دوليات

عودة إلى التصعيد.. ترامب يكرر تهديداته لإيران والنخبة الأمريكية تحذر من المغامرات العسكرية الفاشلة

بقلم ابتسام الشامي

عودة إلى التصعيد

عادت أجواء التصعيد لتخيم على المنطقة مترافقة مع سيل من التهديدات الأمريكية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “تعهده” بمحوها من الوجود إن لم تسلك سبل الديبلوماسية. وفي ما كان يستعيد سيرة الإنجازات المدّعاة للحرب بما في ذلك القضاء على قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي، وتدمير قوتها البحرية والتأثير بشكر كبير في صناعتها الصاروخية، كانت حاملة الطائرات الأمريكية “روزفلت” ومجموعتها، بالإضافة إلى مجموعة إنزال، تتحرك نحو محيط إيران، في مشهد ينطوي على نوايا عدوانية من جهة ويدحض، من جهة ثانية، ادّعاءات ترامب عن تلك الانجازات، في ما يحشد جيشه قواته لمواجهة دولة “مفلسة ومنهارة وتتوسل التسوية”!.

حديث التصعيد ضد الجمهورية الإسلامية جاء متزامناً مقترح قدمته الأخيرة ورفضته الولايات المتحدة الأمريكية، ويقضي بوجوب إنهاء الأعمال العدائية في الجبهات كافة أولاً، ورفع الحصار البحري، وتوفير إمكانية بيع النفط، والوصول إلى جزء من الأصول المالية المجمدة، على أن يُعاد فتح مضيق هرمز في ختام الأيام السبعة للمقترح. ووفقاً لهذه الخطة، فإنه لا يمكن للمفاوضات النووية أن تبدأ، إلا بعد تحقق تلك الحزمة من الإجراءات، وهو ما رفضته الإدارة الأمريكية التي تسعى إلى انتزاع اتفاق نووي جديد مع إيران يقدمه ترامب كإنجاز كبير أمام ناخبيه، في مقابل الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأمريكي الأسبق مع طهران باراك أوباما عام 2015. وعلى أعتاب انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس، وأمام تراجع نسبة التأييد له لأدنى مستوياتها مترافقة مع توقعات بخسارة الحزب الجمهوري، فإن اتفاقاً يضطر فيه ترامب إلى تقديم تنازلات لإيران من أجل فتح مضيق هرمز، سيكون وصفة للمزيد من التدهور في وضعه الشخصي فضلاً عن وضع حزبه.

على أن رفض الاقتراح الإيراني لا يعني أن الرئيس الأمريكي لديه خيارات واسعة تتيح له الحصول على ما يريد أو تعينه على تحسين وضعه الانتخابي، فالعودة إلى الحرب التي يهدد بها ليست مضمونة النتائج، في ما لا تزال واشنطن تحاول جاهدة احتواء مفاعيل الجولة الأولى من الحرب التي افتتحتها في الثامن والعشرين من شباط الماضي باغتيال قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي وأرفع القيادات العسكرية، أملاً بسقوط سريع للنظام وتغيير وجهة المنطقة، قبل أن تتفاجأ بصمود طهران وقدرتها على التماسك والرد وإغراق الولايات المتحدة وحلفائها في وحول حرب فاشلة تتحول تداعياتها تدريجياً إلى كارثة استراتيجية تهدد وجودها في منطقة غرب آسيا ومكانتها العالمية.

نتائج الحرب كارثة استراتيجية

وبينما يعود ترامب إلى التصعيد مهدداً إيران باستئناف الحرب بقوة أكبر مما شهدته الجولة الماضية، تعبّر النخب الأمريكية عن إحباط متعاظم من نتائج تلك الجولة ومن قدرة واشنطن عبر مغامرة عسكرية جديدة من تغيير المعادلات الميدانية والسياسية لمصلحتها. وفي هذا الإطار أقرت مجلة “فورين بوليسي” بخسارة الولايات المتحدة الأمريكية للحرب “بكل المقاييس”، على الرغم مما يدعيه مسؤولو الإدارة وفي مقدمهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يكرر في خطابات عبارات “الانتصار” من دون أن يكون لهذا الادعاء، ما يترجمه على أرض الواقع، في برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية وكذلك في تماسك نظامها ونفوذها الإقليمي وقدرتها على التحكم بمضيق هرمز.

ووصفت المجلة الأمريكية نتائج الحرب على إيران بأنها “كارثة استراتيجية” للولايات المتحدة، حيث انكشفت “نقاط ضعف خطيرة لدى جيشها” فضلاً عن تكبدها، خسائر مادية جسيمة فاقت التقديرات بشأنها الـ 38 مليار دولار حتى الآن.

وإذ ربطت المجلة بين غرق واشنطن في مستنقعات خارجية وحروب خاسرة بجهل الإدارة الأمريكية بالواقع السياسي للبلدان، وغياب المستشارين الأكفاء، والغياب شبه التام للنقاش المهني، والثقة الزائدة بإمكانية تحقيق النصر السريع، أكدت في المقابل أن الحرب على إيران “لم تحقق للولايات المتحدة سوى القليل جداً، بل إن الأوضاع ازدادت سوءاً في بعض الجوانب، لاسيما لناحية إثبات طهران، قدرتها الفعلية على إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة.

واستطلعت مجلة فورين بوليسي رأي بعض الخبراء في الحرب ونتائجها، ومن بينهم كبير المحللين في مجموعة “أوراسيا” للبحوث، غريغوري برو، الذي أجري مقارنة بين ما أعلنته الإدارة الأمريكية من أهداف وما تحقق منها، قائلاً “إذا ما عدنا بالزمن إلى شهر شباط الفائت، وألقينا نظرة على ما أعلنت الولايات المتحدة أنها تسعى لتحقيقه، فإن إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الرئيسة جليّ، ولا يقبل الجدل”.

وتعبّر مجلة فورين بوليسي في قراءتها لنتائج الحرب الأمريكية على إيران عن تيار واسع في أوساط النخب الأمريكية ممن يقرأون الحرب بوصفها فشلاً من شأنه أن يترك تداعيات خطيرة على مكانة الولايات الأمريكية في منطقة غرب آسيا والعالم، وهو ما تشدد عليه مجلة “فورين أفيرز” التي تحث على ضرورة “إيجاد مخرج من هذا الوضع الذي لا يمكن استمراره، بعد نحو ستة أشهر من التناوب بين الهجمات العسكرية وعمليات الإكراه الاقتصادي التي لم تنجح في إجبار طهران وشركائها على تقديم تنازلات، أو تغيير سلوكهم”. وفي مقال مشترك للرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس، والأستاذة في مركز الشؤون العالمية التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك كارولين كيساين، تعتبر المجلة أنه لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن تلك الاستراتيجيات، بما في ذلك تهديد ترامب في خطابه أمام الأمم المتحدة بإبادة إيران سوف تنجح، مضيفة أنه ‘لن يكون في استطاعة الولايات المتحدة وحلفائها حماية البنية التحتية للطاقة وشحناتها إلى ما لا نهاية، ولا سيما في ظل تهديد إيران وجهات أخرى حليفة لها بضرب مصالح نفطية واستراتيجية أمريكية في المنطقة.

ويرى كاتبا المقالة أن “العودة إلى الدبلوماسية تُعد الخيار الأقل سوءاً”، ولذلك فإنهما يدعوان إلى التفاوض لإدخال تعديلات على بنود مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران، بما يشمل العمل على إرساء خطة لضمان بقاء الممرات المائية الحيوية مفتوحة، مع اقتراح تحفيز طهران على الالتزام ببنود الاتفاق من خلال بعض الإجراءات بما في ذلك تخفيف العقوبات عنها، والإفراج عن بعض أصولها المُجمدة، إلى جانب تسهيلات أخرى على صعيد إعادة الإعمار، وذلك في مقابل “إيقاف الهجمات على البنية التحتية للطاقة من قِبَل جميع الأطراف، وموافقة الحكومة الإيرانية على عدم تغيير وضع قدراتها النووية، مع تعهد أمريكي بحصر الرد على أي مخالفة بضرب منشآت نووية حصراً. وشدد الكاتبان أيضاً على ضرورة تشجيع السعودية على “السعي نحو تسوية مماثلة مع حركة أنصار الله في اليمن، تشمل ‘القبول بمشاركة الحركة في الحياة السياسية اليمنية، ومنحها مكاسب اقتصادية من عائدات النفط اليمني”.

أما بالنسبة إلى ما يدعو الكاتبَيْن إلى دق ناقوس وتفضيل الخيار الدبلوماسي على الخيار العسكري، فهي المخاوف التي يبديانها بشأن إمدادات الطاقة وتأثير الحرب بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز في أسعارها. ويعكس الكاتبان مخاوف من ارتفاع سعر برميل النفط ليصل إلى ما بين 150 و200 دولار، وهبوط الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي من النفط بالفعل إلى ما دون 300 مليون برميل. وإذ يعتبر الكاتبان أن “تحقق السيناريو الدبلوماسي من شأنه أن يرتب “تنازلات مؤلمة على كلّ من واشنطن والرياض” إلا أنهما يؤكدان أنه “سيمنع كارثة اقتصادية أشد إيلاماً بمراحل” في حالة المضيّ قدُماً في المواجهة، في ظل تناقص أعداد السفن التجارية العابرة للمضيق.

وعلى خلفية هذه الوقائع والمخاوف من تطور تداعياتها السلبية، تحث مجلة فورين أفيرز الإدارة الأمريكية، على ضرورة السعي للتوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب، حتى لو أدى هذا الاتفاق إلى ترجيح مصالح الأخيرة، سواء لناحية عدم فرضه قيوداً على نشاط حلفائها الإقليميين، أو على ترسانتها من الصواريخ والمسيّرات، أو لما قد يمنحها إياه من مزايا اقتصادية كبيرة. ويخلص الكاتبان إلى أن من شأن التوصل إلى تسوية “تخفيف الضغوط على تجارة الطاقة العالمية، وإنهاء الحصار الأمريكي للسفن الإيرانية.. توقّف إيران عن عمليات زرع الألغام في مضيق هرمز والهجمات على ناقلات النفط العابرة له”.

الاحتياط النفطي في أدنى مستوياته

المخاوف المعبر عنها في الإعلام الأمريكي في ما يخص أسواق الطاقة، تنطلق من الأرقام المعلنة بشأن تراجع إمداداتها على مستوى العالم، بما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الاقتصاد العالمي فضلاً عما تؤدي إليه من قرارات مستعجلة لتعويض النقص الحاصل ومحاولة الحد من ارتفاع أسعار النفط، وفي هذا السياق أفادت وكالة رويترز بتراجع مخزونات النفط الخام في الاحتياط النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى 283.8 مليون برميل الأسبوع الماضي، وهو أدنى مستوى منذ تشرين الأول 1982، وفقاً لبيانات وزارة الطاقة الأمريكية. وبحسب الوكالة، فإن السحوبات من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة، بعد اتفاق للإفراج عن 172 مليون برميل من هذا المرفق، تسببت بتدنّي الاحتياطي النفطي الاستراتيجي المحلي إلى أدنى مستوى له منذ نحو 44 سنة.

وفي محاولة لخفض أسعار الطاقة وتعويض الأسواق النقص الحاد في إمداداتها، تناقش الدول الأوروبية مقترحات عدة، من بينها سحب كميات إضافية من الاحتياطات النفطية. وهو ما ألمح إليه مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول الذي أكد أن “انقطاع إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا والمشاكل المتعلقة بالإمدادات عبر مضيق هرمز قد شكّلا صدمة هائلة للاقتصاد العالمي”. وقال إن الدول الأعضاء في الوكالة قد ​تناقش إمكانية طرح ​كميات إضافية من احتياطيات النفط ⁠الاستراتيجية في السوق ​في المستقبل. وأضاف بيرول لصحافيين في ​دبلن قبل اجتماع وزراء الطاقة بدول الاتحاد الأوروبي “نراقب الأسواق ​عن كثب، لا ​سيما أسواق منتجات مثل الديزل ‌وغيرها. ⁠وسنناقش بالطبع مع الدول الأعضاء اتخاذ الخطوات اللازمة إذا دعت ​الحاجة”. الا أنه رفض التعليق ⁠على المقترحات التي ألمح إليها ​الرئيس الفرنسي إيمانويل ​ماكرون ⁠وآخرون بشأن طرح المزيد من الاحتياطي الاستراتيجي ⁠في ​محاولة لخفض أسعار ​النفط.

خسائر عسكرية فادحة

على أن الخسائر الأمريكية جراء الحرب على إيران لا تنحصر في الخسائر الاقتصادية على أهميتها، بل تتعدها إلى الركن الثاني من أركان الهيمنة الأمريكية، أي النموذج العسكري. فقد نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالاً للمعلق ماكس بوت قال فيه إن إيران حطمت افتراضاً عسكرياً أمريكياً أساسياً، حيث كشفت الحرب عن مكامن خطر ستكون كارثية في أي صراع ضد الصين. وبعد استعادته استبدال الولايات المتحدة بالسفن الحربية حاملات الطائرات كواحدة من العبرة المستفادة من هجوم بيرل هابر الياباني عام 1941، يشير إلى أن إيران استخدمت الطائرات المسيرة والصواريخ لإلحاق خسائر فادحة بالقواعد الأمريكية في منطقة الخليج. وبحسب تقرير حديث صادر عن المفتش العام لوزارة الدفاع، فقد “ألحقت الضربات الإيرانية أضراراً ودمرت مئات المباني والمنشآت في القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق وعمان والأردن خلال الصراع، إضافة إلى ذلك، دُمرت أو تضررت عشرات الطائرات الأمريكية”.

ووفقاً للكاتب فإن الأضرار كانت جسيمة بشكل خاص في قاعدة البحرين البحرية، مقر الأسطول الخامس، التي أُخرجت من الخدمة في 28 شباط، وهو اليوم الأول للقتال. مستشهداً بما قاله القائم بأعمال وزير البحرية، هانغ كاو، مؤخراً بأن الإيرانيين “دمروا قاعدة البحرين تدميراً كاملاً”. في حين قال الأدميرال داريل كودل، رئيس العمليات البحرية، في اجتماع عام للبحرية: “لن نعود إلى هناك في أي وقت قريب” مضيفاً في اجتماع عام “أريد فقط أن أكون صريحاً بشكل تام في هذا الشأن”.

ويشير الكاتب في صحيفة واشنطن بوست إلى أنه بسبب تعطل ميناء البحرين، اضطرت البحرية الأمريكية للاعتماد على قاعدتها في دييغو غارسيا، التي تقع على بعد 2,200 ميل، لتزويد الأسطول الأمريكي في الشرق الأوسط. وقد أدى ذلك إلى زيادة تكلفة الإمدادات التي تصل إلى السفن، وانخفاض وتيرة وصولها، فضلاً عن جعل عمليات الرسو في الموانئ محفوفة بالمخاطر.

كما أمضت حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” تسعة أشهر عصيبة في البحر، حيث بلغ الضغط النفسي حداً دفع ثمانية من أفراد المجموعة الضاربة لمحاولة الانتحار. وتساءل الكاتب عما يمكن أن تفعله الصين، التي تمتلك من الطائرات المسيرة والصواريخ ما يفوق بكثير ما تمتلكه إيران، بالقواعد الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفليبين وغوام، وحتى هاواي. فلو تعطلت معظم هذه القواعد، ولو مؤقتاً، لكان ذلك سيشل قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن تايوان.

وعقّب الكاتب على هذا الافتراض بأنه لا توجد حلول سهلة لمعالجة ضعف القواعد الأمريكية الناجم عن انتشار الطائرات المسيرة والصواريخ الرخيصة، والذي سيزداد سوءاً مع انتشار أنظمة التوجيه بالذكاء الاصطناعي.

خاتمة

بين رفض التسوية بالشروط الإيرانية والتهديد بالعودة للحرب، تستنزف واشنطن ما تبقى من رصيد هيبتها، ويزداد وضعها سوءاً كلما صمدت إيران في وجه الضغوط الاقتصادية القصوى واستطاعت تحويلها من سيف عليها إلى سيف بيدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *