معنى الحياة.. ثمةَ علاقةٌ بين الشقاءِ وجنونِ العظمة
بقلم غسان عبد الله
كنت وأنا طفل ذو ضحكة مميزة – بالإمكان التأكد من ذلك بالرجوع لألبوم صور العائلة – ولا أعرف متى نسيت الضحك، وعندما أكتمل وعيي وتبلورت نظرتي للكون والوجود فَتَحْتُ عيني وأدركت الواقع؛ عندئذ بدأت أضحك، ومنذ ذلك التاريخ لم أتوقف عن الضحك!!!..
فقد عرفت أن معنى الحياة هو أن تؤمّن معيشتك، وأن هدف الحياة أن يبلغ المرء منصباً رفيعاً، وأن الحبَّ هو أن تحلمَ بالزواجِ على طريقةِ “السترة خير وبركة”، وأن الصداقة هي مساعدة الآخرين في متاعبهم المادية، وأن المغامرة أن تخسر عشرين ألف ليرة على طاولة انتظارٍ قلِق مقابل أرجيلة (معسل)، وأن الحكمة هي ما تقرُّه الأغلبية، وأن الحماسة هي أن تقود مظاهرةً بدون أن تعرف سببها!.. وأن الرِّقَةَ هي أن تقول لزائريك: “أهلاً ومرحباً”، وأن التقوى أن تذهب إلى المسجد للصلاة فقط، ولتفعلْ ما شئت بلحمِ أخيكْ فكلُّهُ مبرَّر، وأنّ…… وأنّ…. وأنْ… عرفتُ ذلك كلِّه، وضحكت. هذا هو ملخّصُ نظرتي للكونِ والوجوِد، وهي نظرةٌ يسهُلُ فَهمُها فليس لها إلا مبدأٌ واحدٌ، وحتى هذا المبدأُ الواحد فأنا لا أنطلق منه، لأنني لو فعلت فسوف أندم، وإذا لم أفعل فسوف أندم أيضاً.
أجْمَعَ الفلاسفةُ على أن الحياةَ مسرحيةٌ لا تنتهي، وقد اخترتُ فيها دورَ المهرّجِ لأن ذلك ينسجمُ مع تكويني الجسديِّ والنفسيّ، وحَدَثَ أن اندلعتِ النيرانُ في طرفِ المسرح فأسرعتُ إلى الناسِ محذِّراً فظنّوا أنها دعابةٌ وصفّقوا لي!.. فأعدتُ التحذيرَ لكنهم ضحكوا حتى استلقوا على ظهورِهم، وهكذا بدأَ العالمُ ينحدرُ إلى نهايتهِ الكارثيةِ وسطَ تصفيقٍ عام من جميعِ المفكّرين والبسطاِء على حد سواء..!.
ها أنا أمضي وأدَعُ الآخرين يشْكُون من هذا العصر، عصرِ الشرورِ والآثام، مدّعينَ الحُلمَ بتغييره، أفكارُ الناس فيه رقيقةٌ وهشَّةٌ كالنسيجِ الهشّ، والناسُ أنفسهم يُرثى لهم؛ أفكارهُم أبسطُ كثيراً من أن تكونَ شريرةً أو آثمة..!. لم يكن لي إلا صديقٌ واحدٌ فحسب هو “الصدى”.. واخترتُه صديقاً لأني أحبّ أن أعيشَ آلامي لوحدي وهو لا يسلبُني إياها.. ولم يكن لي إلا شخصٌ واحدٌ أُودِعُهُ سرِّي هو “الصمت”.. ولِمَ كان الصمت مستودع سري؟!.. لأنه يصمت!..
لن يستطيع أحد أن يهجسَ بما كان يدورُ في داخلي، هكذا كانت حياتي سوءَ تفاهمٍ مستمرٍ.. إنكم لا تعرفونَ عني ألا أقلّ القليلِ حتى عندما أشكو من سوءِ فهمِكم لي.. وعندما كنت أبدو غامضاً.. لم أكن غامضاً بالنسبة للآخرين فحسب، بل بالنسبة إلى نفسي أيضاً. إذن!!.. ما الذي أصلحُ له؟.. لا أصلحُ لشيء؛ أو أنا أصلحُ لكلِّ شيء، تلك الموهبة النادرة، لم يقدّرها عالمُكم هذا..!
لسوء الحظ ربما؛ ولدتُ في مجتمعٍ، كثيرٌ من الناس فيه يصِلُونَ إلى نتائجِ حياتهم مثلَ أطفالِ المدارسِ بأن يَخدعوا مدرِّسَهم وينقلوا الجوابَ من الكتابِ بدلاً من أن يمرّوا به هم أنفسهم.. أشياءُ كثيرةٌ عرفتها وأشعرُ في هذه اللحظة أنْ لا معنى لمعرفتي بها، حيث يبدو لي أن روحاً شريرةً وَضعت فوق أنفي منظاراً، أحدُ عدسَتَيْه تكبِّر الأشياءَ على نحو مخيفٍ بحيث تأخرتْ معرفتي بأن للعالمِ أربعةَ قوائم مثل أيةِ دابة، ممكن أن نقتادَهُ ونسلِّمَهُ لمن نحب..! والأخرى تصغِّرُ الأشياءَ بالدَّرجةِ نفسها بحيثُ عرفتُ أخيراً أن هناكَ ما يسمى بشعراءِ التسعينات، والسبعينات… في زمن موت الشعر – على سبيل المثال – وأن هناك مارداً اسمهُ العولمة!.
إن الأفكارَ الثابتةَ هي أشبهُ ما تكونُ بتشنُّجاتِ عضلةِ القدم: أفضلُ علاجٍ لها أن تدوسَ عليها، هل يسمعُني الذين ما زالوا يؤمنونَ بفكرةِ الانضمامِ إلى حزبٍ أو تشكيلِ حزبٍ جديد؟.. كلما عظُمَ استلابُنا كلما استفحلتْ شهواتُنا وأوهامُنا؛ وبعد طولِ مراس، تبيّن لي أن ثمةَ علاقةً بين الشقاءِ وجنونِ العظمة، فالذي ضاعَ منه شيءٌ يبقى له أملُ المجد، أو أملُ الإثارةٍ الأدبية كملاذٍ أخير، يرضى بالتّخلي عن كلِّ شيء إلا عن اسمه.
إنَّ أحداً لن يستطيع بعد غيابي أن يجدَ بين أوراقي تفسيراً واحداً لما كان يملأ حياتي كلّها، لن يجدً الكلمات التي تفسِّرُ له كل ذلك.. وليس هناك متسع لكي أكتب عنه في أول الكلام ها هنا.
