إعرف عدوك

السياسة المُوصى بها لإسرائيل

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

ويعود ذلك أساساً إلى سيطرة حماس على سكان غزة، واكتسابها المزيد من القوة، وفي ضوء التجارب السابقة، لا ينبغي لإسرائيل أن تتكيف مع هذا الوضع.

= تقترح هذه الوثيقة السياسية مخططاً سياسياً تكميلياً، يُمكن تنفيذه بشكل تفاضلي -على غرار “إشارة المرور”. وهو عبارة عن تكييف لخطة مجلس السلام لمستقبل قطاع غزة، بطريقة لا تُعرّض أمن إسرائيل للخطر. وتتمثل الفكرة الأساسية في التمييز بين ثلاث مناطق جغرافية في القطاع، وهي المناطق القائمة حالياً: الحمراء والخضراء والبرتقالية. وفي كل منطقة، سيتم تطبيق الحل بشكل مختلف.

الحمراء: نقل السلطة المدنية من حماس إلى حكومة غزة الإدارية (التكنوقراطية)

البرتقالية: إعادة إعمار مركزة في المناطق الخالية من حماس والخاضعة لسيطرة قوة الاستقرار الدولية والحكومة التكنوقراطية.

الخضراء: منطقة أمنية تسيطر عليها إسرائيل، وأي انسحاب تدريجي منها مشروط بنزع سلاح حماس تدريجياً.

= الهدف النهائي هو انسحاب إسرائيلي شبه كامل من قطاع غزة، رهناً بتحقيق شرط نزع سلاح حماس بالكامل، على أن يتم التحقق من ذلك من قبل جهة دولية مستقلة، على أن يكون هذا النزع مقبولاً لدى كل من إسرائيل وحماس. لذا، سيكون التنفيذ على مراحل، وبشكل تدريجي، ومُكيّف جغرافياً مع المناطق الثلاث. يُعد هذا النهج التدريجي أفضل من الرفض التام لمبادرات مجلس السلام (خطة النقاط الخمس عشرة)، وهو أكثر مسؤولية من القبول التام بحل مثالي، ولكنه غير واقعي، ومحاولة تنفيذه.

خلفية عامة وسياق

الخلفية: “الغموض البنّاء” كمنهج عمل أمريكي

وافقت الحكومة الإسرائيلية على نشر قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة. هذه بداية تنفيذ خطة “مجلس السلام” المكونة من 20 بنداً. في حال نشرها، سيمثل ذلك تحقيقاً عملياً لرؤية أمريكية أوسع بكثير من مجرد حل محلي للقطاع: فالولايات المتحدة تعمل أيضاً بجد لتنفيذ هذه الرؤية في سوريا ولبنان. وخلافاً للادعاء الشائع بأن الرئيس ترامب لا يملك استراتيجية منهجية للشرق الأوسط، توجد مبادئ توجيهية واضحة إلى حد ما في السلوك الأمريكي في المنطقة، والتي، على الرغم من تداخل الاعتبارات النفعية المتعلقة بالمصالح الاقتصادية والتجارية، تشير إلى فكرة تنظيمية.

إحدى الوسائل الأساسية لتنفيذ هذه الرؤية هي “الغموض البنّاء”: أي أنه عند توقيع الاتفاقيات (مع إيران أو حماس أو لبنان)، لا يتم الاتفاق عمداً على جزء كبير من التفاصيل، وفي الوقت نفسه، لا يتم الإعلان عنها. وهذا يخلق هامشاً من الحرية في التنفيذ. لكن هذه المرونة لها ثمنها: فالغموض يُصعّب فهم الوضع في الوقت الفعلي، ويمكن لكل طرف تفسير بنود الاتفاقية بما يخدم مصالحه، كما يُحتمل أني سوء فهم قد يتطور إلى عنف، فتفقد الاتفاقية صلاحيتها (انظر: اتفاق التفاهم مع إيران، حزيران 2026). وبالتالي، يُشوّه هذا الغموض إدراك الواقع، ويزيد من خطر عدم تحديد المخاطر وتفويت الفرص.

تؤثر هذه السياسة بشكل مباشر على إسرائيل، التي وافقت فعلياً على نوع من “الاستعانة بمصادر خارجية أمريكية” في سياسة الأمن القومي. بينما تشارك إسرائيل في بعض العمليات، وبالتأكيد عبر قنوات مباشرة مع الرئيس، فإن القرارات التي تُشكّل مستقبل علاقاتها مع المنطقة تُتخذ في الغالب في واشنطن. لذا، من الضروري إدراك أن سياسة إسرائيل هي في الواقع سياسة الولايات المتحدة، مع أن إسرائيل لا تزال قادرة على التأثير فيها. تُفصّل هذه الوثيقة مقترحاً لتنفيذ السياسة الأمريكية في قطاع غزة بطريقة تسمح أيضاً بتنفيذها بشكل فعّال في لبنان وسوريا مستقبلاً.

