جبهة تحرير أزواد تفجر الصراع العسكري في مالي
بقلم توفيق المديني
شهدت جمهورية مالي الواقعة في قلب منطقة الساحل – الصحراوي الغنية بالموارد الطبيعية، والتي غالباً ما تُتَهم بالميوعة من قبل جيرانها الجزائر وموريتانيا في الصراع ضد تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، فجر السبت25 نيسان/أبريل 2026 هجمات منسقة نفذتها “جبهة تحرير أزواد” الانفصالية المتحالفة مع جماعات إسلامية متشددة مسلحة، “تنظيم أنصار الإسلام” الموالي للقاعدة.
وأكَّدَ بيانٌ نشرته الجبهة أنَّ قواتها التي سيطرت منذ صباح السبت على مدينة كيدال، و “لا تزال تلاحق هناك جيوب مقاومة محدودة تتكون من الروس التابعين لفيلق أفريقيا وعدد من العسكريين الماليين المتحصنين داخل المعسكر السابق لبعثة الأمم المتحدة (مينوسما)”.
وفي هذا السياق، قالت وزارة الخارجية الروسية إن موسكو أعربت عن قلقها العميق إزاء الهجمات الإرهابية الأخيرة في مالي. وأضافت أن “الجانب الروسي يعرب عن قلقه العميق إزاء الأحداث الجارية. إن تصرفات الإرهابيين تشكل تهديداً مباشراً لاستقرار مالي، الصديقة لروسيا، ويمكن أن تؤدي إلى عواقب سلبية للغاية على المنطقة المحيطة بأكملها”.
وأكَّدَ قيادي بارز في جبهة تحرير أزواد، بعد الهجوم العسكري على شمال مالي، أنَّ “التطورات الأخيرة في مدن أزواد، شمالي مالي، كانت منتظرة، بعد فترة عانى فيها السكان من أعمال عنف وتشريد من قبل عناصر فاغنر سابقاً والفيلق الأفريقي حالياً، وكذا قوات للجيش المالي”. واستطرد قائلاً إن “جبهة تحرير الأزواد كانت تستعد لعملية التحرير منذ خروج قيادات الجبهة من مدينة كيدال، المعقل الرئيس للجبهة عام 2023 (..) لقد كان ذلك انسحاباً تكتيكياً في تلك الفترة.
ومنذ أغسطس/ آب 2023، تشهد مالي اشتباكات مستمرة بين الجيش والقوات الحكومية من جهة، وتنظيم أنصار الدين المتشدد في وسط البلاد من جهة أخرى، ومع الحركات الأزوادية التي تطالب بإدارة ذاتية لمناطق الشمال، بعد قرار السلطة الانتقالية في مالي إلغاء اتفاق الجزائر للسلام الموقع مع الحركات الأزوادية عام 2015، وهو ما خلق أوضاعاً متوترة، خاصة مع إطلاق الجيش المالي عملية، بالتعاون مع قوات فاغنر الروسية (الفيلق الأفريقي لاحقاً)، للسيطرة على مناطق الشمال القريبة من الحدود مع الجزائر، مثل غاو وكيدال وتمبكتو وغيرها.
وتزامن هجوم قوات جبهة تحرير أزواد في الشمال المالي مع هجوم آخر على العاصمة باماكو شنَّتْهُ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تشارك أيضاً في الدفاع عن السكان ضد النظام العسكري في باماكو، على الرغم من أن تنظيم أنصار الإسلام المسلح من الطوارق، أسَّسَهُ إياد آغ غالي أحد القادة السابقين لحركة التمرد الطوارق في التسعينيات ، في مارس/ آذار 2017 بتحالف أربع تنظيمات مسلحة هي: كتيبة “المرابطون” و”أنصار الدين” و”كتائب ماسينا”، التي تمثل السكان الفلان، وكتيبة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، حيث يطالب هذا التنظيم المرتبط عضوياً بالقاعدة، بفرضِ الشريعةِ الإسلاميةِ في البلاد.
وتبنى تنظيم جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، السبت 25 أبريل 2026، الهجوم على العاصمة باماكو ومناطق كاتي وسيفاري، ونشر موقع “الزلاقة” التابع للتنظيم بياناً يؤكد “المسؤولية عن كل من عملية استهداف مقر الرئيس المالي آسيمي غويتا، وعملية استهداف مقر وزير الدفاع المالي صاديو كامارا، واستهداف مطار موديبو كيتا الدولي في العاصمة المالية باماكو، واستهداف المواقع العسكرية في مدينة كاتي، والسيطرة الكاملة على مدينة موبتي، وعلى معظم معاقل الجيش في سيفاري وغاو؛ كما تمت السيطرة على مدينة كيدال” في شمال مالي. وكشف التنظيم أن هجومه على كيدال ومناطق الشمال تم بالتنسيق مع قوات جبهة أزواد.وقد أفادت وسائل إعلام فرنسية بمقتل وزير دفاع مالي، ساديو كامارا، ساديو كامارا، الذي كان جزءاً من موجة هجمات منسقة شنها مسلحون جهاديون وانفصاليون في جميع أنحاء البلاد.
الدولة المالية في مواجهة معضلة حركة انفصال الطوارق
تقع جمهورية مالي في غرب أفريقيا وليس لها سواحل على المحيط الأطلسي ولها حدود مع موريتانيا والجزائر والنيجر وبوركينا فاسو وساحل العاج وغينيا والسينغال واستقلت عام 1960 عن فرنسا، ونظام الحكم فيها جمهوري وعاصمتها باماكو. وتبلغ مساحة جمهورية مالي 1.240192 كم2 وعدد سكانها يقارب 15 مليون نسمة ومعظم سكانها من الأفارقة الأصليين الذين يعيشون في قرى ريفية صغيرة ويعملون بالزراعة من أجل الاكتفاء الذاتي وهناك قسم من السكان في المناطق الصحراوية يعتمدون على تربية الماشية.
وبالنسبة للسكان، هم من الأفارقة الأصليين ويكوّن الفولاني وأقاربهم التكرور أكبر مجموعة سكانية فيها. وينحدر أصل الفولاني من الأفارقة والبيض. أما المجموعة الثانية من حيث الحجم فهم الماندينجو. وينقسمون إلى ثلاث مجموعات ثانوية هي: البمبارا والمالنكيون والسوننكي. كذلك تضم المجموعات السكانية الكبرى الدوجُن والصنغي والفلتايك. وتشكل العناصر البيضاء 5% من مجموع السكان وهم من العرب والأوروبيين والفرنسيين، وخاصة المغاربة، الطوارق.
ويتحدث الفولاني والتكرور اللغة الفولانية بينما يتحدث بقية معظم السكان لغة البمبارا، بجانب لغات محلية أخرى. ويتحدث العرب اللغة العربية، ولكنَّ الطوارق يتحدثون لغة بربرية قديمة. أما اللغة الفرنسية فهي لغة التخاطب عند الأوروبيين وفي دواوين الدولة وفي المدارس.
ويشكل المسلمون نسبة 65٪ من سكان مالي تقريباً إلى جانب 5٪ من المسيحين و 30٪ يمارسون الديانات الأفريقية ويعيش نحو 73٪ من ســـكان مالـــي في الأريـــاف ونحو 27٪ في الـــمدن. أما الفرنسيون فهم من ســـلالة المستعمرين الأوائل ويتركزون في العاصمة والمدن الكبرى ويسكنون في منازل من الطراز الحديث.
دور النزاع بين الطوارق والدولة المالية (1990-2010)
الطوارق هم الأمازيغ، أو يلقبون بالبربر الرحل. وكان أول تمرد للطوارق انطلق في سنة 1962-1963، واستمر الصراع بين الحركات المتمردة والسلطة المركزية في باماكو فصولاً طيلة العقود الخمسة الماضية، إلى أنْ أعلن الطوارق عن تشكيل “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، في أواخر عام 2011، التي ضمت في صفوفها المتمردون الطوارق الذين حاربوا إلى جانب نظام العقيد الليبي معمر القذافي.
تُعَدُّ مسألةَ الطوارق موروثاً استعمارياً ملغماً يرجعُ تاريخه إلى استقلال كل من ليبيا 1951 – النيجر 1960 – مالي 1960، بوركينافاسو 1960 والجزائر 1962،عندما وجدتْ قبائل الطوارق المتمركزة في الصحراء الكبرى نفسها مُشَتَّتَةً بين هذه الدول ذات سيادةٍ، والتي اتفقتْ على احترام مبدأ “عدمِ المساسِ بالحدودِ الموروثةِ عن الاستعمارِ” المنصوصِ عليه في ميثاق منظمةِ الوحدة الإفريقية سنة 1996، ويعود تاريخ النزاع في شمالي مالي إلى بداية الاستقلال أين قاد الطوارق تمرداً ضد الحكومة المركزية الذي كان يرأسها آنذاك “موديبوكيتا” ، واستمر حتى سنة 1964 لينتهِي بفرضِ الجيشِ المالي قوته العسكرية بالشمال الأمر الذي أدَّى إلى نزوحِ الآلاف إلى الدولِ المجاورةِ، ولكنَّ الحلَّ العسكريَّ لم يحسمْ المشكل سياسياً بل أدَّى إلى تعميقه خاصة بسببِ الممارساتِ القمعية من طرف الجيش المالي لجماعة الطوارق والتي زاد من ضغطها تعرض مالي في سنوات 1972 إلى 1973 إلى موجة جفاف قاسية حملتهم إلى الهجرة القسرية لدول الجوار (ليبيا والجزائر) هرباً من الجوع والموت.
ومرَّةٌ أُخْرَى بسبب ضعف وعدم التزام الحكومة المركزية في تجسيد الاتفاقيات المتعاقبة، بدأ الفصل الثالث من الصراع في 23 ماي 2006 بعد أن أعلن كل من الزعيمين المتمردين إبراهيم آغ باهانغا والحسن فاغاغا الحرب من جديد ضد الحكومة المالية بعد فشل الوساطة غير معلنة التي قام بها أحد الزعماء الطوارق هو إياد آغ غالي، فشل فيها بإقناع الرئيس آنذاك آمادو توماني توري بالمطالب التي قدمها زعيما التمرد في لقاء جمع الاثنين في 22 ماي 2006 في قصر كولوبا الرئاسي.
لينتهي هذا الفصل بتوقيع اتفاقية للسلام في الجزائر في يوليو 2006 والتي أتمت رسمياً تمرد الطوارق ثم انتقل الطرفان لقبول وساطة ليبية أسفرت عن ما سمي بـ “بروتوكول تفاهم” وقعا عليه في 20 مارس 2008 بطرابلس ليبيا، الذي وضع حداً للأعمال العدائية التي سببها هجوم قام به المتمردون الطوارق على مركز عسكري للجيش المالي وقع على بعد 150 كلم شمال كيدال، كبرى مدن الشمال المالي، حيث اعتبر هذا التمرد خرقاً لاتفاقية الجزائر.
ويحكم مالي حالياً مجلس عسكري بقيادة الجنرال أسيمي غويتا، الذي استولى على السلطة لأول مرة في انقلاب عام 2020، ووعد باستعادة الأمن ودحر الجماعات المسلحة. وحظي المجلس العسكري بدعم شعبي عندما تولى السلطة، ووعد بالتعامل مع الأزمة الأمنية الطويلة الأمد التي أثارها تمرد الطوارق في الشمال، والذي اُختطف بعد ذلك من قبل المتشددين الإسلاميين.
انتشار الفساد والفقر
من المعضلات التي أسهمَتْ في تضخم أزمة الطوارق أو بقية المشكلات الأخرى ظواهر انتشار الفساد والفقر وسوء التنمية ،إضافة لوجود سلطة مركزية تتميز بالفساد الشديد وضعف الإدارة وعدم تلبية رغبات ومطالب المواطنين وتحديداً الطوارق الذين ينتشرون بين الجزائر، وبوركينا فاسو، وليبيا، والنيجر، ومالي، إِذْ يبلغُ عددهم حوالي مليون ونصف المليون نسمة، يطالبون باستقلال منطقة أزواد الصحراوية التي تمتد من غرب مالي إلى شمالها، وتمثل نحو 60% من مساحة جمهورية مالي، على اعتبار أنَّهم سكان البلاد الأصليون وأنَّ توحيد قبائل هذه المنطقة تحت الحكم الذاتي هو حقٌ أصيلٌ على الحكومة في مالي وعلى حكومات الدول المجاورة الاعتراف به.
ومع تجاهل الجنرال موسي تراوري الذي حكم البلاد بانقلاب عسكري منذ عام 1968 وحتى 1991 لمطالب الطوارق لأكثر من عشرين عاماً، عاد الطوارق الى التمرد من جديد في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي في عهد الرئيس أمادو توماني توري الذي استولى على السلطة بعد الإطاحة بالجنرال موسي تراوري في العام 1991، ومطلع هذا القرن دخلتْ أسبابٌ جديدةٌ على مشكلة الطوارق هي استغلال حقول اليورانيوم في النيجر وهو الأمر الذي أدى الى تدمير الأراضي التي يرعى فيها الطوارق هذا بالإضافة الى عدم استفادتهم كمجموعات محلية من ثروة اليورانيوم الضخمة.
كما أثَّرَتْ الأحداثُ في النيجر بصورةٍ مباشرةٍ على الطوارقِ في مالي، ففي عام 2007 شَكَّلَ الطوارقُ في النيجر “حركة العدالة النيجيرية” التي حملتْ السلاحَ، وأعلنتْ التمردَ على حكومة النيجر، وهاجمتْ بعضَ الجيش الحكومي والمنشآت في مالي. إلا أنَّ التحولَ المُهِّمَ جاء بعد أنْ شَكَّلَ الطوارق في مالي بالعام 2010 (الجبهة القومية لتحرير إقليم ازواد (التي أصبحتْ تطالبٌ بحقِّ تقريرِ المصيرِ والحصولِ على الاستقلالِ. وعلى إثْرِ ذلك قامتْ السلطاتُ الماليةُ باعتقالِ عددٍ من قادةِ الجبهةِ بعد اجتماعهم التأسيسي في (تمبكتوا) الأمر الذي دفع بالجبهة القومية لتحرير أزواد إلى تكثيفِ هجماتها على الجيشِ الحكومِيِّ في الشمالِ الذي كان يتفوقُ عليها بالعددِ والعتادِ.
سقوط نظام القذافي وتفجر أزمة الطوارق بعد 2011
لقد أثارتْ الإطاحة بنظام القذافي، مخاوف الجزائر وموريتانيا، ومالي، والنيجر، من جرَّاء عودة الطوارق المقاتلين في صفوف كتائب العقيد القذافي، والذين يقدر عددهم بنحو 800 مقاتلا إلى بلدانهم ، بعد أن جند ت القوات الليبية في عهد القذافي وبشكلٍ جماعيٍّ طوارق من مالي والنيجر من المتمدردين السابقين، واسْتَخْدَمَتْهُمْ كجنودٍ مرتزقةٍ لمقاتلة “الثوار الليبيين”. وشكلتْ عودة هؤلاء المقاتلين بأسلحتهم تهديداً لمنطقة الساحل الأفريقي واستقراها.
وهكذا شنَّ المتمردون الطوارق هجوماً مسلحاً ضد القوات المسلحة المالية في منطقة كيدال وميناكا، في 17 من كانون الثاني/يناير 2012 للمطالبة بحق تقرير مصير المنطقة الشمالية من مالي، المتاخمة لموريتانيا والجزائر والنيجر وبوركينا فاسو. وقد حقق الطوارق نجاحاً عسكريا لافتاً من خلال سيطرتهم على أكثر من 70% من شمال مالي، أي ما يعادل 850 ألف كلم مربع.
من الناحية التاريخية اقتصرت مطالب الطوارق على تحسين ظروف العيش وتشجيع التنمية في شمال البلاد مع فتح باب المشاركة والتمثيل السياسي في الإدارات الحكومية، وهذا مع أخذ بعين الاعتبار مطلب الهوية، غير أنَّه مع عودة المقاتلين الطوارق من ليبيا جعل سقف مطالبهم يرتفع عالياً لتطرح مسألة تقرير المصير والاستقلال علناً ولأول مرَّةٍ.
وتسعى جبهة تحرير أزواد الانفصالية في مالي بعد أنْ شنَّتْ من جديد الهجوم العسكري على شمال مالي، إلى إقامة دولة عرقية للطوارق منفصلة في الشمال، وتطالب بالخروج الآمن لقوات الفيلق الأفريقي التابع لروسيا، بوصفه جزءاً مما تم التوصل إليه في الوقت الحالي مع الجانب الروسي، وتعبر في الوقت عينه عن أملها في أن تمتنع كل من النيجر وبوركينا فاسو عن التدخل لمساعدة النظام المالي، وأن تكونا بعيدتين عن هذه الحرب وألا تتدخل قوات من الدولتين، وأن تتسم حكومتا البلدين بالحياد وتحترما طبيعة العلاقات الاجتماعية والنسيج الاجتماعي نفسه بين مجتمعاتنا المحلية، الأزواديين، حيث يريد الطوارق أن يكونوا شركاء في استتباب الأمن ومكافحة الارهاب في الصحراء، ودول الجوار مثل الجزائر وموريتانيا تدرك ذلك.
