إقليميات

تَفَكُّك توازنات الطَّاقة وبداية نِظَام عَالمي مُتعَدِّد الأَقطاب

بقلم زينب عدنان زراقط

فما نشهده اليوم ليس نهاية صراع، بل انتقاله إلى مستويات أعمق: من النفط إلى العملات، ومن الجبهات العسكرية إلى المجتمعات نفسها.

التحولات التي طالت منظمة أوبك وتماسك أوبك بلس، والمخاطر المتصاعدة حول مضيق هرمز، والتكلفة الهائلة التي تثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي، كلها تتقاطع مع متغيرات أخرى لا تقل أهمية، مثل صعود اليوان الصيني كخيار بديل في تجارة الطاقة، واتساع رقعة التوتر العسكري من لبنان إلى البحر الأحمر، إلى جانب السياسات الداخلية في بعض دول الخليج التي تعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع تحت ضغط الصراع.

بهذا المعنى، نحن لسنا أمام “مرحلة ما بعد الحرب”، بل أمام بداية نظام عالمي جديد، تتداخل فيه الأزمات، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة على أكثر من مستوى، في وقت واحد.

فإلى أي حد يمكن أن يستمر نموذج إدارة أسواق الطاقة العالمي كما عرفناه لعقود، في ظل التباين المتزايد داخل منظمة أوبك وأوبك بلس، ومع تحوّل الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى نقاط ضغط جيو/سياسي تمس التجارة العالمية مباشرة، في وقت تتداخل فيه أدوار دول الخليج داخل المعادلة الاقتصادية والسياسية بشكل متزايد؟.

هل يشير الاستنزاف المالي والعسكري الأمريكي، بالتوازي مع صعود بدائل نقدية مثل اليوان الصيني، إلى بداية إعادة تشكيل أوسع للنفوذ العالمي، تتقاطع فيه الطاقة والمال والتحالفات التقليدية؟.

وهل تعكس التطورات العسكرية الممتدة من لبنان إلى البحر الأحمر، بما في ذلك تصاعد دور أنصار الله، انتقال الصراع إلى نمط استنزاف طويل يُعاد فيه رسم توازنات الإقليم ببطء ولكن بعمق؟.

أولاً: انهيار توازن النفط وصراع النفوذ في الخليج

شهدت سوق الطاقة العالمية تطوراً مفصلياً مع إعلان انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك، في خطوة وُصفت بأنها تحول استراتيجي يعيد رسم موازين القوى داخل سوق النفط.

الإمارات، التي تُعد من أكبر المنتجين داخل المنظمة، اتجهت إلى فك الارتباط بالقيود الجماعية لسياسات الإنتاج، بما يعني عملياً التّحرُر من نظام الحصص الذي يحكم عمل أوبك بلس. هذه الخطوة تعكس رغبة واضحة في توسيع هامش الإنتاج بشكل مستقل، بما يسمح لها بالتحرك وفق اعتبارات السوق المباشرة بدل الالتزام بالتوافقات الجماعية.

وقد ترتب على هذا القرار فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس داخل أسواق النفط، حيث لم يعد التنسيق الجماعي هو الإطار الحاكم الوحيد، بل أصبح هناك اتجاه متزايد نحو السياسات الفردية في الإنتاج والتسعير، ما يعيد تعريف دور الإمارات داخل المعادلة النفطية العالمية.

هذا التحول يضع السعودية أمام واقع أكثر تعقيداً، إذ تعتمد الرياض تاريخياً على إدارة السوق عبر آلية الإنتاج الجماعي لضبط الأسعار وتوازن العرض. ومع خروج طرف رئيسي وفاعل بحجم الإمارات، تتراجع قدرة المنظمة على فرض الانضباط التقليدي، ويزداد احتمال دخول السوق في مرحلة حساسة من التّنافُس المُباشر على الحصّة السوقية بدل الحفاظ على استقرار الأسعار.

وفي حال اتجهت الإمارات إلى زيادة إنتاجها بوتيرة أعلى، فإن ذلك قد يدفع نحو ضغط سعري متزايد، ما يضع السعودية أمام خيارين صعبين: إما الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة لحماية حصتها، أو خفض الإنتاج لدعم الأسعار، وكلا الخيارين يحمل كلفة اقتصادية مباشرة. وهكذا، لا يبدو الانسحاب مجرد خطوة تنظيمية، بل بداية إعادة تشكيل أوسع لتوازنات القوة داخل سوق النفط العالمي.

ثانياً: استنزاف أمريكا وصعود نظام اقتصادي بديل

في سياق الحرب مع إيران، تكشف المعطيات العسكرية عن حجم إنفاق غير مسبوق على الذخائر والتحشيد العسكري، حيث اعتمدت الولايات المتحدة على نشر واسع للقوات والمعدات في المنطقة، شمل حاملات طائرات، ومدمرات، وأنظمة دفاع جوي متقدمة. وقد تم استخدام كميات ضخمة من الذخائر عالية الكلفة، من بينها مئات صواريخ كروز، وأكثر من ألف صاروخ توماهوك، إضافة إلى استخدام مكثف لمنظومات الدفاع الجوي مثل صواريخ باتريوت، التي تتجاوز تكلفة الواحد منها عدة ملايين من الدولارات، لاعتراض طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة لا تتعدى عشرات الآلاف من الدولارات. هذا الحجم من الاستهلاك العسكري لم يقتصر على العمليات المباشرة، بل شمل أيضاً نقل معدات من قواعد أمريكية في آسيا وأوروبا إلى منطقة الخليج، ما أثار مخاوف تتعلق بتراجع الجاهزية في جبهات أخرى.

في الجانب الآخر، تكشف الحرب عن كلفة هائلة تتحملها الولايات المتحدة، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية وصولها إلى تريليون دولار، وهو رقم يعكس استنزافاً طويل الأمد يتجاوز ساحة المعركة. المشكلة لا تكمن فقط في الحجم، بل في طبيعة الإنفاق، حيث يظهر خلل واضح في “عدم تناسق التكاليف”، إذ تُستخدم صواريخ بملايين الدولارات لاعتراض طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة، ما يمنح الخصوم ميزة استنزاف فعّالة ويضعف الكفاءة الاقتصادية للقوة العسكرية الأمريكية.

هذا الاستنزاف يتزامن مع تصاعد تحديات استراتيجية أكبر، أبرزها التحرك نحو استخدام اليوان الصيني في تجارة النفط. التلويح بهذا الخيار، خصوصاً من قبل دول خليجية، يعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي، ويهدد أحد أهم أعمدة النفوذ الأمريكي: هيمنة الدولار. ومع تحذيرات الصين من إمكانية الرد الاقتصادي، بما في ذلك مصادرة الأصول، يتضح أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح مواجهة على شكل النظام المالي العالمي.

إذا ما توسع استخدام العملات البديلة، فإن العالم قد يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، تتراجع فيه السيطرة الأمريكية تدريجياً. وفي هذا السياق، يصبح الاقتصاد ساحة صراع موازية، حيث تتقاطع الطاقة مع المال، والتجارة مع السياسة، في إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة العالمية.

ثالثاً: التوظيف السياسي – الديني وتعميق الانقسام الداخلي

إلى جانب التحولات الاقتصادية والعسكرية، برز بُعد آخر لا يقل خطورة، يتمثل في توظيف بعض دول الخليج للأدوات السياسية والدينية لإدارة تداعيات الحرب داخلياً وإقليمياً. فقد اتجهت بعض الحكومات إلى تبني خطاب أمني مشدد، يُغلف غالباً بذرائع مكافحة “التهديدات المرتبطة بإيران”، لكنه في جوهره يستهدف ضبط المزاج الشعبي ومنع أي تعاطف محتمل مع الطرف الإيراني، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الصراع وتأثيره على الرأي العام.

هذا التوجه ترافق مع إجراءات عملية، شملت حملات تضييق على فئات دينية محددة، واتهامات ذات طابع سياسي – أمني، إضافة إلى قرارات تمس الحريات المدنية مثل سحب الجنسيات أو إصدار أحكام قضائية بحق معارضين على خلفيات مرتبطة بالموقف من الحرب. كما ارتبطت هذه السياسات بمحاولات إعادة ضبط الخطاب العام، بما ينسجم مع الاصطفاف السياسي الإقليمي، ويحدّ من أي خطاب مخالف قد يُفسَّر على أنه خروج عن الموقف الرسمي.

ولا يمكن فصل هذه الإجراءات عن استخدام أدوات الضغط الاقتصادي كجزء من إدارة الصراع، حيث برزت حالات توظيف القروض والودائع المالية للتأثير على مواقف دول أخرى. ويظهر ذلك بوضوح في التوتر مع باكستان، حيث تم استخدام أدوات مالية حساسة للضغط السياسي، في مقابل تحركات خليجية أخرى لتعزيز النفوذ عبر الدعم المالي، ما يعكس تنافساً داخل المنظومة نفسها على إعادة تشكيل موازين التأثير الإقليمي.

في الوقت ذاته، ساهم التقارب مع السياسات الأمريكية – وأحياناً التماهي معها – في إدارة الصراع، بما في ذلك المواقف الداعمة لـ “إسرائيل”، في تعميق حالة الاستقطاب داخل المجتمعات الخليجية والعربية. إذ باتت هذه السياسات تُفسَّر من قبل قطاعات شعبية على أنها انحياز سياسي يتجاوز المصالح الاقتصادية، ليصل إلى إعادة تعريف التحالفات الإقليمية على أسس أكثر حساسية وتعقيداً.

في المحصلة، لا تقتصر تداعيات الحرب على الاقتصاد والطاقة، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والسياسية داخل دول المنطقة، حيث يُعاد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع تحت ضغط الخوف من التهديدات الخارجية، والتنافس الإقليمي، ما قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الاستقرار الداخلي، ويجعل الجبهة الداخلية نفسها جزءاً من معادلة الصراع.

رابعاً: الاختناق العسكري وتوسّع مسار الاستنزاف نحو الاقتصاد

بالتوازي مع التحولات الاقتصادية، تكشف المعطيات الميدانية عن حالة انسداد استراتيجي لدى إسرائيل، خصوصاً على الجبهة الشمالية. فالتقارير الإعلامية الإسرائيلية، بما فيها تقديرات لمراسلين عسكريين، تشير إلى وضع معقّد يقترب من “الفخ العسكري”، حيث تتراجع القدرة على الرد الحاسم في ظل قيود سياسية وضغوط دولية. وما يُوصف بأنه أسوأ وضع تشهده الحدود منذ مرحلة “الشريط الأمني” يعكس فشلاً في تحقيق أهداف الحرب، وعودة إلى معادلات ردع قديمة كان حزب الله يسعى لترسيخها منذ سنوات.

انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، مع استمرار إطلاق النار، يكرّس واقعاً جديداً يقوم على تقييد القوة العسكرية بدل إطلاقها، في ظل تدخلات وضغوط خارجية تحدّ من هامش التصعيد. هذا الواقع يعيد تشكيل معادلة الردع، حيث لم تعد القدرة العسكرية وحدها كافية لفرض الحسم، بل أصبحت محكومة بسقف سياسي معقد. ولا يقتصر تأثير ذلك على الجانب العسكري، بل يمتد إلى خلق حالة عدم استقرار مزمنة، مع عودة المواجهة إلى نمط “الاستنزاف طويل الأمد”، القائم على تكتيكات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، بما يفرض ضغطاً مستمراً على الاقتصاد والأمن في آن واحد.

وفي سياق متصل، يتوسع نطاق التوتر نحو البحر الأحمر، حيث تواصل حاملة الطائرات الأمريكية USS Gerald R. Ford تحركاتها جنوباً بمحاذاة الساحل السعودي، ما يفتح احتمال دخولها ضمن نطاق عمليات أنصار الله في اليمن. هذا التطور لا يحمل بُعداً عسكرياً فقط، بل يهدد بتحويل أحد أهم الممرات التجارية العالمية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع تكاليف الشحن، وتعطّل سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي.

إن اتساع رقعة التوتر من الخليج إلى لبنان ثم إلى البحر الأحمر يشير إلى نمط جديد من الصراعات المترابطة، حيث لم تعد الجبهات منفصلة، بل تحولت إلى شبكة ضغط متكاملة. في هذا السياق، لا يكون الهدف تحقيق نصر عسكري سريع، بل إطالة أمد الاستنزاف، ودفع الخصوم نحو إنهاك اقتصادي تدريجي. ومع كل جبهة جديدة تُفتح، تتزايد كلفة الحماية والتأمين، وتزداد هشاشة النظام التجاري العالمي، ما يجعل الاقتصاد هو الساحة النهائية التي تُحسم فيها نتائج هذه الصراعات.

عالم يُدار بالاختناق لا بالتوازن

ختاماً، لم يعد ما نشهده مجرد تشابك أزمات، بل انتقال إلى نمط جديد تُدار فيه القوة عبر تعطيل التدفقات لا عبر ضبطها. تفكك منظمة أوبك واهتزاز أوبك بلس، وتصاعد التهديد في مضيق هرمز والبحر الأحمر، كلها مؤشرات على أن النفط والممرات لم تعد أدوات استقرار، بل أدوات ضغط.

في هذا السياق، لم تعد السيطرة على الممرات تعني فقط تأمينها، بل القدرة على إعادة تعريف شروط المرور نفسها – سواء عبر الكلفة، أو القيود، أو حتى العملة المستخدمة – ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تتجاوز الهيمنة التقليدية للدولار.

في الوقت نفسه، يكشف الاستنزاف العسكري والمالي عن حدود القوة التقليدية، بينما يفتح صعود اليوان الصيني الباب أمام إعادة توزيع النفوذ النقدي. وداخلياً، تتحول المجتمعات إلى جزء من معادلة الصراع، لا مجرد متأثر به.

الخلاصة أن العالم لا يُعاد تشكيله عبر الحسم، بل عبر إدارة الاختناق: من يملك القدرة على تعطيل التدفقات يملك التأثير، ومن يعيد تعريف قواعدها يملك النفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *