من وعد بلفور إلى الهيمنة الشاملة قراءة في تطور العلاقة بين المشروع الصهيوني والسياسة الغربية
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
سنعتبر أن مسألة “سيطرة” المشروع الصهيوني على السياسة الغربية وخاصة الأمريكية، هي مجرد فرضية مثيرة للجدل.. وسنناقشها ونقدم المعلومات المتوفرة لدينا في المصادر والمراجع المعتبرة حول تطور العلاقة التاريخية بين الحركة الصهيونية والإدارات السياسية الغربية، مع تركيز خاص على الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بشكل موضوعي دون تبنّي فرضية “المؤامرة” أو “السيطرة” المطلقة التي لا شك بوجودها في عالم دولي يتقوم بالمصالح.
لا شك بأن العلاقة بين المشروع الصهيوني والغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، هي واحدة من أكثر العلاقات الدولية إثارة للجدل في القرن العشرين. فما بدأ كمبادرة استعمارية فرنسية في سبعينيات القرن التاسع عشر، تحول إلى مشروع سياسي كبير منظم مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل/سويسرا عام 1897م، ليصبح بعد ذلك أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل سياسات الشرق الأوسط، وتغيير جغرافيته الطبيعية والجغرافية.. ويقدم البروفيسور “لورانس ديفيدسون” من جامعة “وست تشيستر” قراءة معمقة لهذه العلاقة، حيث يشيرُ إلى أنّ النفوذ الصهيوني في واشنطن لم يولد مع قيام إسرائيل، بل يمكن تتبع جذوره إلى عشرينيات القرن الماضي (القرن العشرين)، وتحديداً في عام 1922م عندما أصدر الكونغرس الأمريكي قراراً يدعم وعد بلفور القاضي بإنشاء دولة صهيوني في فلسطين المحتلة.
– طبعاً يختلف المشروع الصهيوني عن غيره من المشاريع القومية في كونه أشبه بهيئة أو حكومة حصلت على دولة جاهزة، كما يصفه أحد المحللين.. فمنذ مؤتمر بازل، كان لدى الصهاينة هيئة تنفيذية (اللجنة الصهيونية) وبرلمان (المؤتمر الصهيوني)، بل وكانوا يجمعون ضرائب (“الشيكل”)، ولكن دون أن يكون لهم مواطنون أو أرض جغرافية يعيشون عليها. هذا الوضع الفريد فرض عليهم حقيقة دبلوماسية قاسية في سعيهم لتحقيق الحلم الصهيوني، الأمر الذي تطلّب راعياً دولياً من كبار اللاعبين العالميين والودوليين في ذلك الوقت.
في البداية، توّدد “تيودور هرتزل” (مؤسس الصهيونية السياسية) متقرّباً إلى السلطان العثماني (عبد الحميد الثاني) وحليفه الألماني القيصر “فيلهلم الثاني”، حيث أن الدولة العثمانية كانت هي القوة الحاكمة الفعلية على فلسطين، لذا كان التفاوض معها أولوية قصوى بالنسبة لهرتزل الذي انطلق في مساعيه ومحاولاته منذ العام 1896م، إلا أن تلك المساعي والمحاولات (وفيها مغريات ووعود ومساعدات) مع السلطان باءت جميعها بالفشل ولم يتحقق أي شيء إطلاقاً رغم ما كانت تعانيه يومها السلطنة من ديون وأزمات كبيرة.. فقد رفض السلطان بشكل قاطع فكرة التنازل عن فلسطين مقدماً عرضاً مقابلاً يسمح لليهود بالاستقرار (كمواطنين في الدولة) في أي بقعة أو مكان آخر من الإمبراطورية العثمانية (مثل الأناضول أو سوريا أو بلاد الرافدين)، ولكن هرتزل أصرّ على فلسطين فقط، مما أدى إلى فشل المفاوضات..
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914م، تحولت البوصلة الصهيونية نحو بريطانيا، التي كانت تخطط لبسط نفوذها على فلسطين. وقد أثمرت جهود حاييم وايزمان (العالم الكيميائي) الذي قدم خدمات لبريطانيا خلال الحرب، عن إصدار وعد بلفور الشهير في تشرين الثاني من العام 1917م جرى فيه التعبير العميق عن دعم الحكومة البريطانية “لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، ليمثّل هذا الوعد المشؤوم أول اعتراف دولي كبير بالمشروع الصهيوني في غايته وغرضه المتمثل بدولة خاصة باليهود. وكان الهدف البريطاني، كما يشير العديد من المؤرخين، استراتيجياً بحتاً، يتعلق بتأمين المصالح الإمبريالية لبريطانيا في المنطقة، أكثر من كونه دعماً عاطفياً خالصاً للفكرة الصهيونية. يعني الموضوع فيه شيء من تبادل أدوار وظائف ومصالح..
– مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى، انتقل مركز ثقل الدبلوماسية الصهيونية من لندن إلى واشنطن. هنا يظهر ويبرز أمامنا طبيعة الاختلاف الجوهري بين الرؤية والمقاربة الأوروبية ونظيرتها الأمريكية. ففي بريطانيا، كانت القرارات تتخذ من قبل نخبة سياسية محدودة، بينما في أمريكا، كان على الصهاينة التعامل مع نظام سياسي له بنيته الخاصة، وفيه الكثير من التعقيد، مع الاعتماد على الضغط الشعبي واللوبيات.
ويصف المؤرخ فادي إسبر في دراسته حول “إسرائيل والغرب: من الحماية إلى الهيمنة” كيف استغل الصهاينة التحول في المزاج الشعبي الأمريكي بعد المحرقة (الهولوكوست)، وكيف نجحوا في تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية معقدة إلى قضية داخلية في الانتخابات الأمريكية. وكان الرئيس “هاري ترومان” نقطة التحول الحاسمة. فقبله، كان الرؤساء الأمريكيون، مثل “فرانكلين روزفلت”، يحافظون على رؤية متوازنة تأخذ في الاعتبار مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية مع العرب والبريطانيين.
أما “ترومان”، فقد كان أول رئيس يتبنى الموقف الكونغرسي الذي يعتبر فلسطين قضية سياسية داخلية. وقد دفعته اعتبارات انتخابية بحتة، حيث كان قلقاً على أصوات اليهود في ولايات رئيسية مثل نيويورك وكاليفورنيا وفلوريدا. وبتعبيره الشهير لوزرائه: “أنا آسف أيها السادة، ولكن علي أن أجيب (وأستجيب) لمئات الآلاف ممن ينتظرون نجاح الصهيونية. ليس لدي مئات الآلاف من العرب بين ناخبيّ”.
تمكن مستشاراه “كلارك كليفورد” و”ديفيد نايلز”، من عزل الرئيس عن وجهات نظر وزارة الخارجية التي كانت تحذر من أن دعم إقامة دولة يهودية سيثير غضب العالم العربي، ويعرض مصالح النفط الأمريكية للخطر الكبير. لكن وصل الأمر إلى حد تهميش وزير الخارجية “جورج مارشال” الذي هدد بالاستقالة عندما تجاهل الرئيس تحذيراته. وفي 29 نوفمبر 1947، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار التقسيم رقم 181، وبعد إعلان قيام إسرائيل في 14 مايو 1948، كان ترومان أول زعيم في العالم يعترف بالدولة الجديدة.
– ومع بدء وصول المشروع الصهيوني لغايته، تطورت لديه آليات النفوذ والضغط، ولم يقتصر نشاط قادته على الضغط الرئاسي المباشر، بل امتد ليشمل العمل على هيكلة وبناء بنية تحتية سياسية منظمة تنظيماً قوياً. ويشير تحليل منشور في مجلة “فورين أفيرز” (Foreign Affairs) إلى أن الاستراتيجية الأمريكية للدعم بدأت بالظهور والتشكل في عام 1944 على يد الحاخام “أبا هيلل سيلفر”، الذي قاد المجلس الصهيوني الطارئ ووضع سياسة السعي للحصول على دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً.
وبعد قيام إسرائيل، تطورت هذه الأجهزة لتصبح أداة ضغط (لوبي) منظمة. ففي عام 1954 تأسس “مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى” ليكون مختصاً فقط بممارسة الضغط على البيت الأبيض لاستثماره واستغلاله، وفي عام 1963 تأسست “لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية” (AIPAC) للضغط على الكونغرس. ومع مرور الوقت، نمت قوة الآيباك بشكل كبير لتصبح واحدة من أكثر جماعات الضغط فعالية في واشنطن.. وقد لخص البروفيسور “ديفيدسون” طبيعة هذا النفوذ عندما أكد على أن السياسة الأمريكية تقوم على “مركزية جماعات الضغط”، حيث تستطيع مجموعات المصالح المالية والمنظمة جيداً تشكيل السياسة الخارجية لتعكسَ مصالحها الضيقة بدلاً من المصلحة الوطنية المجردة. وقد نجحت هذه الآليات في تحويل العلاقة الخاصة إلى واقع مؤسسي، حيث تلقت إسرائيل أكثر من 121 مليار دولار كمساعدات أمريكية بين عامي 1948 و2014، أي أكثر من أي دولة أخرى في العالم.
– وقد شهدت العلاقة بين الصهيونية العالمية والراعي الأمريكي تطوراً آخر منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين.. فصعود حزب الليكود اليميني بزعامة “مناحيم بيغين” في إسرائيل عام 1977م، خلق تقارباً أيديولوجياً مع الحزب الجمهوري الأمريكي، خاصة في ظل قيادة الرئيس الأسبق الجمهوري “رونالد ريغان”. في المقابل، كان حزب العمل الإسرائيلي الأقرب أيديولوجياً للديمقراطيين. هذا التحول تعمق بشكل كبير بعد أحداث 11 أيلول 2001م، حيث انضم اليمين المسيحي الإنجيلي بقوة إلى صفوف المؤيدين لإسرائيل. فأسس “جون هاغي”، أحد أبرز قادة الإنجيليين، منظمة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” (CUFI) التي تضم اليوم ملايين الأعضاء. بالنسبة لهؤلاء، لم يعد الدافع قائماً على اعتبارات جيوسياسية فقط، بل على أسس دينية وأيديولوجية تقدم دعماً غير مشروط للحكومة الإسرائيلية وسياساتها.
ومع قدوم “بنيامين نتنياهو” إلى الحكم في الدولة العبرية، أصبح هذا التحالف الحزبي أكثر وضوحاً وعمقاً. فقد عين نتنياهو “رون ديرمر”، المستشار الجمهوري السابق الذي ساعد في صياغة “عقد مع أمريكا” للحزب الجمهوري عام 1994م، سفيراً لإسرائيل في واشنطن. وقد بلغت ذروة هذا التحول الحزبي في عام 2015، عندما دعا رئيس مجلس النواب الجمهوري “جون بينر”، رئيس الوزراء نتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس، بدون استشارة البيت الأبيض الذي كان يرأسه الديمقراطي باراك أوباما، في تحدٍ واضح للتقاليد الدبلوماسية الراسخة.
ولاحقاً تعمق التحالف مع قدوم ترامب (ولاية ثانية) مرة أخرى للحكم عام 2025م، بحيث بدا تحالفاً عضوياً، أي تحوّل إلى شراكة سياسية وشخصية عميقة (مع تعيين ترامب لصهره زوج ابنته اليهودي كوشنر)، تجاوزت التحالفات التقليدية بين القادة، لتصل إلى مستوى من التكامل والاعتماد المتبادل.
ويمكن القول إن هذه العلاقة تقوم على معادلة واضحة: نتنياهو يقدم الشرعية والدعم السياسي الداخلي لترامب، بينما يقدم ترامب لنتنياهو إنجازات سياسية وأمنية كبرى كان الأخير يسعى لتحقيقها لعقود خصوصاً في ظل إيمانه الديني بالعقيدة التلمودية التي حال ويحاول تنفيذها بكل الوسائل الدموية في إثارة الصراعات وشن الحروب.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حصل نتنياهو على مكاسب هائلة، كان أبرزها الهجوم العدواني الواسع على الجمهورية الإسلامية الإيرانية المستمر منذ 28 شباط فبراير 2026م.. وهو عدوان أمريكي – إسرائيلي مشترك، يأتي في ظل تحالف وثيق بين الطرفين، ويمثل ذروة مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود من الحصار والعقوبات الاقتصادية والاغتيالات والهجوم العسكري في العام الماضي 2025م. ولا يقتصر هذا العدوان على كونه رد فعل عاجل إزاء الملف النووي الإيراني، بل هو استكمال لنهج وتحالف أميركي صهيوني طويل الأمد يهدف إلى تغيير الأنظمة التي تخرج عن دائرة الهيمنة الأمريكية، وهو النهج المتبع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويتجاوز هذا التحالف الإطار الرسمي إلى العلاقة الشخصية اليومية. فنتنياهو وترامب يتحدثان “كل يوم تقريباً”، ويتبادلان الأفكار والنصائح ويتخذان القرارات معاً. وصف نتنياهو هذه العلاقة بأنها “تحالف لم يُسبق له مثيل” مع صديقه الشخصي العظيم، الرئيس ترامب. هذا التقارب دفع ترامب للتدخل حتى في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، مطالباً بمنح نتنياهو عفواً عن تهم الفساد التي يواجهها.
باختصار، يُعد هذا التحالف “عضويّاً” كما قلنا، لأنه يقوم على مصالح شخصية وسياسية متبادلة، لكنه في الوقت نفسه غير متوازن، حيث أصبح نتنياهو الطرف الأكثر احتياجاً، مما يضعه في موقف صعب عندما تتعارض رغبات ترامب مع المصالح الإسرائيلية التقليدية أو مع رغبات حلفائه في اليمين المتطرف.. وهذا ما بدأ يظهر في أمريكا التي تتعالى فيها اليوم أصوات النخب ومراكز التفكير وقادة الحزب الديمقراطي وغيرهم، رافضةً لما يقوم به ترامب من تهديد كبير لمصالح أمريكا نتيجة خضوعه الكامل لسياسات بنيامين نتنياهو..
أخيراً يمكن القول بأن النفوذ الصهيوني في الغرب لم يكن نتاج مؤامرة سرية فقط، بل كان أيضاً نتاجاً لعوامل تاريخية وسياسية معقدة. حيث نجحت الحركة الصهيونية – من خلال قراءة ذكية للسياق الدولي – في ربط مصير مشروعها بمصالح القوى العظمى، أي أن تصبح هي حاجة للغرب السياسي والاقتصادي والعسكري. فمع بريطانيا، قدمت نفسها كأداة لتعزيز المصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط. ومع أمريكا، نجحت في تحويل القضية إلى ورقة ضغط سياسي داخلي، مع الاستفادة من الشعور بالذنب الغربي بعد المحرقة.
ومع ذلك، يبقى من المهم الإشارة إلى أن هذه العلاقة ليست خطية أو أحادية الاتجاه. فهناك دائماً قوى معارضة داخل المنظومة الغربية نفسها، من وزارة الخارجية الأمريكية في الأربعينيات، إلى ظهور تيارات معارضة يهودية مثل منظمة “جي ستريت” (J Street) التي تسعى لتقديم بديل لسياسات الآيباك. كما أن المؤرخ “جيفري هيرف” يشير إلى أن دعم الاتحاد السوفيتي لإسرائيل في لحظة تأسيسها عام 1948م، فاق الدعم الأمريكي من حيث الحماسة والاستمرارية، مما يكشف عن تعقيد المشهد الدولي الذي لا يمكن اختزاله في ثنائية بسيطة.
إن العلاقة الغربية مع المشروع الصهيوني تتحدد من خلال تفاعل معقد بين المصالح الجيوسياسية، وفعالية آليات الضغط، والتحولات الأيديولوجية، والاعتبارات الداخلية، في معادلة لا تزال تتطور وتتشكل حتى يومنا هذا، والخطر الأكبر أننا في منطقتنا هذه، ما زلنا ندفع الأثمان الباهظة الناجمة عن تلك العلاقة المصلحية النفعية. مع قناعتي بأن خسائر وتكاليف رفضها ومواجهتها أقل بكثير من فواتير وخسائر الارتهان لها والخضوع لمتطلباتها وأجنداتها..!!.
