إقليميات

تآكل الترسانة الأمريكية… هل بدأت واشنطن تفقد قدرة الحرب الطويلة؟

بقلم د. محمد الايوبي

في التجربة الأخيرة، تكشف تقارير مراكز بحثية متخصصة في واشنطن، أن الجيش الأمريكي استهلك خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً ما يقارب نصف مخزون منظوماته الدفاعية الهجومية والدفاعية، بما في ذلك صواريخ باتريوت وTHAAD ونسب كبيرة من الذخائر الدقيقة. الأرقام هنا ليست فقط مؤشرات تقنية، بل تعكس إيقاع حرب استنزاف لا يشبه الحروب التقليدية التي صُممت المؤسسة العسكرية الأمريكية لخوضها.

استنزاف سريع يفوق قدرة إعادة الترميم

ما يثير القلق داخل دوائر القرار العسكري الأمريكي ليس فقط حجم الاستهلاك، بل سرعة هذا الاستهلاك مقارنة بزمن إعادة الإنتاج. فبعض التقديرات تشير إلى أن إعادة بناء المخزون إلى مستوياته السابقة قد يتطلب ما بين سنة وأربع سنوات، وهي مدة طويلة جداً في حسابات المواجهة الدولية المتسارعة.

هذه الفجوة الزمنية بين الاستهلاك والإنتاج تعني ببساطة أن الولايات المتحدة تدخل أي صراع محتمل وهي تحمل مخزوناً غير مكتمل، ما يضعف قدرتها على خوض حرب طويلة الأمد أو متعددة الجبهات. وفي عالم يتجه نحو التعدد القطبي والتوترات الإقليمية المتزامنة، تصبح هذه الثغرة أكثر خطورة مما تبدو عليه في الحسابات التقنية.

منطق المجمع الصناعي العسكري: بين الربح والجاهزية

لا يمكن فهم هذا التآكل في الجاهزية دون العودة إلى البنية الاقتصادية–السياسية التي تحكم صناعة السلاح في الولايات المتحدة. فالمجمع الصناعي العسكري لم يعد مجرد أداة لتلبية احتياجات الجيش، بل أصبح نظاماً اقتصادياً قائماً بذاته، يربط بين الشركات الكبرى ودوائر القرار السياسي في الكونغرس والبنتاغون.

في هذا النظام، لا تُصنع القرارات وفق معيار الحاجة العسكرية فقط، بل وفق توازنات اقتصادية وانتخابية معقدة. الشركات تبحث عن عقود طويلة الأمد ذات هامش ربح مرتفع، والكونغرس يضمن الوظائف في دوائره الانتخابية، بينما تتحول الجاهزية العسكرية إلى متغير ثانوي في معادلة أكبر.

هذا التشابك البنيوي أنتج ثقافة تسليح تفضل المشاريع العملاقة والمعقدة مثل المقاتلات متعددة المهام، على حساب الذخائر البسيطة والقابلة للاستهلاك السريع، رغم أن الأخيرة هي ما يحسم الحروب فعلياً على الأرض.

برنامج 35F-: نموذج التكلفة المتضخمة

تُعد مقاتلة 35F- المثال الأوضح على هذا الخلل البنيوي. فالمشروع الذي بدأ بوصفه برنامجاً لتوحيد عدة طرازات قتالية، تحول تدريجياً إلى مشروع مالي– صناعي ضخم تجاوزت كلفته التقديرية تريليوني دولار على مدى دورة حياته.

المشكلة لا تكمن فقط في التكلفة، بل في التأخير المستمر في التسليم، والانخفاض المتكرر في الجاهزية التشغيلية، وصولاً إلى تسليم بعض النسخ دون تجهيزات أساسية مثل الرادارات المتطورة في بعض الإصدارات الحديثة. هذا يعني أن جزءاً من الأسطول الجديد لا يدخل الخدمة القتالية الفعلية، بل يُستخدم للتدريب أو ينتظر التحديث.

إنها مفارقة لافتة: طائرات تُعد من الأكثر تطوراً في العالم، لكنها في بعض مراحلها الإنتاجية غير صالحة فعلياً للقتال.

أزمة الرادارات وتأخير الجاهزية القتالية

أحد أبرز مظاهر هذه الأزمة يتمثل في تأخر إنتاج أنظمة الرادار المتقدمة الخاصة بالطائرة. فهذه الأنظمة ليست مجرد إضافات تقنية، بل عنصر أساسي في قدرة الطائرة على الرصد والتتبع والاستهداف.

ومع تعثر الإنتاج، يتم تسليم بعض الطائرات ببدائل مؤقتة أو حتى بكتل توازن غير قتالية، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول جدوى إدخال هذه الطائرات إلى الخدمة في المدى القريب. وبهذا تتحول منظومة يفترض أنها ركيزة التفوق الجوي الأمريكي إلى عبء لوجستي وتقني في الوقت ذاته.

من حرب فيتنام إلى الحروب غير المتناظرة

تجربة فيتنام شكلت نقطة تحول في التفكير العسكري الأمريكي، حيث أظهرت لأول مرة أن التفوق التكنولوجي الهائل لا يضمن النصر. فالقوة النارية الأمريكية، رغم ضخامتها، لم تستطع حسم حرب يخوضها خصم يعتمد على الاستنزاف والصبر والتكيف.

هذا الدرس تكرر لاحقاً في العراق وأفغانستان وحالياً في إيران، حيث واجه الجيش الأمريكي صعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بتدمير الخصم، بل بقدرته على الاستمرار رغم التدمير.

هذا التحول في طبيعة الحرب جعل مسألة الذخيرة والاستهلاك أكثر حساسية، لأن الصراع لم يعد لحظة قصيرة من الحسم، بل سلسلة طويلة من الاستنزاف.

حرب الاستنزاف الجديدة ومحدودية المخزون

في الحروب الحديثة، خصوصاً ذات الطابع الإقليمي أو غير النظامي، تتعرض الولايات المتحدة لنمط جديد من الاستنزاف: استخدام مكثف للذخائر الدقيقة والصواريخ بعيدة المدى خلال فترات قصيرة نسبياً.

هذا النمط يضغط على المخزون الاستراتيجي، ويكشف محدودية القدرة الصناعية على التعويض السريع. وهنا تظهر فجوة خطيرة بين تصور الحرب في التخطيط العسكري التقليدي، وبين واقع الحرب الفعلية التي تتطلب إمدادات مستمرة وسريعة.

البعد السياسي: قرار الحرب خارج التوازن المؤسسي

إلى جانب البعد الصناعي، هناك بُعد سياسي لا يقل أهمية. فقرارات التدخل العسكري لم تعد دائماً خاضعة لتوازنات مؤسسية صارمة، بل أحياناً تتأثر باعتبارات سياسية داخلية أو حسابات ردع سريعة.

هذا الانفصال النسبي بين القرار السياسي والجاهزية اللوجستية يخلق حالة من عدم التناسق، حيث تُطلق العمليات العسكرية دون حساب دقيق لكلفة الاستنزاف على المدى المتوسط والطويل.

إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية من الداخل

أحد أخطر التحولات التي يشير إليها بعض المراقبين يتمثل في إعادة تشكيل الثقافة داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فبدلاً من أن تكون الجدارة المهنية هي معيار التقدم، تتداخل اعتبارات سياسية وأيديولوجية في تشكيل القيادات.

هذا التحول، إن تعمق، لا يؤثر فقط على الأداء العملياتي، بل على جودة التقدير الاستراتيجي ذاته، لأن المؤسسة التي تفقد استقلاليتها المهنية تفقد قدرتها على تقديم تقييمات غير منحازة للقرار السياسي.

معضلة الجبهات المتعددة

في بيئة دولية تتسم بتعدد بؤر التوتر، من آسيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، تواجه الولايات المتحدة معضلة توزيع الموارد. فكل جبهة تستنزف جزءاً من المخزون، ما يجعل القدرة على القتال في أكثر من مسرح عمليات في آن واحد أكثر صعوبة.

تتعمق معضلة الجبهات المتعددة حين تتحول من مسألة تخطيط عسكري إلى اختبار مباشر لقدرة النظام السياسي–الصناعي الأمريكي على إدارة التوازن بين الالتزامات والموارد. فالمشكلة ليست في تعدد مسارح العمليات بحد ذاته، بل في أن كل مسرح منها لم يعد منفصلاً عن الآخر، بل بات يستنزف من المخزون ذاته، ويستند إلى قاعدة إنتاج واحدة تعاني أصلاً من بطء في التعويض.

في هذا السياق، لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع الحروب بوصفها عمليات محدودة زمنياً يمكن احتواؤها، بل بوصفها حلقات متصلة من الاستنزاف الاستراتيجي. فكل تصعيد في منطقة ما ينعكس مباشرة على الجاهزية في منطقة أخرى، سواء عبر سحب منظومات دفاع جوي، أو تقليص مخزونات الصواريخ، أو إعادة توزيع القدرات البحرية والجوية. وهنا تتكشف هشاشة النموذج الذي يفترض القدرة على إدارة “تفوق عالمي دائم” دون كلفة تراكمية على البنية الداخلية للقوة.

الأخطر في هذه المعادلة أن القرار السياسي غالباً ما يتحرك بسرعة تفوق قدرة النظام اللوجستي على الاستجابة. فالتعهدات الدفاعية للحلفاء، أو الردود على الأزمات المفاجئة، تُبنى على منطق سياسي–رمزي، بينما تُدار الجاهزية العسكرية بمنطق صناعي بطيء وثقيل. هذا التباين بين سرعة القرار وبطء الإنتاج يخلق فجوة زمنية تتحول في لحظات التوتر إلى نقطة ضعف بنيوية، لا يمكن سدّها بمجرد زيادة التمويل أو رفع وتيرة الإنفاق.

ثلاثة مستويات لأزمة واحدة: لحظة إيران كنموذج كاشف

لا تبدو الاختلالات التي تعاني منها المنظومة العسكرية الأمريكية منفصلة أو متجاورة بالصدفة، بل هي في جوهرها تعبيرات مختلفة لأزمة واحدة عميقة: تآكل القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج حاسمة في حروب طويلة أو معقدة؛ فثقافة الشراء التي ترفع منطق الربح على حساب الجاهزية، وفشل استيعاب دروس الحروب غير المتناظرة، وإعادة تشكيل البنية القيادية داخل الجيش وفق اعتبارات غير مهنية، كلها تتقاطع عند نقطة واحدة: إخضاع الفاعلية العسكرية لمنطق خارجها، اقتصادي وسياسي وأيديولوجي في آن واحد.

وتتجلى هذه البنية المركبة بوضوح في المواجهة مع إيران، التي تحولت إلى نموذج اختبار مباشر لهذا الخلل. فقرار التصعيد لم يُبنَ على تقدير استخباري متماسك بقدر ما جاء في سياق سياسي ضاغط، بينما نُفذت العمليات بوسائل عسكرية متقدمة لكنها محدودة الاستدامة، ما كشف سريعاً عن هشاشة القدرة على تعويض الاستهلاك. وفي المقابل، جرى تقديم النتائج في الخطاب السياسي بوصفها “نجاحاً حاسماً”، رغم أن الوقائع الميدانية أشارت إلى إعادة تموضع إيراني أسرع من قدرة واشنطن على تثبيت نتائجها.

هنا تحديداً تتكشف المفارقة: نظام يملك تفوقاً تقنياً هائلاً، لكنه يفتقد القدرة على تحويل هذا التفوق إلى مسار استراتيجي طويل النفس. فكل موجة تصعيد مع إيران تعيد طرح السؤال ذاته: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في خوض حروب محدودة زمنياً بموارد تتآكل بسرعة، وبتوازن داخلي بين الصناعة والسياسة لا يخضع بالضرورة لمنطق الميدان؟. وقد لفت دوايت آيزنهاور قبل عقود إلى هذا المسار حين حذّر من تمدد “المجمع الصناعي العسكري” بوصفه بنية تتغذى على نفسها وتعيد إنتاج أولوياتها بعيداً عن المصلحة الاستراتيجية للدولة. لم يكن تحذيره استشرافاً لانهيار، بل توصيفاً لنظام يميل بطبيعته إلى الانحراف التدريجي عن غاياته الأصلية كلما ازداد حجمه وتعقيده.

وفي ضوء تجربة إيران، يمكن قراءة هذا التحذير كإطار تفسيري مباشر: فالتراجع لا يظهر في شكل هزيمة تقليدية، بل في شكل استنزاف متكرر، حيث تتراجع القدرة على الحسم السريع، وتتصاعد كلفة كل مواجهة، بينما تتآكل في الخلفية القدرة على الحفاظ على توازن عالمي متعدد الالتزامات.

ويختصر ديك داوديل هذه اللحظة بمعادلة بسيطة لكنها كثيفة الدلالة: حين تتراجع اليقظة المؤسسية وتتفوق ضغوط المصالح المتشابكة، يصبح الاستنزاف نتيجة طبيعية لا استثناءً عابراً، وتتحول القوة ذاتها إلى عبء إداري واستراتيجي في آن واحد.

في النهاية؛ فإن ما تكشفه هذه المعطيات ليس تراجعاً في القوة العسكرية الأمريكية بالمعنى التقليدي، بل تآكلاً في عمقها المستدام. فالقوة لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق أو تطور التكنولوجيا، بل بقدرة النظام على الاستمرار في الحرب دون انهيار لوجستي أو صناعي.

وعندما تصبح إعادة التسلح أبطأ من الاستهلاك، وتصبح المشاريع الكبرى أكثر جاذبية من الذخائر الأساسية، فإن السؤال يتحول من: كيف تخوض واشنطن الحرب؟ إلى: إلى متى تستطيع أن تخوضها أصلاً؟.

في هذا السياق، تبدو الأزمة الحالية أقل شبهاً بخلل ظرفي، وأكثر قرباً من تحول بنيوي طويل الأمد في طبيعة القوة الأمريكية نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *