زيارة نتنياهو إلى أبو ظبي.. أزمة الداخل “الإسرائيلي” أم ترتيبات الحرب المقبلة؟
بقلم د. محمد الايوبي
عندما نتأمل الأحداث السياسية الكبرى، لا يكفي أن نسأل “ماذا حدث؟” بل يجب أن نسأل “لمن يعود النفع؟” و “ما الذي يُخفيه هذا الحدث عن أعيننا؟” زيارة بنيامين نتنياهو المفاجئة إلى أبو ظبي، قبل أقل من شهر من انتخابات الكنيست، ليست مجرد حدث دبلوماسي هامشي..
بل هي نموذج صارخ على كيفية عمل السلطة في الشرق الأوسط: علنية في الخطاب، سرية في الجوهر، وعميقة في ارتباطاتها بالبنى الاقتصادية والعسكرية التي تحكم المنطقة.
الروايتان المتصارعتان: ستار لدخان كثيف
تقدم لنا وسائل الإعلام روايتين متنافستين حول هذه الزيارة. الرواية الأولى، التي تسربها مصادر إماراتية للإعلام “الإسرائيلي”، تقول إن نتنياهو جاء لطلب نفي التحذير المزعوم من محمد بن زايد قبل السابع من أكتوبر. الرواية الثانية، التي يروج لها محيط نتنياهو، تقول إن الزيارة كانت مخصصة لترتيب مواجهة إيران. وكما هي العادة في مثل هذه الحالات، فإن الروايتين ليستا متناقضتين بالضرورة، بل هما وجهان لعملة واحدة: كلاهما يخدم هدفاً واحداً هو إخفاء الحقيقة الأعمق.
دعونا نبدأ بالرواية الأولى. تقول صحيفة “هآرتس” إن بن زايد حذر نتنياهو قبل نحو أسبوع ونصف من السابع من أكتوبر من أن يحيى السنوار يخطط لـ “زلزال” يهز المنطقة. مكتب نتنياهو ينفي ذلك “بشكل قاطع”. لكن وكالة “أسوشييتد برس” كشفت أن نتنياهو طلب من بن زايد شخصياً نفي هذا التقرير. هذا الطلب في حدّ ذاته اعتراف ضمني بأن التسريب يشكل خطراً وجودياً على نتنياهو. لماذا؟ لأن المعهد “الإسرائيلي” للديمقراطية يؤكد أن 68% من “الإسرائيليين” يعتبرون أن أحداث السابع من أكتوبر ستحدد تصويتهم. وإذا ثبت أن نتنياهو تلقى تحذيراً إماراتياً (بالإضافة إلى ثلاثة تحذيرات مصرية)، فإن المسؤولية تنتقل من الفشل الاستخباراتي إلى قرار سياسي واعٍ.
هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا يسعى نتنياهو إلى انتزاع نفي إماراتي بعد ثلاث سنوات من الهجوم؟ الجواب ليس معقداً: الانتخابات. لكن هذا الجواب، على الرغم من صحته، يخفي عنا شيئاً أكثر أهمية.
من يخدم من؟ التحليل البنيوي للتحالف
دعونا نطرح السؤال بطريقة مختلفة هنا: ما هي البنية الاقتصادية والعسكرية التي تجعل هذه الزيارة ممكنة؟ الإمارات ليست قوة عسكرية كبرى. عدد سكانها 12 مليوناً، منهم 1.5 مليون إماراتي فقط. فكيف يمكن لمليون ونصف أن يسيطروا على شبكة نفوذ تمتد من القرن الأفريقي إلى دول الساحل إلى شمال أفريقيا؟.
الأداة الحقيقية هي المال، الإمارات هي سوق مالية ضخمة، وهي مجال للاستثمار الصهيوني واليهودي. هنا تكمن العلاقة التكافلية: “إسرائيل” تقدم الحماية الأمنية والاستخباراتية، والإمارات تقدم المال والمساحة الجغرافية والشرعية الإقليمية. هذا ليس تحالفاً بين ندّين، بل هو علاقة راعي – عميل، حيث تلعب الإمارات دور العميل الثري، بينما تلعب “إسرائيل” دور القوة الإقليمية التي توفر الأمان مقابل النفوذ.
لكن هناك طرف ثالث لا يمكن تجاهله: الولايات المتحدة. فالإمارات لم تعد تعتمد على الولايات المتحدة وحدها لتوفير الأمان، بل أصبحت “إسرائيل” شريكاً محورياً في الدفاع الجوي والاستخبارات. هذا التحول لا يعني تراجع النفوذ الأمريكي، بل يعني إعادة هيكلته: واشنطن تفضل أن تقوم “إسرائيل” بدور “الشرطي الإقليمي” بالوكالة، بينما تحتفظ لنفسها بالدور الأكبر في التخطيط الاستراتيجي.
الحرب على إيران: ذريعة أم ضرورة؟
الآن نأتي إلى السؤال الثاني: ما دور إيران في هذه الزيارة؟ الوفد المرافق لنتنياهو يكشف الكثير: رئيس الموساد رومان غوفمان، ورئيس مجلس الأمن القومي شموئيل بن عزرا، والسكرتير العسكري. هذا ليس وفداً سياسياً، بل هو وفد أمني – استراتيجي بامتياز. كما نقلت “سي أن أن” عن مصدر “إسرائيلي” أن اللقاء “هيمنت عليه مناقشات حول إيران”.
الحرب على إيران التي بدأت في فبراير 2026 غيّرت معادلة التحالفات في المنطقة. “إسرائيل” قدمت للإمارات نظام “القبة الحديدية” مؤقتاً مع مشغلين “إسرائيليين”. هذا التعاون يعكس واقعاً جديداً: الإمارات لم تعد تعتمد على الولايات المتحدة وحدها، بل أصبحت “إسرائيل” شريكاً محورياً. لكن السؤال الأهم: هل “إسرائيل” تحمي الإمارات، أم أن الإمارات توفر لـ “إسرائيل” جسراً استراتيجياً في قلب الخليج؟.
هنا تبرز التناقضات. فالإمارات حريصة على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، لأنها الدولة الخليجية الأقرب جغرافياً لإيران، ولديها مصالح تجارية واقتصادية كبيرة معها. هذا ما يفسر لماذا ظل البيان الإماراتي الرسمي عاماً: “بحثا العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها”. الإمارات لا تريد أن تكون ورقة في حملة نتنياهو الانتخابية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن التحالف الأمني مع “إسرائيل” يمنحها غطاءً في مواجهة التهديدات الإيرانية.
التحول الخليجي: قراءة في المصالح لا الخطابات
وفق تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن السعودية والإمارات تضغطان حالياً على إدارة ترامب لمواصلة الحصار البحري والعقوبات على إيران، وعدم تقديم أي تنازلات اقتصادية. هذا تحول ملحوظ عن موقفهما خلال الصيف حين كانت الرياض تدفع باتجاه التفاوض.
سبب التحول، بحسب الرواية السعودية، هو الهجمات الإيرانية على السفن السعودية في مضيق هرمز، بالإضافة إلى تشجيع طهران للقوات المسلحة اليمنية على خنق المسار البديل عبر البحر الأحمر. هذا التحول يفسر لماذا كان الوفد الأمني رفيع المستوى في زيارة أبو ظبي: “إسرائيل” والإمارات تنسقان موقفهما في مواجهة إيران.
لكن هنا يجب أن نكون حذرين. فالتقارير التي تتحدث عن “تحالف إقليمي” ضد إيران قد تكون مضللة. فدول الخليج لا تريد تصعيداً عسكرياً واسعاً، بل تريد إبقاء الضغط الاقتصادي على إيران دون الانجرار إلى حرب مفتوحة. هذا موقف مؤسسات أمريكية عسكرية وأمنية، ويدعمه التيار التقليدي داخل الحزب الجمهوري و”الإسرائيليون”. السيناريو المفضل لديهم هو أن تُروَّض إيران عبر الدبلوماسية الخلفية والتفاهمات الجزئية، مع استمرار الحصار الاقتصادي.
الوظيفة الإماراتية: أكبر من الحجم
هنا لا بد من وقفة تحليلية أعمق. الدور الإماراتي صار مكشوفاً لكل ذي عقل راشد. الأدوار التي تلعبها الإمارات اليوم هي أكبر من حجمها، وهي منخرطة ضمن أجندة صهيونية – أمريكية معلومة، ضمن مخطط أشمل لإخضاع المنطقة العربية وضرب الدول القوية في الوطن العربي. لكن ما الأدوات التي يمكن أن تكون نقطة قوة الإمارات؟. هي ليست بقوة عسكرية، وليست بقوة استخبارية بالمعنى التقليدي، الأداة الحقيقية هي المال والاستثمار والتحالفات. هنا الاستثمار الصهيوني واليهودي في هذه الدولة صار مكشوفاً ومعلوماً، فالصهاينة يستغلون هذا الإثراء من أجل الانخراط في هكذا مشروع، مقابل حمايتهم ومقابل إعطاء دور لهم.
نستنتج هنا مجموعة من الأسئلة: فهل يعقل دولة مثل الإمارات تؤثر في غزة؟ في الضفة الغربية؟ في السودان؟ في الصومال؟ في ليبيا؟ في النيجر؟ نموذج يقوم على المال والاستثمار والتحالفات والشركاء، وليس على ثقل الدولة والجغرافيا والأمن. هذا النموذج هو الذي جعل الإمارات هدفاً لانتقادات واسعة، ليس فقط من الجزائر التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية، بل من كل من يرى في هذا الدور أداة لتفتيت المنطقة.
فلسطين: البوصلة الغائبة
في خضم كل هذه التحليلات، لا يجب أن ننسى البوصلة الحقيقية: فلسطين. ما موقف الإمارات مما يحصل في غزة والضفة الغربية؟ عندما نرى نتنياهو، المطارد بارتكاب جرائم إبادة، معزولاً دولياً، تستحي عواصم أوروبا من استقباله، وهو يُستَقبل في دولة عربية. هل يعقل هذا؟.
“إسرائيل” لم تصل إلى فترة من العزلة الدولية مثل ما هي عليه الآن. إحدى عشرة دولة أوروبية تقاطع الكيان الصهيوني، وبريطانيا وفرنسا تنتقدان سياسته في الأمم المتحدة. ونحن الدول العربية نطبّع ونرفع علاقاتنا الدبلوماسية مع هذا الكيان. أي حديث وصلنا إليه؟.
عندما نقول “هذا المحور”، ضد من يشتغل؟، هو يشتغل أولاً من أجل ضرب كل مقومات القوى في الدول العربية الكبرى. بن غوريون تحدث عن استهداف الدول الكبرى: مصر والعراق وسوريا. تمكنوا من العراق، وسوريا تقريباً دُمّرت. مصر مستهدفة بكل تأكيد، على الرغم من معاهدات السلام. هم الآن بعد إيران يعلنون صراحة أنهم يستهدفون الجزائر. الصحف الصهيونية تتحدث عن تنامي القوى العسكرية الجزائرية بإسهاب. نلاحظ هنا: بأنه أي أجندة صهيونية يسبقها حملة إعلامية كبيرة. إذن هناك شيء كبير يُطبخ للمنطقة. بعد الشرق الأوسط، الآن سيأتون إلى شمال إفريقيا.
ما وراء زيارة أبو ظبي؟
زيارة نتنياهو إلى أبو ظبي تكشف أكثر مما تخفي. إنها محاولة يائسة من رئيس وزراء يواجه أكبر أزمة في حياته السياسية، لكنها في الوقت نفسه زيارة تعكس تحولاً استراتيجياً أعمق في المنطقة: التحالف “الإسرائيلي” – الإماراتي لم يعد فقط اتفاق سلام، بل أصبح تحالفاً أمنياً فعلياً في مواجهة إيران.
نتنياهو يحاول استخدام هذا التحالف لإنقاذ نفسه، لكن الإمارات تعرف كيف تفصل بين مصالحها الاستراتيجية وحسابات نتنياهو الانتخابية. ما لم يُقَلْ في أبو ظبي قد يكون أهم مما قيل: الإمارات مستعدة للتعاون الأمني، لكنها ليست مستعدة لأن تكون ورقة في حملة نتنياهو الانتخابية.
لكن السؤال الأهم يبقى: ما الذي يُطبخ للمنطقة بعد الشرق الأوسط؟ البوصلة تبقى فلسطين. ونحن، كعرب وكمسلمين، يجب أن نطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: مَنْ يخدم مَنْ في هذه العلاقة؟ الإمارات من ناحية، وأمريكا و”إسرائيل” من ناحية أخرى. وما بين الأضلاع الثلاثة، التقاطعات ثنائية وبينية. من يخدم من؟ الإجابة هنا على هذا السؤال ليست أكاديمية. إنها مسألة تتعلق بمستقبل المنطقة بأكملها.
