إقليميات

ماذا بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية؟

بقلم توفيق المديني

عيّن الملك المغربي محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول 2026، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلّفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب.

السيرة الذاتية لفاطمة الزهراء المنصوري

حصلت المنصوري على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، ودبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه، إضافة إلى شهادة في القانون الأنغلو/ساكسوني من جامعة بايس الأمريكية.

بدأت المنصوري مسارها المهني محامية بهيئة المحامين في مدينة مراكش الجنوبية في 22 مارس/آذار 2005، وتخصصت في القانون العقاري، قبل أن تدخل العمل السياسي بانضمامها إلى حركة “لكل الديمقراطيين” عام 2007، ثم مشاركتها في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة عام 2008. وفي عام 2009، ترشحت المنصوري باسم الحزب لرئاسة المجلس الجماعي لمراكش، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في المدينة، وظلت فيه حتى عام 2015. وانتخبت نائبة في مجلس النواب بين عامي 2011 و2016، ثم أعيد انتخابها لولاية ثانية امتدت من 2016 إلى 2021.

واختارتها مجلة “فوربس ” عام 2014 على رأس قائمة ضمت 20 امرأة شابة هي الأكثر تأثيراً في أفريقيا، كما اختيرت في العام نفسه ضمن القادة الشباب العالميين. وفي عام 2015، تولت رئاسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، واستمرت في المنصب حتى عام 2024.

في تشرين الأول/أكتوبر 2021، دخلت المنصوري الحكومة وزيرةً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، جامعـةً بين مسؤوليتها الوزارية ورئاسة مجلس مراكش. وارتبط عملها الحكومي بملفات السكن والتخطيط العمراني وتأهيل المدن. وفي عام 2024، أصبحت منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب المهدي بن سعيد وفاطمة سعدي، وهو موقع أكسبها دوراً بارزاً في إدارة شؤون الحزب والتحدث باسمه. وقد شكّل تصدّر الحزب انتخابات 2026 المحطة التي نقلتها من القيادة الحزبية إلى رئاسة الحكومة. وتشغل المنصوري عضوية الجمعية الدولية للعمد الفرنكوفونيين، كما تتولى منصب نائبة رئيس الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية.

مهمة تشكيل الائتلاف الحكومي

لا يملك حزب الأصالة والمعاصرة الأغلبية المطلقة في مجلس النواب، ما يجعل مهمة المنصوري الأولى مرتبطة بتشكيل ائتلاف حكومي قادر على تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة لتمرير البرنامج الحكومي. وكانت المنصوري قد أعلنت عقب الانتخابات أن حزبها منفتح على النقاش بشأن التحالفات، في وقت تشير فيه نتائج الاقتراع إلى أن تشكيل الحكومة سيحتاج إلى تفاوض بين عدد من القوى السياسية.

ومن المنتظر أن تشهد الأيام المقبلة مشاورات لتحديد مكونات الأغلبية الحكومية وتوزيع الحقائب الوزارية، في ظل خريطة برلمانية جديدة فرضتها انتخابات 23 سبتمبر. ويحمل تعيين المنصوري دلالة سياسية وتاريخية، إذ أصبحت أول امرأة تتولى منصب رئيس الحكومة في المملكة المغربية. وكان اسم المنصوري قد برز خلال الأيام التي أعقبت الانتخابات باعتبارها إحدى أبرز المرشحين لتولي رئاسة الحكومة، خصوصاً بعد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة الاقتراع. وتصل الحكومة الجديدة إلى السلطة في سياق اقتصادي واجتماعي حساس، مع استمرار تحديات البطالة، وتحسين الخدمات العمومية، والصحة والتعليم، إلى جانب تنفيذ استثمارات كبرى مرتبطة باستعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030.

