مِن عُزلة إسرائيل إلى الخَاصِرة الأَفريقية… تَنسيق نَتنياهو والإمَارات في مُواجهة إيران
بقلم زينب عدنان زراقط
من عزلة نتنياهو أمام الأمم المتحدة، وعدم رغبة ترامب في لقائه في نيويورك، إلى اجتماعات سرية بين أجهزة الموساد ومسؤولين من دول الخليج في الإمارات، ثم إلى رواية الطائرة الإماراتية التي كانت تقلّ ركاباً إسرائيليين، والتي قيل إنها كانت تُحضَّر لتكون نسخةً ثانيةً من أحداث 11 سبتمبر في تل أبيب – بهدف توجيه الاتهام إلى إيران -، وصولاً إلى طرح ممرات مائية بديلة عبر ترتيبات إماراتية – إسرائيلية للتمركز العسكري المشترك في الصومال والسيطرة على ميناء بربرة.
فهل تكشف عزلة نتنياهو في الأمم المتحدة، وعدم رغبة ترامب في لقائه، عن تباينات متصاعدة بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الحرب ومستقبل التصعيد في المنطقة؟ وما الذي دار خلف الأبواب المغلقة في الاجتماعات الإسرائيلية – الخليجية في الإمارات، وما علاقة ذلك برواية الطائرة التي قيل إنها كانت تستهدف إنتاج سيناريو شبيه بـ 11 سبتمبر وتوجيه الاتهام إلى إيران؟ وهل يكشف السعي إلى ممرات مائية بديلة، والتمركز الإماراتي – الإسرائيلي المحتمل في الصومال وميناء بربرة، عن إعادة رسم خريطة النفوذ والملاحة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟.
أولاً: عزلة نتنياهو… من الأمم المتحدة إلى اجتماع أبو ظبي
لم تكن الصورة التي ظهر فيها بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد مشهد بروتوكولي؛ فخلال خطابه غادر عدد كبير من ممثلي الدول القاعة، حتى بدت شبه فارغة، فيما بقيت وفود غربية وبعض الوفود العربية، بينها الإمارات والبحرين والمغرب. ما عكس حجم العزلة الدبلوماسية التي تواجهها حكومة نتنياهو، وجاءت بالتزامن مع عدم عقد اللقاء الذي كان متوقعاً بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لا يعني غياب اللقاء بالضرورة وجود قطيعة بين واشنطن وتل أبيب، فالعلاقة بينهما تقوم على مصالح ومؤسسات تتجاوز الأشخاص. لكن توقيته أعاد طرح سؤال التباين بين الرجلين في إدارة الحرب. فكلاهما يريد إضعاف إيران، إلا أن الاتفاق على بدء المواجهة لا يعني الاتفاق على نهايتها. ترامب يحتاج إلى نتيجة يمكن تقديمها للناخب الأمريكي باعتبارها إنجازاً، ويفضل أن تنتهي الضربات إلى صفقة أو تسوية، بينما قد يرى نتنياهو أن استمرار الضغط العسكري وتوسيع أهداف المواجهة يخدم أهدافه الأمنية والسياسية. ومع ارتفاع كلفة الحرب واضطراب الطاقة والأسواق، تصبح حسابات ترامب الداخلية أكثر حضوراً، في حين تفرض على نتنياهو حسابات حكومته وجمهوره رؤية مختلفة لمسار الحرب.
ومن هنا تكتسب الزيارة السِّرية والسَّريعة التي قام بها نتنياهو إلى الإمارات أهمية خاصة. فقد جاء اجتماعه بمحمد بن زايد في لحظة تتقاطع فيها ملفات إيران واليمن والبحر الأحمر وأمن الملاحة، وسط حديث عن مشاركة أو تواصل مع أطراف خليجية أخرى. وفي خلفية هذا الاجتماع عادت إلى الواجهة رواية شديدة الحساسية تتعلق بهجوم 7 أكتوبر. فقد تداولت تقارير أن محمد بن زايد حذّر نتنياهو قبل الهجوم بأيام من أن حركة حماس، تستعد لهجوم واسع، بينما نفى نتنياهو تلقيه تحذيراً إماراتياً من هذا النوع. وهذه الرواية تكتسب أهمية إضافية مع ما قاله الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عن حواراته مع بن زايد خلال أزمة الإصلاحات القضائية؛ إذ تحدث عن قلق إماراتي من الوضع الداخلي الإسرائيلي، وعن أهمية الحوار واستقرار إسرائيل بالنسبة إلى الإمارات باعتبارها شريكاً في اتفاقيات أبراهام.
وهكذا يظهر أن قنوات الاتصال الإماراتية الإسرائيلية كانت تتجاوز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية التقليدية إلى ملفات سياسية وأمنية حساسة. ومن ثم يصبح اجتماع أبو ظبي أكثر أهمية في لحظة تتداخل فيها أزمة الحرب مع حادثة طائرة تحمل إسرائيليين وتتحول سريعاً من واقعة أمنية إلى معركة على الرواية.
ثانياً: فلاي دبي… مؤامرة شبيهه لأحداث 11 أيلول!
تحولت رحلة “فلاي دبي” التي تُقِلُّ 180 إسرائيلياً المتجهة من دبي إلى تل أبيب إلى حادث أمني انتهى بهبوط الطائرة في السعودية بعد اشتباك بين الطيارين. وتحدثت الروايات الإسرائيلية عن طيار عُماني، بينما وصف نتنياهو الواقعة بأنها “حادث أمني خطير”، وقال وزير الدفاع الإسرائيلي أنها محاولة “إرهاب جهادي”. كما ظهرت في الإعلام الإسرائيلي رواية تقول إن الطيار كان يريد تفجير الطائرة فوق أحد الأبراج في تل أبيب، في حين نقلت القناة 14 رواية أخرى تحدثت عن محاولة انتحار وانخفاض سريع للطائرة قبل أن يتدخل الطيار الثاني.
لكن الرواية لم تكن موحدة داخل إسرائيل نفسها. فقد قال رئيس المعارضة يائير لابيد إن ما حدث لم يظهر في الإحاطة الأمنية التي جرت مع نتنياهو في الليلة السابقة، واتهم الحكومة بمحاولة استغلال الحادث سياسياً. في هذا المناخ ظهرت معلومات متداولة عن سيناريو “الرواية الكاذبة”، تحدثت عن احتمال تنفيذ هجوم في المنطقة على طائرة أو مطار ثم نسبته إلى إيران بهدف خلق إجماع دولي ضدها. عبر استهداف طائرات أو مطارات في المنطقة بهدف افتعال حادث ذي خسائر بشرية يمهّد لتشكيل إجماع دولي ضد طهران. وربط المصدر هذا السيناريو بعدد من التطورات الأخيرة، من بينها حادثة رحلة دبي – تل أبيب، إلى جانب التقارير عن تقليص بعض دول المنطقة رحلاتها الجوية من وإلى إيران، مع استمرار الرحلات إلى وجهات أخرى.
غير أن هذا السيناريو أعاد إلى الواجهة تحذيراً إيرانياً سبق الحادثة. ففي 12 آذار 2026، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قبل استشهاده “سمعتُ أن بقايا فريق إبستين قد دبروا مؤامرةً لخلق حادثةٍ شبيهةٍ بأحداث 11 سبتمبر وإلصاق التهمة بإيران”. وتكمن أهمية كلام الشهيد لاريجاني في طبيعة السيناريو الذي حذر منه أنه ليس مجرد هجوم عسكري على إيران، وإنما حادث كبير يُنسب إليها ثم يتحول إلى ذريعة سياسية لحرب أوسع. واستحضاره لأحداث 11 سبتمبر يحمل دلالة واضحة، لأن الهجمات لم تكن مجرد حادث إرهابي، بل أصبحت نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
أما تعبير “بقايا فريق إبستين”، فيحمل إشارة إلى الموساد وإسرائيل، وهو ما يجعل حادثة “فلاي دبي”، التي ظهرت حولها روايات عن تفجير وإرهاب واستهداف تل أبيب، أكثر حساسية من الناحية السياسية، لكونها حادثة أمنية وقعت في بيئة إقليمية متوترة، يمكن أن تتحول فيها مثل هذه الوقائع سريعاً إلى أداة في حرب الروايات وتوجيه الاتهامات.
ثالثاً: سيطرة إماراتية – إسرائيلية على ميناء بربرة
ومن بين الملفات التي يُقال إنها كانت حاضرة في لقاء نتنياهو ومحمد بن زايد، إلى جانب إيران واليمن وأمن البحر الأحمر، ملف الممرات البديلة في حال استمرار اضطراب باب المندب أو تعرض مضيق هرمز للإغلاق. وفي هذا السياق يبرز ميناء بربرة في أرض الصومال، ليس فقط كميناء تجاري، وإنما كموقع استراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وتزداد حساسية هذا الملف مع ما قاله وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، الذي اتهم الإمارات باتباع ما وصفه بـ “إمبريالية الموانئ” في أفريقيا، متسائلاً عما إذا كان انتشارها في الموانئ والمنشآت الاستراتيجية يقتصر على المصالح الاقتصادية. وربط صالح هذا الحضور بالتقارب الإسرائيلي الإماراتي في أرض الصومال، متسائلاً “لماذا تسعى إسرائيل للسيطرة على القرن الأفريقي؟، ولماذا تحتاج إلى قاعدة في أرض الصومال”؟، في ضوء ما تردد عن مساعٍ إماراتية سابقة لإنشاء منشأة عسكرية مشتركة مع إسرائيل في المنطقة، وهو ما يضيف بُعداً عسكرياً إلى الحضور الاقتصادي واللوجستي الإماراتي. أما بربرة، فقد تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقطة ارتكاز مهمة في شبكة الموانئ والممرات التي تربط الخليج بالقرن الأفريقي.
