معاداة السامية ومعاداة الصهيونية في الولايات المتحدة على خلفية الحرب على إيران
كيف يتعامل اليهود الأمريكيون مع تصاعد معاداة السامية في ظل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وماذا ينبغي لإسرائيل أن تفعل حيال ذلك؟
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
أدت موجة من الهجمات العنيفة والخوف من عواقب الحرب على إيران إلى زيادة الاهتمام بقضية معاداة السامية في الولايات المتحدة. وتوثق نتائج بحثية جديدة نطاق المشكلة وعمق القلق بين اليهود الأمريكيين، مما أثار نقاشاً حاداً داخل المجتمع اليهودي حول أفضل السبل للرد. ولهذا الجدل تداعيات مهمة على السياسة الإسرائيلية.
وقد برزت ثلاثة مناهج رئيسية في النقاش: استراتيجية “الحقوق المدنية”، التي تركز على الدفاع القانوني والمناصرة؛ ومنهج يؤكد على ضرورة مواجهة معاداة الصهيونية، التي تُعد وسيلة حديثة للعداء ضد اليهود؛ واستراتيجية تعطي الأولوية للاستثمار في التعليم اليهودي وتجديد المجتمع. هذا يندرج ضمن مناهج تكميلية، وقد لعبت إسرائيل دوراً هاماً في صياغتها. ينبغي على إسرائيل تبني استراتيجية وطنية لمكافحة معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، وتعزيز الدبلوماسية العامة، وتوسيع الشراكات التعليمية مع مجتمعات الشتات، ودعم المبادرات الرامية إلى إحياء وتعزيز الهوية اليهودية والصهيونية
في منتصف آذار، قاد مواطن أمريكي من أصل لبناني شاحنة محملة بالمتفجرات إلى بهو كنيس يهودي في ضواحي ديترويت، بينما كان أطفال الروضة يمارسون نشاطاً في الفصول الدراسية المجاورة. تم إجلاء الأطفال عبر النوافذ، وقُتل المهاجم في تبادل لإطلاق النار مع حارس أمن الكنيس. نشر مكتب التحقيقات الفيدرالي لاحقاً نتائج التحقيق، والتي خلصت إلى أن المهاجم تصرف بتحريض من حزب الله، وسعى إلى قتل أكبر عدد ممكن من اليهود
جاء الهجوم قرب ديترويت في أعقاب سلسلة من الأحداث التي أدت إلى حالة تأهب قصوى بين يهود الشتات. في الأشهر الأخيرة، أُضرمت النيران في سيارات إسعاف في لندن، وأُطلقت أعيرة نارية على معابد يهودية في تورنتو، وقُتل 15 شخصاً خلال احتفال بعيد الأنوار (حانوكا) في أستراليا. أما في الولايات المتحدة، فسيبقى العام الماضي محفوراً في الذاكرة بسبب إلقاء زجاجة مولوتوف على مسيرة تضامن مع الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس في بولدر، كولورادو؛ ومقتل دبلوماسيين إسرائيليين اثنين في المتحف اليهودي في واشنطن العاصمة؛ وإحراق منزل حاكم ولاية بنسلفانيا اليهودي. وخلال العام، انتشرت الخطابات المعادية للسامية وشخصياتها على نطاق واسع في وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة، وانتُخب عمدة لمدينة نيويورك معروف بمواقفه المعادية للصهيونية
وقد أضافت الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران بُعداً جديداً لمخاوف يهود الشتات. فرغم أن هذه الحملة المشتركة تُمثل ذروة التعاون الاستراتيجي بين البلدين، إلا أنها لا تحظى بشعبية لدى عامة الشعب الأمريكي، الذين يخشون تكرار الحروب الدموية والمكلفة والمطولة في العراق وأفغانستان. علاوة على ذلك، يخشى اليهود الأمريكيون من تحميل إسرائيل وأنصارها اليهود في الولايات المتحدة مسؤولية الحرب نفسها، بما في ذلك التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة. في الواقع، أصبح اتهام إسرائيل بجر الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران عنصراً أساسياً في الخطاب السياسي الأمريكي حول الحرب. وقد حظي هذا الادعاء بتأييد رسمي ظاهري في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جيه. دي. فانس (التي تراجع عنها لاحقاً)، وروّج له مسؤولون آخرون في الإدارة، بمن فيهم جوزيف كينت، المدير السابق لمركز مكافحة الإرهاب، الذي استقال احتجاجاً على الحرب ضد إيران.
ويبدو أن الخوف من تحميل إسرائيل واليهود الأمريكيين مسؤولية الحرب يؤثر أيضاً على مواقف اليهود الأمريكيين أنفسهم. ففي استطلاع رأي أجراه معهد الناخبين اليهود، أعرب 55٪ من الناخبين اليهود عن معارضتهم للحرب، وقال 54٪ إن الحرب ستثير “مخاوف بشأن دور إسرائيل واليهود الأمريكيين في التحالف في السياسة الخارجية الأمريكية”. مع ذلك، وكما هو الحال مع عامة الشعب الأمريكي، ينقسم الرأي العام اليهودي بشأن الحرب على أسس حزبية: ففي الاستطلاع نفسه، أعرب 74٪ من الديمقراطيين اليهود عن معارضتهم للحرب، بينما أيدها 83٪ من الجمهوريين اليهود
أدلة جديدة على معاداة السامية
أصدرت اللجنة اليهودية الأمريكية اي جي سي وهي منظمة يهودية رائدة، مؤخراً نتائج استطلاعها السنوي حول معاداة السامية في الولايات المتحدة، والذي استند إلى عينتين كبيرتين: إحداهما من البالغين اليهود، والأخرى من عامة الشعب الأمريكي. ووفقاً لأهم النتائج:
* وصف 93٪ من اليهود و70٪ من الأمريكيين معاداة السامية بأنها مشكلة خطيرة إلى حد ما أو خطيرة جداً
* وقال 86٪ من اليهود و63٪ من الأمريكيين إن معاداة السامية قد ازدادت في الولايات المتحدة منذ هجوم حماس في 7 ت1 2023
* وأفاد 71٪ من اليهود بتعرضهم لمحتوى معادٍ للسامية على الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2025. أما بين عامة الشعب الأمريكي، فقال 45٪ إنهم شاهدوا أو سمعوا شخصياً عن حوادث معادية للسامية، لا سيما في المحتوى الإلكتروني (وهذه النسبة مهمة لأن عدد الأمريكيين الذين يستهلكون الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي يفوق عدد من يستهلكونها عبر التلفزيون أو وسائل الإعلام المطبوعة بحلول عام 2025)
ومن بين عامة الشعب الأمريكي، قال 45٪ إنهم شاهدوا أو سمعوا شخصياً عن حوادث معادية للسامية، تناولت الدراسة الاستقصائية التي أُجريت على الجالية اليهودية التجارب الشخصية أيضاً:
أفاد 31٪ منهم بتعرضهم لمعاداة السامية مرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي، وتحديداً التعليقات المعادية للسامية، سواءً وجهاً لوجه أو عبر الإنترنت. وقد غيّر أكثر من نصفهم (55٪) سلوكهم بسبب مخاوفهم من معاداة السامية. وانعكس هذا التغيير في تجنب أماكن معينة أو ارتداء رموز يهودية مميزة، وهي نسبة أعلى بكثير من نتائج استطلاعات الرأي السابقة للجنة اليهودية الأمريكية (للمقارنة، أفادت اللجنة في عام 2022 أن 38٪ من اليهود قد غيّروا سلوكهم). وأخيراً، فكّر 17٪ من اليهود في مغادرة الولايات المتحدة بسبب معاداة السامية، بزيادة عن 13٪ في استطلاع عام 2024
إلى جانب هذا القلق الواسع، كشفت الدراسة الاستقصائية التي أُجريت على عامة الشعب الأمريكي عن جهل كبير بمصطلح “معاداة السامية”: إذ أفاد ما يقرب من ثلث المشاركين بأنهم لم يسمعوا بهذا المصطلح من قبل (10٪) أو أنهم لا يعرفون معناه (20٪). علاوة على ذلك، امتنع 74٪ ممن أبلغوا عن تعرضهم لمعاداة السامية عن الرد أو الإبلاغ عنها
استراتيجيات متنافسة لمكافحة معاداة السامية
ساهم نشر تقرير اللجنة اليهودية الأمريكية في تشكيل نقاش داخلي داخل المجتمع اليهودي الأمريكي حول أفضل السبل للتعامل مع معاداة السامية. وفي نقاشات دارت في الصحافة اليهودية، وعلى المدونات الصوتية الشهيرة، وبين منظمات المجتمع، برزت ثلاثة مناهج متميزة:
1- استراتيجية الحقوق المدنية: تعتمد منظمات عريقة وكبيرة، مثل رابطة مكافحة التشهير واللجنة اليهودية الأمريكية على مجموعة من الاستراتيجيات التي بُنيت على مدى عقود. وتعمل هذه المنظمات وفق أربعة محاور رئيسية: التوعية العامة (بما في ذلك تطوير المناهج الدراسية للمدارس والجامعات وحملات التوعية)؛ وتدريب القيادات (ورش عمل لمديري المدارس والشرطة والمسؤولين المنتخبين)؛ والمناصرة والتقاضي لمعاداة السامية، وسنّ تشريعات لتعزيز الحماية القانونية وجمع البيانات وإعداد التقارير
2- استراتيجية مكافحة “معاداة الصهيونية”: تعرض منهج الحقوق المدنية مؤخراً لانتقادات من نشطاء يحملون راية “الحركة المناهضة لمعاداة الصهيونية”. يُعرّف هذا النهج، الذي يقوده في الغالب أكاديميون ويتأثر بتجاربهم في الجامعات خلال عام 2024، معاداة الصهيونية بأنها تعبير فريد عن كراهية اليهود، ورسالته هي أن على المنظمات اليهودية تحويل تركيزها من مكافحة معاداة السامية التقليدية إلى مكافحة معاداة الصهيونية. ويسعى أنصار هذا النهج إلى تقديم معاداة الصهيونية كمنظور عالمي مستقل معادٍ لليهود، روج له الاتحاد السوفيتي أولاً، ثم تبناه اليسار العالمي لاحقاً في إطار حقوق الإنسان وحقوق الشعوب الأصلية. ويجادلون بأنه بينما كانت معاداة السامية أكبر تهديد في القرن العشرين، فإن معاداة الصهيونية هي التهديد الرئيسي اليوم. ويحذف أنصار هذا النهج الصلة، ويطلقون على الظاهرة اسم “معاداة الصهيونية” للتأكيد على تفردها كحركة منفصلة وليست مفهوماً سياسياً في الخطاب العام
3- استراتيجية التعليم اليهودي: يدعو نهج ثالث إلى تغيير في أولويات المجتمع، والابتعاد عن التركيز على معاداة السامية أو معاداة الصهيونية. يرى بريت ستيفنز، كاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز، أن ازدهار اليهود لا يعتمد فقط على الأمن المادي، بل يتحقق عندما تصبح اليهودية “المكون الأساسي للحياة، والمصدر الذي نستمد منه المعنى والغاية”. ويدعو ستيفنز إلى زيادة الاستثمار في المؤسسات القادرة على إنعاش الحياة اليهودية: المدارس، والمتاحف، والمراكز الثقافية، ودور النشر، والتعليم الحاخامي، واصفاً الكفاح التقليدي ضد معاداة السامية بأنه “جهد ضائع إلى حد كبير”
توصيات سياسية
بينما يُصوّر النقاش الدائر في المجتمع اليهودي هذه المقاربات على أنها متناقضة، إلا أن كلاً منها في الواقع يُعالج بُعداً هاماً من أبعاد المشكلة. وإلى جانب جهود المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، تضطلع دولة إسرائيل بدور محوري. وينبغي أن يتضمن رد إسرائيلي فعّال العناصر التالية:
* صياغة استراتيجية وطنية: ينبغي على إسرائيل صياغة ونشر استراتيجية وطنية لمكافحة معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، على غرار الدول الأخرى التي وقّعت على إعلان التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة. ينبغي لهذه الاستراتيجية أن تحدد الإجراءات التي لا يمكن اتخاذها إلا من قبل دولة ذات سيادة، وأن تدرس كيف تؤثر سياسات إسرائيل على تيارات معاداة السامية في أنحاء العالم
* الارتقاء بالدبلوماسية العامة: لقد تضررت صورة إسرائيل بشدة خلال سنوات الحرب منذ 7 ت1 2023. ويمكن للحملة المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران أن تشكل أساساً لسردية جديدة حول مساهمة إسرائيل في الأمن القومي الأمريكي والقيم المشتركة بين البلدين
* تعزيز الهوية والتعليم: ينبغي لإسرائيل أن تركز على ما يمكنها فعله بشكل فريد، ألا وهو تعزيز الهوية والتعليم اليهودي. وينبغي إيلاء الأولوية القصوى لإحياء البرامج التعليمية الإسرائيلية (مثل برنامجي تاغليت ومساع)، التي انخفض عدد المشاركين فيها بشكل ملحوظ خلال جائحة كوفيد-19 وسنوات الحرب
* التعاون التعليمي: ينبغي للمعلمين من إسرائيل والشتات صياغة مبادرات مشتركة تهدف إلى تدريس تاريخ معاداة السامية ومعاداة الصهيونية وتجلياتهما المعاصرة، وذلك لإنشاء قاعدة معرفية مشتركة تُمكّن من تعاون أفضل
* إحياء الفكرة الصهيونية: ينبغي لإسرائيل والشتات العمل على إعادة الصهيونية إلى صميم الخطاب كفكرة إيجابية وموحدة. إن “الصهيونية الجامعة”، التي تشمل الطيف السياسي بأكمله، قادرة على توحيد معظم الشعب اليهودي حول تأكيد حق تقرير المصير، مع رفض الأيديولوجية التي تسعى إلى تفكيك الدولة اليهودية.
معهد أبحاث الأمن القومي – تيد ساسون وفير دايان
