انتصارات متسارعة لصنعاء.. السعودية تخسر نفوذها في تعز
بقلم نوال النونو
تكثف القوات المسلحة اليمنية من عملياتها العسكرية باتجاه المرتفعات الجبلية في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، بغية تحقيق هدفين رئيسيين، يتمثل الأول في تأمين مناطق الساحل الغربي المطلة على مضيق باب المندب في البحر الأحمر، في حين يتمثل الهدف الثاني في تطهير تعز من الأدوات الموالية للنظام السعودي.
وتُعدُّ محافظة تعز من أبرز المحافظات اليمنية الأكثر كثافة سكانية، وتتخذها السعودية كنقطة ارتكاز لمواجهة حكومة صنعاء، ولأهميتها الاستراتيجية لدى الرياض، فقد عينت رئيساً لما يسمى مجلس القيادة الرئاسي من هذه المحافظة، وهو رشاد العليمي.
ومع تحرير القوات المسلحة اليمنية لمناطق الساحل الغربي المطلة على باب المندب، وأبرزها مدينة المخا والوازعية، بات لزاماً على هذه القوات تأمين المرتفعات الجبلية المطلة على هذه المناطق، ولذلك جرت معارك عنيفة منذ أكثر من 20 يوماً، تمكنت من خلالها قوات صنعاء من إحكام السيطرة على هذه المرتفعات الكبيرة والشاهقة، وصولاً إلى قطع الرئيسي الرابط بين تعز وعدن، لقطع الإمدادات العسكرية عن التحشيدات التابعة للسعودية داخل مدينة تعز، بعد السيطرة على مديرية الشمايتين غربي تعز، والاقتراب من مدينة التربة مركز المديرية وسط انسحاب القوات الموالية للسعودية منها.
ومع استمرار العمليات العسكرية بمحافظة تعز، صدر بيان عن علماء المحافظة أكدوا من خلاله على أهمية وحدة الصف والاعتصام بحبل الله، وترسيخ الإخوة الإيمانية كعناوين رئيسية في مواجهة الخطابات التي تستند إلى الطائفية والمناطقية والحزبية لإعادة إنتاج الانقسام، وهو خطاب تتبناه السعودية، وتحاول تكريسه في الواقع، محاولة إنعاش المناطقية بالتحديد، والزعم بأن المنتمين لمحافظات صنعاء سيحكمون السيطرة على تعز، وهو ادعاء باطل، كون المعركة يشترك فيها كل أطياف اليمن، وفي مقدمتهم أبناء الحالمة تعز.
ولأهمية تعز لدى السعودية، فقد ظل الموالون لها طيلة الأشهر الماضية يصفونها بـ “إدلب اليمن”، معتقدين أن طلائع المقاتلين التابعين لحزب الإصلاح “الإخوان المسلمين” سيجعلون من تعز قاعدة للسيطرة على بقية المحافظات اليمنية، وصولا إلى ما سموه تحرير اليمن من “الحوثيين” على حد زعمهم، لكن هذا الحلم بدأ يتلاشى نهائيا في ظل الإخفاقات الميدانية المتتالية لهؤلاء المقاتلين أمام الضربات المحكمة لقوات صنعاء، وتقدمها المتسارع.
الطيران السعودي يقصف الأسواق والجسور
وبالتوازي مع اشتداد المواجهات على امتداد الرقعة الجغرافية لمحافظة تعز، لجأ الطيران الحربي السعودي إلى محاولة إنقاذ الموالين له من خلال تكثيف الغارات الجوية ضد قوات صنعاء، لكن الغارات سوق ماوية ما أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات من المدنيين في جريمة بشعة تضاف إلى السجل السعودي، كما أقدم الطيران السعودي على استهداف جسر الدليل بمحافظة إب، بغية قطع الإمداد للقوات المسلحة اليمنية، إضافة إلى غارات استهدفت شبكات الاتصالات ومواقع متعددة في محافظات عدة يمنية.
لكن التصعيد الجوي للسعودية ضد اليمن، لا يحقق أي انتصارات للتحشيدات التابعة له في الميدان، كما أن هذا يدفع صنعاء للرد في العمق السعودي، وقد تم تنفيذ عمليات نوعية في قلب الرياض ونجران وجيزان، لكن لم يتم الإعلان عنها رسميا، وفضلت صنعاء الصمت، مقابل هذه العمليات النوعية.
وأمام الانتصارات المتسارعة لقوات صنعاء، بدأ المشايخ والشخصيات الاجتماعية بتعز بالتواصل مع صنعاء لتأمين مناطقهم من أي مواجهات، ولا سيما بعد اقتراب هذه القوات من ريف تعز الجنوبي الغربي، وخصوصاً مشايخ مديرية الحجرية التي تعد من المناطق الاستراتيجية بحكم امتداد سلاسلها الجبلية من الساحل الغربي وصولاً إلى خليج عدن في رأس العارة، وتأمينها ينهي ما تبقى من مناطق حاكمة للسعودية على باب المندب.
وتعد هذه الانتصارات بمثابة صفعة كبيرة للسعودية التي تخسر نفوذها من يوم إلى آخر في محافظة تعز والمناطق الساحلية المطلة على باب المندب، بينما تعطي صنعاء أفضلية، وتأمينا لوضعها في الساحل، ما يعني أن السيطرة على البحر الأحمر وباب المندب محكمة، وسيكون من الصعب زحزحة قوات صنعاء من هذه المناطق، حتى ولو كان الحشد كبيرا، وحتى لو اجتمعت أكثر من 20 دولة مع السعودية في تحالف جديد.
أضف إلى ذلك، فإن السيطرة الكاملة لقوات صنعاء على محافظة تعز جنوب غربي اليمن، تسهل لها التقدم والسيطرة وتحرير محافظات أخرى هامة تقع في جنوب اليمن، وأبرزها محافظة لحج التي توجد فيها أهم قاعدة عسكرية سعودية أمريكية، (قاعدة العند)، والتي تعد البوابة لمدينة عدن الاستراتيجية، وقد باتت قوات صنعاء على مقربة منها، واقتحامها ليس مكلفا، لكن صنعاء تريد أولاً استكمال تحرير ما تبقى من محافظة تعز.
ولعل ما يميز التحركات الميدانية لصنعاء أنها تنفذ عمليات نوعية ومباغتة وسريعة ومؤلمة للسعودية وأدواتها في اليمن، دون الضجيج الإعلامي، فخلال هذا الأسبوع فضلت القوات المسلحة عدم الإعلان عن أي عملية عسكرية بشكل رسمي، كما أنها لا تعلن عن العمليات والقصف الذي تتعرض له المدن السعودية، دون معرفة السبب في هذا الكتمان، لكن الضجيج الإعلامي من قبل السعودية والأدوات التابعة لها يؤكد أنها تتعرض لنكسة وضربات كبيرة، وأن المملكة في مأزق كبير ولا تستطيع أن تتعامل مع هذه المستجدات والتطورات التي لا تصب في مصلحتها على الإطلاق.
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يكابر، محاولاً تشكيل تحالف جديد ضد اليمن، ومع ذلك تصطدم هذه المساعي بعدم الرغبة الدولية في التصعيد مع اليمن، وإشعال معارك بالقرب من باب المندب حتى لا تتعرض سفن الدول المشاركة في هذا التحالف للاعتداءات والغرق من قبل اليمنيين الذين لديهم تجربة في ذلك من خلال مساندة غزة في طوفان الأقصى.
أخيراً، من المتوقع إذا استمرت هذه الانتصارات أن تعلن صنعاء تحرير محافظة تعز بالكامل خلال الأيام المقبلة، لتنتقل بعد ذلك إلى الخطوة الأخرى، والتي قد تكون مأرب، أو عدن، أو لحج، أو ربما الحدود مع المملكة العربية السعودية، كلها مجرد توقعات، لكن لا يملك القرار سوى زعيم أنصار الله السيد عبد الملك الحوثي والقوات المسلحة اليمنية.