وهنا تحديداً تتضح أهمية بربرة في سياق الممرات البديلة؛ فإذا كان باب المندب نقطة اختناق، وكان هرمز معرضاً للاضطراب، فإن موقعاً مثل بربرة – عندَ الخاصرة الإفريقية – يمنح الإمارات وإسرائيل خياراً إضافياً على خط الملاحة الممتد من خليج عدن إلى البحر الأحمر. ومن هذه الزاوية لا يعود الحديث عن الميناء مجرد حديث عن التجارة، بل عن إعادة ترتيب شبكة الموانئ والمواقع الاستراتيجية في حال طال أمد المواجهة. وقد عززت الإمارات حضورها في الميناء عبر شركة DP World، التي استثمرت في تطويره وربطه بالأسواق الإقليمية، خصوصاً إثيوبيا وشرق أفريقيا.
وهنا تتقاطع المصالح الإماراتية والإسرائيلية. فالإمارات تنظر إلى بربرة باعتباره جزءاً من شبكة تجارية ولوجستية تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي، بينما يكتسب الموقع بالنسبة إلى إسرائيل أهمية محتملة بسبب قربه من اليمن وباب المندب، خصوصاً مع تصاعد التهديدات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر. ولذلك فإن الحديث عن بربرة يرتبط أيضاً بما تردد حول اهتمام إسرائيلي بمواقع في القرن الأفريقي، ومنها ما أشار إليه وزير الخارجية الإريتري بشأن مساعٍ إماراتية سابقة لإقامة قاعدة مشتركة لإسرائيل في إريتريا.
فمن الخليج إلى خليج عدن، ومن باب المندب إلى البحر الأحمر وقناة السويس، ثم إلى شرق المتوسط، توجد سلسلة مترابطة من الممرات التي تعتمد عليها التجارة والطاقة والإمدادات. وكلما ازدادت المخاطر في نقطة منها، ارتفعت قيمة البدائل الواقعة خارجها. وفي هذه المعادلة، قد لا يكون ميناء بربرة بديلاً كاملاً عن هرمز أو باب المندب، لكنه يمثل جزءاً من خريطة أوسع يجري فيها البحث عن منافذ ومسارات تستطيع الصمود عندما تصبح الجغرافيا نفسها جزءاً من الحرب.
في الختام، سياسة الهوان والمسرحيات الزائفة التي ينتهجها كلٌّ من الإسرائيلي والأمريكي لن تُجدي، فهي أكاذيب عارية. ولا خطوط مائية بديلة ستُغني التجارة العالمية وتُهدّئ من غضب الشعوب، بل إن هذا التلاعب، واللف والدوران، والبحث عن طرق نقل بديلة، يمكن أن يستدعي أنصار الله – اليمن – إلى التصعيد، فبدل أن يكون مضيق باب المندب مفتوحاً جزئياً، قد يُغلَق بالكامل!.
وبالنهاية، لا مفرّ من الخضوع لشروط محور المقاومة، وكل المراوغات حول الحقيقة ليست سوى مضيعة للوقت وخسارة تصبّ في الاقتصاد العالمي، وتضرب المصالح السياسية الأمريكية للحزب الجمهوري – ترامب – المقبل على استحقاقات انتخابية.
والحقيقة البيّنة، أنه كما انسحبت القوات العسكرية الأمريكية من العراق دون تفاوض ولا مواجهة، سوى بالتصدّي بقوة المقاومة وبصمود الشعب وثباته خلف خيار الممانعة، كذلك كل الأرتال الأمريكية سوف تنسحب من كل قواعدها في الشرق الأوسط “التي باتت غير صالحة للعمل وشهدنا انسحابات جزئية منها – كما أمرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية –!. ومع دخول شهر أكتوبر، بدأ العدّ العكسي لكلٍّ من ترامب ونتنياهو، ومستقبلهما السياسي المرهون بواقع الحرب المفتوحة حتى الآن لنرى كلمةَ الفصل لمن ستكون في النّهاية.
