الحرب على إيران تزيد شرخ العلاقات عبر ضفتي الأطلسي.. صوت أوروبي أعلى في وجه واشنطن ومغامراتها العسكرية
بقلم ابتسام الشامي
رفعت الحرب العدوانية الأمريكية الاسرائيلية على إيران منسوب التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، ومع تهديد تداعيات الحرب اقتصادات الدول الأوروبية، فإن قادة الأخيرة يبدون مزيدا من اللوم والانتقاد لحرب لا قدرة على احتواء مفاعيلها ولا خطة خروج واضحة من وحولها.
أزمة ثقة تعمقها الحرب على إيران
في وقت تفشل فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية – بمرحلتيها العسكرية والضغوط الاقتصادية عبر الحصار – على الجمهورية الاسلامية الإيرانية في تحقيق أهدافها، فإنها تنجح فحسب في توسّع نطاق العزلة الأمريكية وتعميق أزمة الثقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين. وإذا كان من الصحيح القول إن الأزمة سبقت الحرب، ولم تكن بالتالي من نتائجها المباشرة، إلا أن تداعياتها الاقتصادية فاقمت التباينات الأمريكية الأوروبية التي تراكمت خلال السنوات الماضية، بفعل السياسيات الأمريكية المعتمدة اتجاه الحلفاء لاسيما في ولايتي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى والحالية. ففرض الأخير رسوماً جمركية على البضائع الواردة إلى بلاده من الحلفاء الأوروبيين، وتهديداته المتكررة لحلف الناتو، مضافًا إليها أطماعه في السيطرة على قناة بنما وجزيرة غرينلاند التابعة للتاج الدنماركي، و”رغبته” المعلنة في ضم كندا إلى بلاده طوعاً أو كرهاً، كلها عوامل ساهمت في وضع العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية على بساط البحث الأوروبي ضمن مسار استخلاص العبر وإعادة النظر في مدى ملائمة تلك العلاقات المصالح الاستراتيجية لدول القارة الأوروبية على المدى البعيد.
وعندما بدأت الحرب الأمريكية الاسرائيلية العدوانية ضد إيران، لم تجد الدول الأوروبية نفسها أنها في وضع يلزمها بأن تكون إلى جانب حليفتها الكبرى، بل إنها سارعت إلى النأي بنفسها، على قاعدة انها حرب غير مبررة بمقتضيات القانون الدولي، ولا تخدم سوى الأهداف الاسرائيلية. وعلى الرغم من أن واشنطن لم تشرك بروكسل في قرار مغامرتها العسكرية في إيران المنسق مع تل أبيب إلا أنها انتظرت مساندتها، ودعتها إلى مساعدتها في جهودها الحربية بما في ذلك تشكيل تحالف عسكري لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، من دون أن تلقى هذه الدعوة أي استجابة أو حماسة، وحتى عندما بدأت تداعيات الحرب تطرق بقوة أبواب الاقتصاد الأوروبي فإن عواصم القارة “العجوز” فضلت الاستمرار في سياسة النأي بالنفس، علماً أن ازياد ضغط الأزمة الاقتصادية راهنت عليه واشنطن كعامل مساعد لدفع الدول الأوروبية للانخراط في الحرب من بوابة مضيق هرمز، قبل أن يسقط هذا الرهان ويتعمق مأزق العلاقات الأمريكية الأوروبية تماماً كما يتعمق المأزق الأمريكي إزاء الصمود الإيراني.
انتقادات أوروبية
ومع دخول الحرب شهرها الثالث وسط تخبط أمريكي واضح بشأن مستقبلها بين حدّي العودة إلى العدوان العسكري المباشر مع ما يلازمه من خسائر بشرية واقتصادية، واستمرار الحصار من دون أن يستطيع تغيير القرار الإيراني وما يتركه ذلك من تداعيات على صورة الولايات المتحدة، فإن الدول الأوروبية تبدو أكثر جرأة في تحميل واشنطن مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع وما أنتجته من أزمة آخذة في الضغط على الاقتصاد العالمي، وهو ما تعبّر عنه المؤشرات المرتبطة بأزمة الطاقة وتفرعاتها في الصناعة وحركة التجارة والنقل.
في هذا السياق جاءت التصريحات اللافتة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي دعا إلى إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، نظرا لتأثيرها المباشر في الاقتصاد الألماني. وخلال حديثه إلى طلاب في مدينة مارسبرج، رأى ميرتس الذي تعد بلاده حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة أن الأخيرة لا تملك استراتيجية واضحة للخروج من حرب إيران، مشيراً إلى المشكلات الاقتصادية التي تسببت فيها الحرب، خصوصاً بسبب إغلاق مضيق هرمز.
وفي تقييمه لما انتجته الحرب على مستوى موازين القوى، اعتبر المستشار الألماني، أن القيادة الإيرانية تعمل الآن على “إذلال” الولايات المتحدة في الصراع الدائر، مضيفاً أن واشنطن “تبدو وكأنها تفتقر إلى استراتيجية واضحة، وتساءل عن نوع الخروج الذي قد تسعى إليه الولايات المتحدة”، وأضاف “من الواضح أن الإيرانيين أقوى مما كان متوقعاً ومن الواضح أيضاً أن الأمريكيين لا يملكون استراتيجية مقنعة حقاً في المفاوضات”. وتابع إن “المشكلة في هذا النوع من الصراعات دائماً، أنه لا يكفي أن تدخلها فحسب، بل عليك أن تخرج منها أيضاً. وقد شهدنا ذلك بشكل مؤلم للغاية في أفغانستان، على مدى 20 عاماً. كما شهدنا ذلك في العراق، وفي الوقت الراهن، لا أرى أي خيار استراتيجي للخروج سيختاره الأمريكيون، خصوصاً وأن الإيرانيين يتفاوضون بمهارة شديدة، أو يتجنبون التفاوض بمهارة شديدة”.
تصريحات المستشار الألماني أغضبت الرئيس الأمريكي الذي سارع إلى الرد عليه بهجوم حاد عبر منصته الرقمية “تروث سوشيال”، مشككاً في قدرات الأخير على فهم تعقيدات الملف النووي الإيراني. وكتب قاصداً ميرتس “هو لا يعرف عما يتحدث. لو كان لدى إيران سلاح نووي، لكان العالم كلّه محتجزاً كرهينة. أنا أفعل شيئاً مع إيران الآن، كان يجب على دول أخرى، أو رؤساء آخرين، أن يفعلوه منذ زمن بعيد. لا عجب أن ألمانيا تسير بشكل سيئ جداً، اقتصادياً وغير ذلك”.
وبمعزل عن الحسابات الداخلية للمستشار الألماني ربطاً بتداعيات تفاقم الأزمة الاقتصادية على وضعه السياسي أمام منافسيه، كما هي الحال بالنسبة للقوى السياسية الحاكمة في مختلف الدول الأوروبية، فإن ما قاله يعبر عن اتجاه داخل القارة الأوروبية تكمن جذوره في إعادة تقييم العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يمكن تلمسه في تصريحات السفير البريطاني في واشنطن كريستيان تيرنر، التي نشرتها صحيفة “فاينانشال تايمز”. ووفقاً للصحيفة البريطانية، فإن تيرنر عبر في نقاشات غير معدة للنشر، عن قناعته بأن الولايات المتحدة تولي أهمية استثنائية لعلاقتها مع إسرائيل فحسب، وتعتبرها الشراكة الوحيدة التي تستحق وصف “العلاقة الخاصة”. واعتبر السفير أن هذا الواقع يفرض على بريطانيا وبقية دول أوروبا السعي إلى بناء استراتيجيات أمنية مستقلّة، بعيدا عن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية.
خاتمة
ربما من المبكر التنبؤ بمستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية، لكن الأكيد أن الحرب على إيران وما سبقها، تترك ندوباً داكنة في أفقها من الصعب تجاوزها، مضافاً إلى ذلك أن التجربة الإيرانية في الاستقلال وما يرتبط به من قرارات سيادية في الدفاع ومواجهة التحديات بعزم معتمد على قدرة ذاتية الصنع، ستشكل نموذجاً لكل دولة تبحث عن الاستقلال الحقيقي بعيداً عن التبعية لقيود الحلفاء والتحالفات.
