم، تُبقي المقاومة على سلاحها وتبقى قوّةً إقليمية بالمرصاد؟!!!.