وتشير تقديرات وتحليلات أعقبت الانتخابات إلى أن الحكومة المقبلة ستواجه أيضاً ضغوطاً مرتبطة بتراجع الثقة السياسية ومشاركة الناخبين، بعدما بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات نحو 38 بالمئة، وهي من أدنى النسب المسجلة في الانتخابات التشريعية المغربية منذ سنوات. كما ستكون أمام الحكومة الجديدة مهمة تدبير الاستثمارات المرتبطة بالتحضير لمونديال 2030، الذي يستضيفه المغرب بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، إلى جانب الاستجابة لمطالب اجتماعية واقتصادية متزايدة، ولا سيما لدى فئة الشباب.

المنصوري أمام تحديات متطلبات الشباب

من أخطر التحديات التي ستواجهها حكومة المنصوري المرتقب تشكيلها خلال الأيام المقبلة في المغرب، ملف جيل زاد المغربي، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

ستواجه الحكومة المغربية المقبلة المطالب التي طرحها الحراك الشبابي المغربي، الذي خرج في مظاهرا ت كبيرة في معظم المدن المغربية في السابع والثامن والعشرين من شهر أيلول / سبتمبر 2025، للاحتجاج على تأزم الوضعية الاجتماعية، حاملين شعارات واضحة وبسيطة تتعلق بالعدالة الاجتماعية وإصلاح قطاعي التعليم والصحة، وتوفير فرص الشغل للعاطلين الشباب. ويمثِّل “جيل زد”، نحو ربع سكان المغرب (تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عاماً)، وتُقدَّر نسبة بطالة شباب المدن بنحو 50%. وقد دعا حراك الشباب المغربي إلى بناء “بلد يخدم الفقراء والمرضى والعاطلين، لا النخبة السياسية”.

ويُمَثِّلُ جيل “زاد”، نحو ربع سكان المغرب (تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عاماً)، وتُقدَّر نسبة بطالة شباب المدن بنحو 50%. وتشيرُ بيانات الإحصاء العام للسكان والسكن، والذي أجري في العام الماضي، إلى أنَّ عدد الشباب البالغ من العمر بين 15 و29 عاماً، يصل إلى 8.2 ملايين نسمة، من بين إجمالي سكان يقدر بحوالي 36.8 مليون نسمة. ويستفاد من بيانات المندوبية السامية للتخطيط الحكومية، أنَّ تلك الفئة من السكان، تمثل 5.9 ملايين شخص في سن النشاط، غير أنَّه يتجلى أنَّه إذا كان معدل البطالة العام وصل في العام الماضي إلى 13.3% خلال العام الماضي، فإنَّه قفز بين المتراوحة أعمارهم 15 و24 عاماً إلى 36.7% وحاملي الشهادات إلى 19.6%.

غير أنَّه استفاد من تفاصيل بيانات المندوبية للتخطيط حول الشغل والبطالة، أنَّ معدل البطالة بين المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 عاماً في المدن يقفز إلى 48.4% و21.4% في الأرياف. وهو معدل يصل على التوالي في المدن والأرياف بين البالغين 25 و34 عاماً إلى 26.2% و9.1%.

وكانت الحكومة المغربية التي انتهت ولايتها بعد بدء تشكيل فاطمة المنصوري حكومتها الجديدة، وعدتْ بتوفير مليون فرصة عمل على مدى خمسة أعوام بمعدل مئتي ألف فرصة عمل في العام، إلا أن النمو الاقتصادي الضعيف والهش، دفعها إلى السعي لخلق فرص مؤقتة عبر برنامجي “فرصة” و”أوراش”. ولم يتمكن المغرب في الأعوام الأخيرة من بلوغ معدل نمو اقتصادي قوي يوفر فرص عمل تستوعب جزءاً كبيراً من الشباب المقبل على سوق العمل، إذْ لم يتجاوزْ في المتوسط 3%، في الوقت الذي أوصى النموذج التنموي بنقله إلى 6%. وكان تقرير صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، قد نبه إلى أنَّ 4.3 ملايين مغربي لا يمارسون عملاً ولا يتابعون تدريباً فنياً ولا يدرسون، من بينهم 1.5 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً.

وجاءتْ تلك المظاهرات في سياقِ حراكٍ اجتماعيٍّ عالميٍّ مُنَاهِضٍ للعولمةِ الرأسماليةِ المتوحشةِ، بدأت في سنة 2007 – 2008، مع انفجار أزمة الرهن العقاري الأمريكيِّ، ثمَّ مع الانفجار الشعبي في مملكة النيبال، وبنغلاديش، وسريلانكا، قبل أن تصل إلى إفريقيا جنوب الصحراء في كينيا ومدغشقر، خلال شهر سبتمبر2025. انتفاضات شبابية مشابهة قادها أفراد جيل “زاد”، مستخدمين الأدوات الرقمية نفسها، واللغة الاحتجاجية نفسها التي تجمع بين بساطة المطالب وجرأة الموقف. واليوم، المغرب أول بلد في منطقة المغرب العربي يُوَاجِهُ هذه الموجة، ما يَضَعَهُ في قلبِ ظاهرةٍ عالميةٍ تُعِيدُ تعريف السياسة من خارج قنواتها التقليدية.

وقد شارك في هذا الحراك شباب الطبقات المعوزة، وشارك فيها أيضاً شباب الأحياء الغنية الذين أظهروا بسالة غير متوقعة منهم للتصدي لرجال الشرطة وابتداع وسائل احتجاجية طريفة أربكت هؤلاء. لقد شكلت المطالب لهذا الحراك الشباب المغربي: محاربة الفساد، وخلق فرص العمل للعاطلين عن العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية: وحرِّية استعمال الأنترنت، “الإيديولوجيا” الملموسة لهذا الحراك الاجتماعي، الذي لم يَكُنْ، لا إسلامياً ولا ماركسياً ولا قومياً.

أزمة النموذج الاقتصادي المغربي في ظل أزمة العولمة الليبرالية

كثر الحديث خلال العقدين الماضيين عن “معجزة” الاقتصاد المغربي، وعن أنَّ المغرب تحول إلى نموذجٍ ناجحٍ للتنمية يُحْتَذَى بِهِ، وهو ما تحاول المعطيات الماكرو اقتصادية الترويج له. وهذا ما جعل المغرب يُحْظَى بسمعةٍ جيدةٍ في المجال الاقتصادي، ولا سيما من قبل المؤسسات المالية الدولية، والدول الغربية عامة، وفي الواقع حصل هذا بسبب التطبيع الذي أقامه النظام الملكي المغربي مع الكيان الصهيوني، وارتباط استثمارات الشركات المغربية في إفريقيا مع الاقتصاد الصهيوني المعولم، كواجهةٍ له.

على الرغم من حرص الخبراء المغاربة على التأكيد بأنَّ رأسمالية السوق ما زالت هي الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق النمو الاقتصادي ولرفع مستوى المعيشة، إلا أنَّهم أصبحوا يدعون إلى إجراء تحديثٍ اجتماعيٍّ لدعوة الرأسمالية الليبرالية المغربية المنخرطة في نظام العولمة الرأسمالية الليبرالية الأمريكية المتوحشة، إلى خلقِ فُرَصِ عملٍ للشباب، الذي لن يتأتى عبر الاعتماد على الشركات التي تسعى إلى تحقيق الربح، وتَتَبَنَّى سياساتٍ تُفْضِي إلى التخلي عن فرص العمل.

الخبراء الحريصون على تحقيق السلم الاجتماعي، يطالبون بالتخلي عن المقاربة التي تنادي بتراجع الدولة عن الشأن الاقتصادي، فهم يتصورون أنَّ الاستجابةَ للحاجياتِ على مستوى فرصِ العملِ تستدعي تضافر جهود الدولة والشركات وحتى المجتمع الأهلي. ويخلصون إلى أنَّ توفير فرص عمل للشباب الذي يعاني من انتشار البطالة بين فئاته المختلفة، يَفْرُضُ التفكير في جميع المناطق، بما في ذلك الأرياف، وعدم تركيز المشاريع في المدن الكبرى حصراً.

السؤال المطروح مغربياً في الوقت الحاضر، هل تستطيع فلسفة الليبرالية الجديدة التي يتبنَّاها النظام الملكي المغربي إيجاد حلولٍ للأزمات المتعاقبة والمتداخلة؟. من يتابع تصريحات المسؤولين المغاربة ورواد الليبرالية الجديدة وكتابات الخبراء والمختصين وفعاليات الأسواق المالية، لا يساوره شكٌ في أنَّ الحراك الشبابي المغربي جيل “زاد” ليس عابراً أو ظرفياً، ومن الصعب جدّاً احتواؤه وتطويقه بالسرعة المنشودة ولو بضخ المليارات تلو الأخرى.

منذ أكثر من ثلاثةِ عقودٍ، أي منذ انتصار العولمة الليبرالية، وتحرير الاقتصاد، وفتح الأسواق، وتعديل النظام الضريبي، وإخضاع دول العالم العربي لهيمنة شركاتٍ أجنبيةٍ ووكلاء محليين فاجرين وجعلها دولاً مستتبعةَ وفق الأسس النيوكولونيالية المستترة والمعلنة، سادَتْ فكرة أنَّ الاحتجاج الاجتماعي لم يعدْ محرّك التاريخ، وأنَّ صراع الطبقات قد انتهى، وأنَّ قوى السوق ستجد حلولاً لمشاكل البؤس والتنمية.

وبَدَتْ الثورة الاجتماعية والسياسية شَبَحاً مَطْرُوداً من قبل المدارس الفكرية والسياسية السائدة في عالمنا العربي، لا سيما أنَّ غالبيةَ الأحزابِ والحركاتِ الإيديولوجيةِ العربيةِ أيْقَنَتْ أنَّ الثورةَ ترْقُدُ الآن في مقبرةِ التاريخِ. لكنَّ الحراكَ الشبابي المغربي أظهر خطأ ذلك كلّه. الأمر الذي له دلالته الكبيرة هو أنَّ هذا الحراك الاجتماعي الكبير وقع في المغرب، البلد الذي كان يتمُّ تقديمه على أنّه نموذجٌ اقتصاديٌّ ناجحٌ، بفضل شراكته الاقتصادية مع الشركات الصهيونية العالمية، التي تستخدم المغرب “كسنترال” للتغلغل الاقتصادي الصهيوني في إفريقيا.

خاتمة

يجمع الخبراء المغاربة أنَّ التحدي الاجتماعي، سيكون على رأس التحديات التي تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خصوصاً تحسين القدرة الشرائية والإنجاز في ملفي الصحة والتعليم، ليس فقط من حيث التمويل، بل أساساً أسلوب تقديم الخدمة العمومية، حيث كرامة المواطن في المغرب وإحساسه بمواطنته في ولوج هذه الخدمات، إضافة إلى معضلة البطالة، حيث التحول الديمغرافي ضاغط. فاتساع قاعدة الشباب في الهرم السكّاني يقتضي نمواً اقتصادياً متواتراً وثابتاً يتجاوز 5%، الأمر الذي يحتاج إلى تنافسية حقيقية والابتعاد عن الاحتكار واعادة الحيوية للمقاولة الوطنية، وكل ذلك في إطار تحدي عدم استقرار المحيط الإقليمي والدولي حيث اللايقين هو السائد.

وهناك ضرورة، الحفاظ على التوازنات المالية في ظل ارتفاع حاجيات تمويل الورش الكبرى والبنيات التحتية المرتبطة بأفق 2030، واستكمال إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، وتحسين مناخ الأعمال ورفع إنتاجية الاقتصاد، فضلاً عن مواجهة كلفة الإجهاد المائي والتغيرات المناخية على الفلاحة والأمن الغذائي والأسعار.

من الناحية الاجتماعية ستكون حكومة المنصوري مطالبة بمعالجة البطالة، وغلاء المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتقليص الفوارق بين المدن والقرى وبين الجهات، مع ضمان استدامة ورش الحماية الاجتماعية واستهداف الفئات الهشّة بكفاءة أكبر. وسيكون الملف الاجتماعي شديد الحساسية لأن نجاح السياسات الاجتماعية لن يقاس فقط بحجم الإنفاق العمومي، بل بمدى انعكاسه المباشر على دخل الأسر، وجودة المدرسة والمستشفى، وإمكانية حصول الشباب على شغل مستقر وآفاق للترقي الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *