التهديد الحوثي لإسرائيل وأرض الصومال.. الخصائص والتوصيات السياسية
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
تطوّر التهديد الحوثي ليصبح تحدياً متعدد الأبعاد، له تداعيات مباشرة على إسرائيل وأهمية متزايدة بالنسبة لأرض الصومال. وعلى الرغم من أن الحوثيين يفتقرون إلى القدرة على هزيمة إسرائيل عسكرياً، فإنهم أظهروا قدرة على توسيع النطاق الجغرافي للصراع، وتعطيل طرق التجارة البحرية الحيوية في البحر الأحمر، والعمل كأداة مركزية في الاستراتيجية الإقليمية لإيران.
وفي الوقت ذاته، يتزايد الضغط على شبكة الوكلاء التابعة لإيران، ما قد يجعل جهات مثل الحوثيين أكثر مركزية، وفي الوقت نفسه أكثر صعوبة في التنبؤ بسلوكها. في هذا السياق، تعكس العلاقة الناشئة بين إسرائيل وأرض الصومال تحولات جيوسياسية أوسع تربط بين الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وبينما توفر هذه العلاقة فرصاً استراتيجية، خاصة في مجالات الأمن البحري والتموضع الإقليمي، فإنها تنطوي أيضاً على مخاطر كبيرة، بما في ذلك التصعيد، وأعمال الرد، وردود الفعل الدبلوماسية المضادة.
التعامل مع هذه التحديات يتطلب استراتيجية متوازنة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، مع تجنّب خطوات بعيدة المدى قد تزعزع الاستقرار. ولمواجهة هذا التحدي المشترك، تعاون معهد دراسات الأمن القومي (INSS) مع معهد ISIR للأبحاث في أرض الصومال لإعداد تحليل مشترك للتهديد الحوثي على إسرائيل وأرض الصومال. ويختتم هذا التحليل بتوصيات سياسية حول كيفية استجابة الطرفين لهذا التهديد المشترك.
تُطرح مسألة الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وأرض الصومال في وقت تشهد فيه الجغرافيا السياسية الإقليمية – سواء في القرن الأفريقي أو في الشرق الأوسط – إعادة تشكيل. ورغم أن إسرائيل وأرض الصومال تعملان في سياقات وتوازنات قوى مختلفة، فقد وجدت كلتاهما مصالح قابلة للتقاطع: تسعى أرض الصومال منذ ثلاثة عقود للحصول على اعتراف دولي باستقلالها، وتستفيد في ذلك من موقعها الجغرافي. أما إسرائيل، فتركّز على حماية مصالحها في مجال الأمن القومي في الشرق الأوسط، وتستخدم “ورقة الاعتراف” كأداة نفوذ. وبسبب القلق المشترك من الاضطرابات التي يسببها الحوثيون في البحر الأحمر منذ عام 2023، تحظى أرض الصومال باهتمام دولي متزايد، إذ تُعتبر شريكاً محتملاً في أي جهد لتعزيز الأمن في البحر الأحمر.
يشكّل الحوثيون اليوم تحدياً متعدد الأبعاد، يشمل عناصر عسكرية واقتصادية وجيوسياسية. بالنسبة لإسرائيل، لا تكمن أهميتهم في قدرتهم على هزيمتها عسكرياً، بل في قدرتهم على توسيع النطاق الجغرافي للصراع، وتعطيل التجارة البحرية، والعمل كرافعة مركزية في الاستراتيجية الإقليمية لإيران. في الوقت نفسه، تشير الديناميكيات الإقليمية المتطورة إلى أن اعتماد إيران على حرب الوكلاء يواجه ضغوطاً متزايدة، ما قد يعزز من مركزية أطراف مثل الحوثيين، لكنه قد يجعلهم أيضاً أكثر صعوبة في التنبؤ. أما بالنسبة لأرض الصومال، فإن حركة الحوثيين تمثل خطراً متعدد الأبعاد، يشمل احتمال التعرض لهجمات مباشرة كإجراء انتقامي، وتعقيدات في الملاحة التجارية قد تؤثر على تكاليف المعيشة، والتورط الاستراتيجي في صراعات إقليمية، والتشابك في منافسات جيوسياسية معقدة.
تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديد البحري
لقد تحسّنت القدرات العسكرية للحوثيين بشكل ملحوظ بفضل الدعم المستمر من إيران وحزب الله، والذي يشمل نقل التكنولوجيا، والتدريب، وتزويدهم بالأسلحة. وتشمل ترسانتهم صواريخ باليستية بعيدة المدى، وصواريخ كروز، وطائرات مسيّرة متطورة، وقدرات على تنفيذ هجمات بحرية. وقد ألغت هذه القدرات فعلياً المسافة الاستراتيجية بين اليمن وإسرائيل. ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعترض العديد من التهديدات، فإنها لا تستطيع توفير حماية كاملة. حتى الإصابات المحدودة، أو الحاجة الدائمة للبقاء في حالة تأهب دفاعي، تفرض أثماناً نفسية وعملياتية واقتصادية.
إلى جانب الهجمات المباشرة، أظهر الحوثيون قدرتهم على استخدام تعطيل المجال البحري كسلاح بحد ذاته. فهجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب تفرض تكاليف غير مباشرة لكنها كبيرة على إسرائيل وعلى الاقتصاد العالمي، مما يحوّل التحدي إلى قضية استراتيجية أوسع تتعلق بحرية الملاحة والاستقرار الإقليمي.
توسّع مسارات التهديد: التهديدات البرية وشبكات الفاعلين
إلى جانب تهديد الصواريخ والبحر، يشير الحوثيون إلى طموحات لتوسيع نطاق عملياتهم. إذ إن علاقاتهم مع الميليشيات الشيعية في العراق تثير احتمال التنسيق متعدد الجبهات، بما في ذلك تهديدات برية محتملة عبر سوريا أو الأردن. وفي الوقت ذاته، تشير تقارير عن تفاعلهم مع جهات غير دولية مثل حركة الشباب وفروع تنظيم داعش إلى تشكّل شبكات عابرة للمناطق لزعزعة الاستقرار. ورغم أن التنسيق العملياتي لا يزال محدوداً في هذه المرحلة، فإن المصالح المشتركة في إضعاف هياكل الدول وتعطيل السيطرة على المجال البحري تزيد من المخاطر الاستراتيجية على المدى الطويل.
البُعد الأفريقي: أرض الصومال بين الفرصة والمخاطر
لم يعد التهديد الحوثي مقتصراً على الشرق الأوسط؛ بل بات يمتد بشكل متزايد إلى القرن الأفريقي، وخصوصاً إلى أرض الصومال التي حظيت باهتمام متزايد كشريك محتمل في تأمين طرق الملاحة في البحر الأحمر. بالنسبة لإسرائيل، تمثل أرض الصومال موطئ قدم استراتيجي محتمل قرب ممرات بحرية حيوية وبالقرب من اليمن. أما بالنسبة لأرض الصومال، فإن العلاقة مع إسرائيل تتيح فرصاً في مجالات التكنولوجيا والزراعة والتقدم الدبلوماسي، خصوصاً في سعيها لنيل اعتراف دولي. ومع ذلك، فإن هذا التقارب يحمل في طياته مخاطر كبيرة؛ إذ إن الاصطفاف مع إسرائيل ضد الحوثيين قد يعرّض أرض الصومال لعمليات انتقامية مباشرة، ويثير ردود فعل إقليمية معاكسة، ويضر باستراتيجيتها للحصول على الاعتراف الدولي. كما أن قدراتها الدفاعية المحدودة تزيد من حدة هذه المخاطر.
اعتبارات استراتيجية في العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال
تعكس العلاقة الناشئة بين إسرائيل وأرض الصومال تحولات جيوسياسية واسعة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويجعل الموقع الجغرافي لأرض الصومال، وخاصة حول ميناء بربرة، منها نقطة جذب استراتيجية. لكن تأطير العلاقة بشكل أساسي في إطار عسكري يحمل خطر زعزعة الاستقرار. بالنسبة لأرض الصومال، فإن الموازنة الدقيقة ضرورية: تحقيق أقصى استفادة من المكاسب الاقتصادية والتكنولوجية مع تقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية وردود الفعل الإقليمية.
نهج سياسي متكامل
نظراً للطبيعة متعددة الأبعاد للتهديد الحوثي، ينبغي أن تتجاوز سبل التعامل معه الحلول العسكرية الضيقة، وأن تعتمد إطاراً استراتيجياً أوسع:
• تعزيز الأمن البحري: على إسرائيل وأرض الصومال تعميق التعاون مع شركاء دوليين وإقليميين لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر. إن وجوداً بحرياً مستمراً وبنية دفاعية بحرية منسقة يُعدّان ضروريين لمواجهة الاضطرابات التي يسببها الحوثيون.
• توسيع الجهود الاستخباراتية وعمليات التعطيل: يمكن أن يسهم تعزيز التعاون الاستخباراتي، مع التركيز على خطوط الإمداد وشبكات التهريب، في إبطاء التعاظم العسكري للحوثيين وتقليص نطاق عملياتهم.
• اعتماد منظور متعدد الساحات: يجب دمج التحدي الحوثي ضمن إطار استراتيجي أوسع يشمل الشرق الأوسط وأفريقيا، بما في ذلك متابعة احتمالات التوسع إلى العراق وسوريا وشمال أفريقيا، وكذلك التأثير المتزايد للحوثيين على طول الممرات البحرية.
• بناء تحالفات إقليمية: على إسرائيل إعطاء أولوية لبناء تحالفات مرنة مع شركاء من الشرق الأوسط وأفريقيا على حد سواء. مثل هذا التعاون يمكن أن يخفف الأعباء العملياتية ويعزز الصمود الإقليمي في مواجهة الجهات غير الحكومية.
• معايرة الانخراط مع أرض الصومال: بالنسبة لإسرائيل وأرض الصومال، ينبغي أن يتركز التعاون في مجالات منخفضة المخاطر وعالية الفائدة، مثل التجارة والزراعة والتكنولوجيا. ومع ذلك، من الضروري تجنب إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال، لأن خطوة كهذه من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد وردود فعل إقليمية معاكسة. بدلاً من ذلك، يمكن لبناء الثقة التدريجي والانخراط الاقتصادي أن يوفرا قيمة استراتيجية دون إثارة ردود فعل مزعزعة للاستقرار.
• منع الاستقطاب الإقليمي: ينبغي على أرض الصومال تجنب الاصطفاف الحصري إلى جانب طرف معين، إذ قد يؤدي ذلك إلى عزلة دبلوماسية. إن الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الخليج وتركيا وسائر الفاعلين الإقليميين أمر أساسي للحفاظ على مرونتها الاستراتيجية.
الخلاصة
يمثل الحوثيون نوعاً جديداً من التهديد: جهة بعيدة جغرافياً لكنها قادرة على ممارسة ضغط استراتيجي كبير من خلال قدرات عسكرية، وتعطيل المجال البحري، وشبكة من التحالفات. ومع تآكل استراتيجية الردع الإيرانية القائمة على الوكلاء، يُتوقع أن تلعب جهات مثل الحوثيين دوراً أكثر مركزية وأقل قابلية للتنبؤ. بالنسبة لإسرائيل، يكمن التحدي في إدارة صراع متعدد الجبهات آخذ في التوسع. أما بالنسبة لأرض الصومال، فيكمن التحدي في إيجاد التوازن بين الفرص والمخاطر. وفي الحالتين، ستعتمد فرص النجاح على معايرة دقيقة للتحالفات، وتنسيق متعدد الأبعاد، وضبط النفس الاستراتيجي على المدى الطويل.
معهد أبحاث الأمن القومي – داني سيترينوفيتش