السياق: خطة النقاط العشرين تطبيق لفكرة إسرائيلية مع إنفاذ خارجي

عُرضت خطة النقاط العشرين في 29 أيلول 2025 (وفي 17 ت2 2026، اعتمد مجلس الأمن القرار 2803، الذي أقرّ خطة النقاط العشرين). وخلافاً للاعتقاد السائد في الرأي العام الإسرائيلي، فإن هذه الخطة ليست فرضاً لفكرة أمريكية، بل هي في الواقع تنفيذ لخطة إسرائيلية لما بعد الحرب في قطاع غزة.

دعونا نوضح: عُرض المخطط الاستراتيجي العام لغزة على مجلس إدارة الحرب عشية بدء العملية البرية في قطاع غزة (26 ت1 2023). وقد اعتمد هذا المجلس المخطط الذي قدمته وزارة الدفاع. [i] ويفصّل المخطط الفكرة التالية: بعد هزيمة حماس (وفقاً للخطة – ثلاثة أشهر لحل الكتائب، وتدمير الأنفاق، والقضاء على القادة)، ستبدأ “المرحلة الثالثة”، التي سيتم فيها نقل السيطرة المدنية في غزة تدريجياً إلى حكومة تكنوقراطية، غير تابعة لحماس أو السلطة الفلسطينية. وعندما وافق مجلس إدارة الحرب على المخطط، تم الاتفاق على عقد اجتماع موسع لمجلس الوزراء قبل تنفيذ “المرحلة الثالثة” للموافقة على المراحل التالية من التنفيذ. إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد خلال العامين الأولين من الحرب. وكان هذا التأخير أساساً لانتقادات حادة مفادها أن الحكومة الإسرائيلية لم تضع إطاراً سياسياً يُكمّل العمل العسكري. وفي نهاية المطاف، فُرض هذا المخطط على الحكومة الإسرائيلية كجزء من خطة النقاط العشرين.

تتضمن هذه الخطة، التي شهدت المرحلة الأولى من تنفيذها إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين أحياءً من قبضة حماس، إنشاء مجلس السلام الدولي لغزة، الذي يُفترض أن يُوجّه ويُشرف على الإدارة التكنوقراطية التي ستحل محل حماس في السلطة، وهي اللجنة الوطنية لإدارة غزة. وستتلقى هذه الإدارة الدعم من قوة أمنية دولية للحفاظ على الأمن والنظام والإشراف على نزع سلاح القطاع.

وقد جاء تنفيذ الولايات المتحدة للخطة المكونة من 20 بنداً في خريف عام 2025 مدفوعاً بثلاثة تطورات رئيسية: (1) خطة إسرائيلية لاحتلال مدينة غزة وتدميرها بالكامل (عربات غدعون 3)، مما دفع حماس إلى تقديم تنازلات؛ (2) ضغوط من عائلات الرهائن المحتجزين لدى حماس على الرئيس ترامب لزيادة التزامه بإيجاد حل للأزمة وتنفيذه؛ (3) هجوم إسرائيلي على الدوحة، قطر، والذي قوّض شعور دول الخليج بالأمن، مما أدى إلى مزيد من الضغوط على الرئيس ترامب. كجزء من الخطة، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار والانسحاب التدريجي من قطاع غزة بشروط نزع السلاح، والسماح بإعادة الإعمار في المناطق التي سبق “تطهيرها من حماس” حتى بدون تعاونها (المادة 17). أما البند الأكثر حساسية سياسياً فهو موافقة إسرائيل على عملية سياسية مستقبلية، تُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية (المادة 19). تُعدّ هذه العملية السياسية الأولية شرطاً أساسياً لتوسيع “اتفاقيات إبراهيم”. وافقت الحكومة الإسرائيلية على هذا الإطار السياسي، على ما يبدو بافتراض أن حماس لن تفي بالتزاماتها وأن الخطة لن تُنفّذ. ستُنفّذ المرحلة الأولى (إطلاق سراح الرهائن)، على أن يُعزى فشل المراحل المتبقية إلى حماس، بما يسمح لإسرائيل باستئناف القتال في قطاع غزة، بدعم أمريكي.

السياق الحالي، خطة النقاط الخمس عشرة:

فرصة تنطوي على ثلاث نقاط ضعف هيكلية

خطة النقاط الخمس عشرة هي اتفاق بين مجلس السلام وحماس، يهدف إلى إقناع الحركة بالموافقة على دخول حكومة تكنوقراطية إلى قطاع غزة والعودة إلى المسار المتفق عليه. إسرائيل ليست طرفاً في هذا الاتفاق، باستثناء الترخيص اللازم لدخول أي قوة عسكرية أجنبية إلى أراضي دولة إسرائيل (وهو قرار أقره المجلس الوزاري السياسي والأمني). ورغم أن الخطة لا تتعارض رسمياً مع خطة النقاط العشرين، إلا أن صياغتها تُثير إشكاليات من منظور إسرائيل: اللهجة تجاه حماس متملقة لدرجة التذلل، مع تركيز كبير على الأمن لعناصر حماس في مرحلة انتقالية، وهناك تناظر ضمني بين حماس وإسرائيل في الافتراضات الأساسية المتعلقة بانعدام الثقة المتبادل. علاوة على ذلك، تم تحديد ثلاث مشكلات عملية تتطلب رداً إسرائيلياً فعالاً:

* آلية التحقق: تُعد قطر وتركيا جزءاً من الآلية المُفترض أن تُقدم تقريراً عن نزع سلاح حماس. من شأن أي تقرير تُقدمه هاتان الدولتان بشأن نزع السلاح أن يُلزم إسرائيل باتخاذ خطوة مماثلة بالانسحاب. ويكمن القلق الرئيسي في أن كلا البلدين مهتمان في الواقع بالحفاظ على وجود حماس في قطاع غزة، وليس بنزع سلاحها.

* إيداع الأسلحة: من المفترض أن تُعهد أسلحة حماس إلى سلطة أمنية فلسطينية، لم يتم تحديد تكوينها وصلاحياتها. ليس من الواضح على الإطلاق ما الذي يشمله إطار ما يُسمى “الأسلحة الدفاعية” أو “الأسلحة الهجومية” لحماس. وقد يُشكل تصريح حيازة الأسلحة الدفاعية منحدراً زلقاً نحو تكديس الأسلحة الثقيلة. إضافة إلى ذلك، قد يؤدي عدم الدقة في تحديد الجداول الزمنية والكميات إلى عدم القدرة على مراقبة عملية إيداع الأسلحة والإشراف عليها.

* هوية قوة الأمن الداخلي: لم يُحدد بدقة من هي القوة الفلسطينية التي ستتولى مسؤولية حفظ الأمن والنظام في قطاع غزة. إن الاتفاق المبدئي على دمج عناصر حماس في هذه القوة (رهناً بالموافقة الأمنية وتسليم الأسلحة) قد يُفضي عملياً إلى إنشاء إدارة تكنوقراطية، قوام قوة أمنها الداخلي عناصر من حماس. أما القوة الأمنية البديلة فهي “الشرطة الفلسطينية” المحلية، التي خضعت لموافقة أمنية وتدريب مكثف تحت إشراف أمريكي في مصر. إلا أن دخول هؤلاء العناصر الأمنية الفلسطينية إلى قطاع غزة مُتأخر لأن مصر لا توافق على تدريب قوة فلسطينية على أراضيها دون الحصول أولاً على التزام من الحكومة الإسرائيلية بإعادتهم إلى غزة ونشرهم هناك.

السياسة المقترحة:

الفرصة: الأحمر، البرتقالي، الأخضر – الخريطة الحالية لقطاع غزة

حتى وقت كتابة هذه الوثيقة، ينقسم قطاع غزة فعلياً إلى ثلاث مناطق تختلف في طبيعتها ودرجة السيطرة عليها. يشكل هذا التقسيم نقطة انطلاق فكرة “إشارات المرور”.

* المنطقة الحمراء، حوالي 38% من مساحة قطاع غزة، وهي المساحة التي يعيش فيها نحو 1.8 مليون نسمة، وتخضع لسيطرة حماس.

* المنطقة الخضراء، حوالي 53% من مساحة قطاع غزة، من حدود القطاع إلى الخط الأصفر الذي حدد نطاق السيطرة الإسرائيلية يوم قبول خطة النقاط العشرين، وتخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي.

* المنطقة البرتقالية، حوالي 12% من مساحة قطاع غزة، وهي مساحة سيطر عليها الجيش الإسرائيلي خارج الخط الأصفر منذ وقف إطلاق النار وحتى اليوم إن هذا التقسيم للسيطرة المادية القائمة حالياً في قطاع غزة – والذي تشكّل تدريجياً على أرض الواقع، لا نتيجة لسياسة موجهة من أعلى ومصممة لخلق فرصة – يمكن ترجمته إلى إنشاء نظام لإعادة التأهيل ونزع السلاح، بما يضمن عدم تشكيل المنطقة تهديداً لإسرائيل، ونزع سلاح حماس، وبدء عملية تُفضي في نهاية المطاف إلى نقل القطاع إلى سلطة فلسطينية مُحسّنة (بعد خضوعها للإصلاحات اللازمة). سيُتيح تحقيق هذا الهدف للجيش الإسرائيلي حرية العمل لصد التهديدات، إلى جانب بدء تنفيذ رؤية سياسية. سيُتيح اعتماد هذا المخطط توسيع نطاق “اتفاقيات أبراهام” والحد من الانتقادات الدولية الموجهة لإسرائيل والعزلة الدولية المتزايدة حولها.

تفاصيل المخطط المقترح.. توصيات عملية للسياسة

مخطط “إشارات المرور”، تنفيذ تفاضلي وفقاً لثلاثة مجالات

في المنطقة الحمراء، ستتولى الإدارة التكنوقراطية لغزة (المجلس الوطني لإدارة غزة) زمام الأمور، وستنقل حماس السلطة المدنية إليها، مع احتفاظها مؤقتاً بأسلحة خفيفة لأغراض الدفاع عن النفس فقط. ستلتزم الحكومة الإسرائيلية، من جانبها، أمام مصر بالموافقة على عودة قوة الشرطة الفلسطينية التي تدربت هناك إلى قطاع غزة (بعد الفحص الأمني والموافقة. وبناءً على سرعة وكفاءة نشر قوة الشرطة الفلسطينية، سيتم وضع جدول زمني ملزم لتسليم الأسلحة الخفيفة المتبقية في حوزة حماس. ومن المهم تحديد ما سيشمله تعريف الأسلحة الخفيفة بالتفصيل. حتى قبل تسليم الأسلحة الخفيفة، وبمجرد دخول الإدارة التكنوقراطية إلى غزة، يجب البدء بتسليم الأسلحة الثقيلة (الصواريخ، وقاذفات الصواريخ، والصواريخ المضادة للدبابات). بعبارة أخرى، يجب تفكيك جميع الأنفاق فوراً ونقل الأسلحة الثقيلة (الدبابات، وقذائف الهاون، والصواريخ، والرشاشات). يُعد تسليم الأسلحة الخفيفة شرطاً أساسياً لأي انسحاب إسرائيلي من المنطقة الخضراء (سيتم توضيح ذلك لاحقاً). سيتم نقل جميع الأسلحة التي تم جمعها من حماس إلى عهدة قوة الاستقرار الدولية (في المنطقة البرتقالية، سيتم توضيح ذلك لاحقاً)، وسيتم تعقيم هذه الأسلحة أو تدميرها. ثمة بديل آخر محتمل يتمثل في إيداع أسلحة حماس في مصر، تحت إشراف المخابرات العامة المصرية. وسيتم التحقق من عملية التفكيك حصراً من خلال آلية دولية، تضم، بالإضافة إلى تركيا وقطر، الولايات المتحدة ودولاً أخرى تحظى بمصداقية عالية لدى إسرائيل.

يجب منح هذه الآلية – لجنة التحقق الدولية – صلاحية إجراء عمليات تفتيش مفاجئة، والوصول إلى أي موقع مشبوه، وإجراء عمليات تفتيش هندسية وتقنية، وتلقي معلومات استخباراتية من مصادر خارجية، وإعادة فتح أي مرحلة تمت الموافقة عليها مسبقاً في حال ورود معلومات جديدة. سيوفر هذا حلاً مباشراً لمشكلة آلية التحقق والتحدي الرئيسي المرتبط بنزع سلاح حماس. وسيُرفق أي تقرير عن نزع السلاح بتحقق من جهة تثق بها إسرائيل، وليس فقط قطر وتركيا.

في المنطقة البرتقالية، سيتم تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي إلى الخط الأصفر الأصلي، مع نشر قوة الاستقرار الدولية في كل منطقة تنسحب منها إسرائيل، وبدء إعادة إعمار مدنية (مشاريع إسكان للسكان الذين اجتازوا الفحص الأمني). ستكون هذه المنطقة أساسية لبناء قطاع غزة جديد لا يشكل تهديداً لإسرائيل. مع تقدم عملية إعادة الإعمار في هذه المنطقة، ستتوسع المنطقة البرتقالية تدريجياً لتكون بمثابة منطقة عازلة خاضعة للإشراف بين المنطقتين الحمراء والخضراء. يُوصى بأن يستند توسيع المنطقة البرتقالية إلى نموذج عملي، وليس إلى تقسيم جغرافي ثابت بين جزء مخصص لنزع السلاح وجزء مخصص لإعادة الإعمار. على سبيل المثال: مقابل تفكيك كمية محددة مسبقاً من أسلحة حماس، ستتم إعادة إعمار الجزء المقابل في المنطقة البرتقالية. فعلى سبيل المثال، سيؤدي إيداع 5000 قطعة سلاح إلى تحرير 30% من المساحة المخصصة لإعادة الإعمار في المنطقة البرتقالية. بعبارة أخرى، سيتم تحديد التسريح مقابل إعادة الإعمار وفقاً لكمية الأسلحة التي تتخلى عنها حماس، وليس وفقاً للحدود الجغرافية. وبناءً على ذلك، تُعد المنطقة البرتقالية منطقة ديناميكية تتوسع وفقاً لإمكانية إعادة الإعمار. فعلى سبيل المثال، من الممكن اليوم إنشاء منطقة برتقالية في منطقة رفح كبيرة بما يكفي لبدء إعادة الإعمار. في مناطق أخرى، وقبل بدء إعادة الإعمار، سيتم توسيع المنطقة البرتقالية، إما بدفع خط السيطرة من قبل قوات الجيش الإسرائيلي، أو بنقل أراضٍ من المنطقة الخضراء إلى المنطقة البرتقالية، وأحياناً كليهما.

من المهم التأكيد على أن المنطقة البرتقالية هي جوهر إعادة إعمار “غزة الجديدة”، التي ستُبنى تحت سيطرة قوات الأمن والاستقرار، وليس تحت سيطرة حماس. سيكون انتقال السكان من المنطقة الحمراء إلى المنطقة البرتقالية ممكناً، لكنه سيخضع للإشراف والرقابة. بمعنى آخر، وحتى يتم نزع السلاح بالكامل من غزة، ستُشرف قوة الاستقرار الدولية (عبر نقاط التفتيش) على الدخول والخروج من المنطقة البرتقالية. على المدى البعيد، وبعد أن تبدأ الشرطة الفلسطينية، التي ستخضع لفحص أمني شامل، عملها في المنطقة الحمراء، وتُرسّخ وجودها وتُعزّز قدراتها، سيُمكن توسيع نطاق انتشارها ليشمل المنطقة البرتقالية أيضاً.

1- المنطقة الخضراء، ستبقى تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي كورقة ضغط وضمانة أساسية لتنفيذ العملية، بما يُرضي إسرائيل و”مجلس السلام”: ولن يتم الانسحاب الإسرائيلي التدريجي منها، قطاعاً تلو الآخر، إلا مقابل نزع سلاح مُوثّق من المنطقة الحمراء، بما في ذلك، وبشكل خاص، إيداع الأسلحة الصغيرة. المبدأ التوجيهي هو “المنطقة مقابل نزع السلاح المُوثَّق. من المفترض أن يُقدِّم هذا الوضع حلاً لمشكلة مستودعات الأسلحة: فما دام لا يوجد تحقق متبادل بشأن الأسلحة – بما في ذلك ما يُسمى بالأسلحة “الشخصية” – سيتم تعليق الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة الخضراء.

ستُمكِّن هذه الخطة إسرائيل من تحسين وضعها الأمني فعلياً دون تعارض مع مبادرة “مجلس السلام” وخطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين. وذلك على الرغم من أن الخطة الأصلية لـ “مجلس السلام” لا تُميِّز حالياً بشكل كافٍ بين المناطق الثلاث في قطاع غزة. سيُصاحب انتهاك هذه الخطة عقوبة فورية تتمثل في فقدان الاعتبار – أي تخطي المرحلة التالية من الانسحاب الإسرائيلي؛ وإذا تم اكتشاف الانتهاك بأثر رجعي، بعد تنفيذ الانسحاب ذي الصلة (على سبيل المثال، اكتشاف مستودع أسلحة كان من المفترض تسليمه عند إنجاز مرحلة معينة)، فسيتم فرض العقوبة – أي تخطي الانسحاب باعتباره المرحلة التالية في الخطة.

2- الشرح المنهجي للرأي العام الإسرائيلي، يُعدّ تنفيذ هذه الخطة معقداً، لذا يُوصى بأن يقوم مكتب رئيس الوزراء، بالتعاون مع جهاز الأمن القومي، بصياغة آلية تواصل منهجية – تشمل تقديم إحاطات للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست، وإطلاع وسائل الإعلام على المعلومات الأساسية، ونشر مبادئ السياسة (بدلاً من تفاصيلها التشغيلية) – لتوضيح السياسة المطبقة على أرض الواقع، والاعتبارات التي توجهها، والفرص الكامنة فيها. وستُسهم الشفافية المُحكمة في الحدّ من الضرر الناجم عن “الغموض البنّاء” غير المُبرّر، وتعزيز شرعية السياسة في نظر الرأي العام.

3- الحفاظ على التعاون مع إدارة ترامب، مع إدارة التحفظات عبر القنوات الدبلوماسية، يُوصى بأن تُواصل إسرائيل التعاون مع سياسة الرئيس ترامب، وأن تتجنب مواجهته علناً، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية عدد حلفاء إسرائيل على الساحة الدولية، وحساسية الرئيس الشخصية الشديدة لما يعتبره نوايا حسنة. مع ذلك، يُوصى بإنشاء قناة عمل إسرائيلية أمريكية مُخصصة على مستوى هيئة الأمن القومي مع العناصر المُناظرة في مجلس السلام، تُطرح من خلالها التحفظات المُفصّلة في هذه الوثيقة بشكلٍ مُستمر، ولا سيما تطبيق فكرة التنفيذ التفاضلي حسب المناطق (فكرة “إشارات المرور”)، بالإضافة إلى تحفظات إسرائيل بشأن مسألة التحقق من نزع السلاح وأنواعه، والتي يُفترض الحصول عليها من حماس والعناصر الفاعلة الأخرى في قطاع غزة، بدلاً من الاكتفاء ببيانات انتقادية علنية.

4- تسريع بناء الحكومة المدنية البديلة وقوات الأمن الفلسطينية، يُوصى بأن تعمل إسرائيل على تسريع التأسيس العملياتي للحكومة التكنوقراطية (المجلس الوطني للحكم الرشيد) في المنطقة الحمراء ونشر قوات الأمن الإسرائيلية في المنطقة البرتقالية. على الرغم من أوجه القصور والضعف في هذه الهيئات، فإن استمرار سيطرة حماس على قطاع غزة يُعد أسوأ الخيارات المُتاحة. في الوقت نفسه، يجب مواصلة العمليات العسكرية لمواجهة التهديدات الأمنية الناشئة. وهذا يتطلب إنشاء آلية لإدارة الاحتكاكات مع مختلف عناصر “مجلس السلام” العاملة في قطاع غزة. يجب الاتفاق مسبقاً على قواعد الاشتباك وإجراءات إطلاق النار.

يتمثل المبدأ التوجيهي لتوصيات السياسة في أنه من الأفضل تحويل الإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلي (السيطرة على القطاع، وإلحاق الضرر بقدرات حماس) إلى إنجاز سياسي حكومي مستقر، بدلاً من ترك حماس صاحبة السيادة الفعلية في قطاع غزة. هذا صحيح، حتى مع وجود شكوك حقيقية حول مدى نزع السلاح الذي سيتم إيداعه وتفكيكه في نهاية العملية

التحديات والردود

1- الاعتماد على استعداد حماس للتخلي عن هويتها كحركة مقاومة مسلحة

التحدي، يكمن في أن تنفيذ الخطة يتطلب تعاوناً من حماس. ولأنها حركة مقاومة، فمن المرجح أنها لن توافق على نزع السلاح ولن تتخلى عن بقائها السياسي، الذي يعتمد على القدرات العسكرية. لذلك، من المرجح أن تحاول حماس التضليل والتستر، وعرقلة التقدم نحو تنفيذ الخطة.

الردّ، عملية طويلة، ستُحرم خلالها حماس من قاعدتها الرئيسية – القدرة على تجنيد عناصر من بين السكان المدنيين في قطاع غزة: سيخضع سكان المنطقة الحمراء لسيطرة حكومة تكنوقراطية بديلة، ستوفر خدمات الأمن الداخلي، وفرص العمل، وتجمع الضرائب، وتوزع المساعدات الإنسانية، مما يُضعف قبضة حماس عليها. أما المواطنون الذين ينتقلون للعيش في المنطقة المُعاد تأهيلها (البرتقالية) فسيعيشون في منطقة لا وجود لحماس فيها. وفي المنطقة الخضراء، التي ستتقلص تدريجياً لصالح المنطقة البرتقالية، لن يكون هناك أي مواطنين على الإطلاق.

2- مخاطر الانسحاب

التحدي، ينظر سكان جنوب البلاد والمواطنون الإسرائيليون عموماً إلى المنطقة التي تم الاستيلاء عليها في القتال في قطاع غزة (وبثمن باهظ من الدماء) على أنها ضمانة للأمن. لذلك، فإن أي انسحاب جزئي، ناهيك عن الانسحاب الكامل، سيُصاحبه مخاوف جدية بشأن التنازل عن الأمن مقابل وعود وخطط معقدة التنفيذ، وبالتالي فإن فعاليتها موضع شك.

الرد، يكمن في التنفيذ التدريجي والبطيء، بما يضمن أن أي تنازل عن الأراضي سيتم بالتزامن مع تفكيك القدرات العسكرية المُهدِّدة في قطاع غزة. ستُعهد مهمة الإشراف على نزع سلاح حماس والتحقق منه إلى قوة أمريكية، بينما ستكون قطر وتركيا ودول أخرى جزءاً من آلية الإشراف هذه. وثمة حل آخر يتمثل في منح إسرائيل سلطة أمنية للقضاء على أي تهديد ناشئ في قطاع غزة أو انطلاقاً منه. ولن تتخلى إسرائيل عن حقها في الدفاع عن النفس وتحييد التهديدات. وأخيراً، سيكون الانسحاب إلى خط داخل قطاع غزة، مما يسمح بالدفاع عن المستوطنات في غرب النقب على خط المواجهة، وبناء نظام أمني على خط المواجهة يتيح الإنذار والدفاع عن المناطق الحيوية في الأراضي الإسرائيلية. لم يتم الاتفاق على خط المواجهة هذا حالياً، ويجب اتخاذ إجراءات للاعتراف بأهميته الأمنية لإسرائيل.

3- تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي

التحدي: سيؤدي نشر قوة الاستقرار الدولية في المنطقة الحمراء إلى تقييد قدرة الجيش الإسرائيلي على المناورة والعودة إليها. كما أن مجرد وجود القوات الأجنبية سيحد من حرية تحرك الجيش الإسرائيلي. وبالتالي، يُحرم الجيش الإسرائيلي من سيادته الأمنية، مما يقوض فكرة “تعزيز سلطته الأمنية”.

الرد: إن تقسيم قطاع غزة إلى ثلاثة مناطق بوضوح سيسهل بشكل كبير على إسرائيل تحديد وتنفيذ إجراءات إطلاق النار. خطوط واضحة تمكن من سياسة إطلاق نار تفاضلية: على سبيل المثال، نظراً لعدم نشر أي قوة دولية في المنطقة الحمراء، سيُطلق النار دون تنسيق، ولكن فقط على التهديدات المتفق عليها مسبقاً كأهداف لإطلاق النار الحر؛ وفي المنطقة البرتقالية، نظراً لنشر قوة دولية فيها، ستطلق النار فقط بالتنسيق المسبق؛ وفي المنطقة الخضراء، ستطلق النار دون أي قيود على الإطلاق. سيتم إنشاء آلية لمنع الاحتكاك من أجل تطبيق هذا التقسيم المبدئي. في حال تجدد مناورات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ستقوم قوة الاستقرار، إذا لزم الأمر، بإخلاء مواقعها، وسيتمكن الجيش الإسرائيلي من التقدم إلى المنطقة الحمراء أثناء عبوره المنطقة البرتقالية التي سيتم إخلاؤها.

4- حماس ستحكم من وراء الكواليس

التحدي: سيوقع نشطاء حماس على نوع من وثيقة الالتزام وينضمون إلى الشرطة الفلسطينية. شيئاً فشيئاً، سيشكلون ميليشيا مسلحة، ستنفذ سياسة “المقاومة المسلحة”، من بين أمور أخرى، بدعم من إيران – كما يحدث حالياً في العراق ولبنان. هذه القوة، إن تشكلت، ستكون مصدر التهديد المستقبلي من قطاع غزة لإسرائيل.

الرد: يجب عدم تجنيد عناصر حماس دون فترة تهدئة وعملية طويلة لإعادة تأهيلهم، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تجنيدهم كوحدة متكاملة، أي كهيكل تنظيمي. إضافةً إلى ذلك، يجب ضمان أن يتولى مجلس السلام دفع رواتب قادة شرطة غزة، مع التأكد من خضوع جميع متلقي الرواتب لفحوصات أمنية دورية. يجب افتراض استمرار وجود فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والاستمرار في التعامل معها بشكل مستمر، سواء من قبل الجيش الإسرائيلي أو بالتعاون مع قوات الأمن الأخرى في القطاع.

5- غياب مشاركة دول الخليج والدول الأوروبية

التحدي: بما أن هذه العملية ليست سياسية تهدف إلى إقامة دولة فلسطينية، فإن الدول العربية لن تتعاون مع الخطة، وستعتبرها تخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية فقط، على حساب التطلعات الوطنية الفلسطينية. في ظل نقص الموارد، ستكون الأطراف المشاركة في جهود استقرار قطاع غزة ضعيفة، إذ ستكون الرواتب منخفضة، وسيُنظر إلى من يشغلون مناصب السلطة على أنهم متعاونون مع إسرائيل، ما سيصعّب عليهم اكتساب الشرعية الشعبية. علاوة على ذلك، قد يؤدي غياب الدعم من دول الخليج المعتدلة إلى بروز قطر. فإذا تولّت قطر مهمة إعادة تأهيل القطاع، فمن المتوقع أن تتدفق الأموال إلى الإرهاب وإعادة بناء حماس من مصادر غير رسمية.

أما الرد، فيتمثل في ضرورة أن تُظهر إسرائيل التزامها بالمسار السياسي الذي حصلت عليه ضمن خطة إدارة ترامب ذات النقاط العشرين، دون الالتزام في الوقت الراهن بهدف سياسي نهائي يتمثل في إقامة دولة فلسطينية. مع ذلك، لا بد من الترويج لرؤية الانفصال، التي ستتيح سيادة فلسطينية مستقلة ولكن محدودة، منفصلة عن إسرائيل. حتى وإن كانت هذه الرؤية غير قابلة للتطبيق في ظل الظروف الراهنة، فإنها تُعدّ بدايةً لعملية الخروج من المأزق السياسي المُستمر منذ زمن طويل. إن مشاركة دول الخليج في جهود إعادة الإعمار الاقتصادي والمدني والأمني في قطاع غزة ستكون الأساس والشرط لنجاح الخطة. وتُعدّ قدراتها الاقتصادية ضرورية، ومن المتوقع منها أيضاً أن تعمل على ضمان عدم ضياع استثماراتها.

خلاصة

 تخلّت إسرائيل فعلياً عن قدر كبير من استقلاليتها في السياسة الخارجية والأمنية في غزة، لصالح سياسة تُصاغ في معظمها في واشنطن. وفي هذا السياق، يمنح “الغموض البنّاء” الأمريكي إسرائيل هامشاً حقيقياً من الحرية لتنفيذ خطة النقاط العشرين لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة من خلال إطار تفاضلي، قائم على السيطرة الإقليمية وفقاً لإعادة الانتشار، مع مراعاة التحقق المتبادل من نزع سلاح حماس. إن الاستخدام الحكيم لهذه الصلاحيات، وشرح مبادئ السياسة المُحدَّثة، إلى جانب استمرار التعاون مع واشنطن ومواصلة الجهود الدبلوماسية حتى بعد تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل، سيُحدِّد ما إذا كانت خطتا العشرين والخمس عشرة نقطة ستُترجمان إلى تحسينات أمنية مستدامة لإسرائيل، أم ستظلان مجرد إعلانات نوايا لن تُغيِّر الواقع على الأرض، وسيُعزى فشلها إلى حد كبير إلى إسرائيل.

أ- قُدِّم هذا النص من قِبَل كاتب هذه السطور عندما كان رئيساً للفريق الاستراتيجي لوزير الدفاع آنذاك، يوآف غالانت.

ب- مصر غير مستعدة للسماح لقوات الشرطة الفلسطينية بدخول أراضيها ما لم تلتزم الحكومة الإسرائيلية رسمياً بالسماح لها بالعودة إلى غزة. وينبع هذا الاعتراض من مخاوف مصرية بشأن الترويج لفكرة “الهجرة الطوعية” لسكان غزة إلى الأراضي المصرية، وهو ما تُعارضه القاهرة بشدة.

ج- لن تتحقق حالة “التجريد الموثق” إلا عندما يتم إخراج الأسلحة العسكرية لحماس من الخدمة، وتدمير الأنفاق ومواقع الإنتاج أو تحييدها، وتفكيك المنشآت العسكرية، وإنشاء آلية لمنع إعادة بنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *