إقليميات

إحباط مخطط بريطاني سعودي.. جواسيس في قبضة الأمن اليمني

بقلم نوال النونو

وتظهر الاعترافات للجواسيس الأربعة مدى الإنجاز الأمني الذي تحقق، وقدرته في إحباط مخططات كانت ستكون كارثية على اليمن، واختراقاً كبيراً في جسد المؤسسة العسكرية، وكانت ستعيق كذلك عمليات اليمن المساندة لغزة منذ عام 2023م.

وتعددت طرق استقطاب الجواسيس، ومدى ارتباطهم بجهازي المخابرات البريطانية والسعودية؛ فبحسب الاعترافات فإن التنسيق الاستخباراتي بين الرياض ولندن وثيق جداً ضد اليمن، فهناك غرفة مشتركة بالرياض لهذا الغرض، والهدف منها معرفة القدرات العسكرية اليمنية، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن قيادات أنصار الله، وأماكن سكنهم، ومقرات عملهم، بغية استهدافهم في الوقت المناسب.

ويتضح أن الجواسيس هم من خريجي الجامعات، ومن العاملين في السلك العسكري اليمني قديماً، وقد تم إغراؤهم بالمال، وتم زرعهم في صفوف أنصار الله للتعرف عن كثب على أنشطتهم وأعمالهم، ورفع تقارير شاملة للمخابرات البريطانية والسعودية.

فعلى سبيل المثال؛ كان الجاسوس فاروق علي راجح (53 عاماً)، يعمل ضابطاً في القوات المسلحة اليمنية برتبة مقدم قبل انخراطه في العمل الاستخباراتي لصالح العدو، وقد تم استدراجه في صنعاء مقابل مبلغ مالي 140 ألف ريال يمني أي ما يعادل 300 دولار، وقد بدأ مع زملائه الخونة العمل تحت غطاء النشاط التوعوي والاجتماعي، وذلك من خلال حضور مجالس الشخصيات الاجتماعية واللقاءات الاجتماعية والأعراس والمنتديات.

وتوزعت مهام الفريق من خلال تقديم معلومات شبه يومية حول التحركات العسكرية ونشاط مطار صنعاء الدولي والطيران من وصول ومغادرة، وقد سافر الجاسوس فاروق للسعودية والتقى بضابط المخابرات “أبو خالد” الذي سلّمه حقيبة تحتوي على سبعة هواتف كانت مجهزة ببرنامج تواصل مخفٍ، وتم تدريبه على طريقة تشغيله باستخدام رمز خاص، وقد عاد إلى صنعاء، وبدأ العمل بهذه التقنية.

رصد القوات البحرية والصواريخ الباليستية

ويسرد الجاسوس عبد الرحمن عادل محسن – وهو أخطر عناصر الخلية – كيف عمل تحت قيادة ضابط في المخابرات البريطانية يُدعى (ديفيد)، وآخر في المخابرات السعودية يُدعى (فهد)، مشيراً في اعترافاته التي بثها الإعلام الأمني اليمني إلى أن من أبرز المهام التي كُلّف بها رفع معلومات ودراسات وتحليلات وإحداثيات شاملة، إضافة إلى مهام متعددة شملت جمع معلومات عن البحرية اليمنية، والقوة الصاروخية، وورش التصنيع، وأنواع الصواريخ، والتطورات العسكرية، إضافة إلى معلومات عن قيادات أنصار الله، وأسمائهم، ومواقعهم، وكل ما يمكن الحصول عليه من معلومات.

وفي سياق أخطر، كشف الجاسوس عن مخطط كان يُعد له طارق عفاش (قيادي يمني تابع للإمارات) في محافظة إب، يتضمن تفجير جسر سمارة بشكل كامل (هذا الجسر يربط محافظة إب بمحافظتي ذمار وتعز، وإذا تم نسفه عُزلت إب عن المحافظتين).

أما الجاسوس الثالث فهو علي مثنى ناصر، وقد تم تكليفه بمتابعة رصد تحركات وزير الدفاع اللواء محمد ناصر العاطفي وهيئة الاستخبارات العسكرية، وجمع معلومات استخباراتية شملت تزويدهم بمعلومات دقيقة عن دائرة الاستخبارات العسكرية، ومقراتها، وطبيعة أعمالها، وكذلك رصد التحركات والاجتماعات من خلال مراقبة تحركات القادة العسكريين، وتحديد مواعيد وأماكن اجتماعاتهم، ومن يحضرها، وما يدور في الاجتماع، وما هي المواضيع التي يتم مناقشتها، وزمن الاجتماع، ومن يرأس تلك الاجتماعات.

أما الجاسوس الرابع فهو عماد شايع، عميل للمخابرات السعودية، حيث أوكلت إليه مهمة رفع التقارير عن الأماكن، وعن حكومة صنعاء (الصف الأول أو الصف الثاني)، فيما يتعلق بمقراتهم أو اجتماعاتهم، أو لقاءاتهم أو تحركاتهم، وما ينتج عن هذه الاجتماعات من تعميمات أو تعليمات تخص القيادة المجتمعة، وأيضاً المقرات والأماكن بأكبر قدر ممكن من المعلومات التي يمكن الحصول عليها، ومن ضمن المهام التي كان يقوم بها استقطاب الأشخاص الموثوق بهم وأصحاب القدرة والكفاءة على العمل بشكل مخفي وباحترافية وقدرة عالية، وكانت الأولوية للمعلومات أكثر من الإحداثيات، ولكن ما توفر من الإحداثيات كان مطلوباً للرفع به.

يقظة أمنية ووعي مجتمعي

وتعمل السعودية كرأس حربة في التجسس على اليمن، وتتبعها أمريكا وبريطانيا، فهي تمتلك خبرة استخباراتية واسعة داخل اليمن، كما أن عدوان السعودية على اليمن منذ أكثر من عقد جعلها مصدراً أساسياً لجمع المعلومات الاستخباراتية عن التحركات اليمنية المناوئة لأمريكا والكيان الصهيوني، كما أن المملكة تحتضن الآلاف من اليمنيين المرتزقة الذين سخرتهم كجنود لقتال أنصار الله خلال السنوات الماضية.

وعلى الرغم من المساعي العدائية المتكررة لتجنيد الخونة والعملاء بهدف جمع المعلومات، غير أن تلك العناصر الجاسوسية سرعان ما تنكشف؛ نظراً لليقظة الأمنية والوعي المجتمعي لدى الشعب اليمني.

وتتجاوز هذه الاعترافات كونها مجرد “سقوط خلية تجسس”؛ لتكشف عن ملامح الحرب الاستخباراتية الحديثة التي تُشن ضد اليمن، بتكامل الأدوار السعودية البريطانية الأمريكية، والتي تظهر كجبهة موحدة لاستهداف القدرة السيادية لليمن. كما أن استقطاب جواسيس بمبالغ مالية زهيدة يكشف عن استراتيجية “الإسقاط الرخيص” واستغلال الظروف المعيشية، لكنه في المقابل يبرز الفشل الاستراتيجي لهذه الأجهزة؛ إذ لم تستطع بناء شبكة حماية لهؤلاء الجواسيس أمام “الاختراق العكسي” الذي حققه الأمن اليمني.

ويعد إفشال هذا المخطط بمثابة تأمين مباشر لخطوط الملاحة التي يسيطر عليها اليمن في باب المندب، وحماية للمكتسبات التي حققتها القوات البحرية والقوة الصاروخية، ودليلاً على عجز القوى الكبرى كأمريكا وبريطانيا والسعودية عن معرفة أماكن وجود هذه المنشآت وتخزينها، وأن الطريق الوحيد أمامها هو الاختراق عبر الجواسيس والعملاء اليمنيين.

وتثبت هذه العملية أن المعركة في اليمن تتجاوز المدافع والصواريخ، فهي صراع عقول وإرادات، ونجاح الأمن اليمني في تفكيك هذه الخلايا المعقدة تقنياً وبشرياً يبعث برسالة واضحة على أهمية التفاف الشعب اليمني خلف قيادته وأجهزته الأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *