وَاشُنطُن تَتَقوَّى بـ”تحالف مكة”.. بينما اليَمَن وإيران قَابضتان على عَصَب اقتصَاد العَالم!
بقلم زينب عدنان زراقط
المفارقة الصارخة في هذا المشهد أن دولاً عربية لم تحرك ساكناً حين كانت غزة تُقصف وتُجوَّع، ولا حين تعرض لبنان للعدوان، ولا حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، ولم تتخذ موقفاً يوازي حجم تلك الاعتداءات، بينما تستنفر اليوم قدراتها وتعيد ترتيب تحالفاتها في مواجهة اليمن، في اللحظة التي يعلن فيها استعداده لرفع الحصار والدفاع عن أرضه وسيادته.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بمجرد تشكيل تحالف عسكري، بل بطبيعة الدور الذي يُراد لهذا التحالف أن يؤديه: هل هو لحماية شعوب المنطقة من العدوان، أم لمواجهة من يرفض الخضوع له؟، وكيف يمكن الحديث عن أمن إقليمي مشترك، فيما تُترك غزة ولبنان وإيران تحت القصف، ثم تُحشد القوى عندما يتعلق الأمر بمواجهة اليمن؟، ومن يمسك، في نهاية المطاف، بدفة القوة التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة؟، أليست اليد التي تمسك بمفاتيح باب المندب ومضيق هرمز قادرة على تغيير حسابات الحرب والسلام برمتها؟.
وفي ضوء ذلك، فإن تفعيل “تحالف مكة” لا يبدو مجرد ترتيبات دفاعية لحماية الأراضي السعودية، بل خطوة تحمل أبعاداً سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الدفاع المعلن؛ إذ ينقل التحالف من إطار التعهدات السياسية إلى مستوى أكثر عملية، عبر تجهيز قوات وقدرات عسكرية قابلة للانتشار داخل المملكة، بما يعزز قدرتها على مواجهة الهجمات ويمنحها غطاءً أوسع للتحرك في الساحة اليمنية. وعلى الرغم من أن الدور التركي والباكستاني قد يظل في مرحلته الأولى محصوراً في حماية العمق السعودي وتعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية والاستطلاع والإنذار المبكر، فإن بناء هذه المنظومة يبعث برسالة واضحة مفادها أن الرياض لا تتحرك منفردة، وأن استمرار المواجهة قد يستدعي توسيع دائرة التدخل. وهكذا يتحول “الدفاع المشترك” إلى أداة لرفع كلفة المقاومة والضغط على اليمن، أكثر منه مشروعاً لإرساء أمن إقليمي عادل ومتوازن؛ وهو ما يضع هذا التحالف أمام سؤال جوهري: هل جاءت هذه المنظومة فعلاً لحماية المنطقة وشعوبها، أم لحماية ترتيبات سياسية وعسكرية تسمح باستمرار الحصار والحرب، بينما يُنظر إلى أي محاولة لكسرهما باعتبارها تهديداً يستوجب التحالف لمواجهته؟.
أولاً: واشنطن وصنعاء.. هدنة تفرضها موازين القوة
في خضم هذه التطورات، تبرز تساؤلات حول حقيقة الموقف الأمريكي من صنعاء، وما إذا كانت واشنطن قد بدأت بالفعل في فتح قنوات تفاهم معها، أو تسعى إلى توظيف العلاقة مع السعودية للضغط على إيران ومحاولة فصل صنعاء عن طهران. غير أن الوقائع المتاحة لا تشير إلى تحول في طبيعة العلاقة بين الطرفين، بقدر ما تعكس اتصالات ووساطات هدفها الأساسي ضبط مستوى التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. فالمواجهة التي اندلعت بين الولايات المتحدة وصنعاء انتهت بوساطة عُمانية إلى هدنة محدودة، قامت على معادلة ميدانية واضحة: توقف واشنطن عن استهداف اليمن مقابل عدم استهداف السفن الأمريكية، مع بقاء موقف صنعاء من السفن المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي أو المتجهة إلى موانئه قائماً. وبذلك، فإن ما جرى أقرب إلى تفاهم ميداني فرضته حسابات القوة والردع، وليس اتفاقاً سياسياً أو تحالفاً استراتيجياً.
وتبدو الحسابات الأمريكية أكثر تعقيداً من مجرد دعم طرف في مواجهة آخر؛ فواشنطن تدرك أن توسيع المواجهة مع صنعاء قد لا يبقى محصوراً داخل الساحة اليمنية، بل يمكن أن يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب، وربما يفتح الطريق أمام مواجهة أوسع مع إيران. ولذلك فإن دعمها للسعودية يمكن أن يظل في حدود المشورة والمعلومات والخبرات والقدرات الدفاعية، دون أن يعني استعدادها لخوض حرب مفتوحة نيابة عنها. كما أن الحديث عن استخدام السعودية كورقة للضغط على إيران يبقى مرتبطاً بمدى قدرة التحرك العسكري على تغيير موازين القوى. فمجرد تقديم الدعم للرياض لا يعني بالضرورة ممارسة ضغط فعلي على طهران، ما دامت صنعاء تحتفظ بقدراتها العسكرية وبقدرتها على التأثير في مسار المواجهة. ومن هنا، فإن الأدق هو الحديث عن إدارة للصراع وتبادل رسائل ووساطات محدودة، لا عن تحالف أمريكي ـ يمني أو تفاهم استراتيجي بين الطرفين.
ثانياً: من اليمن إلى إيران.. ساحات مترابطة وإعادة تموضع أمريكي
ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن التحولات التي طرأت على طبيعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران؛ فالحرب الأخيرة أظهرت أن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لم تعد بمنأى عن الاستهداف، وأن القواعد القريبة من مسرح العمليات يمكن أن تتحول من عنصر قوة إلى نقطة ضعف. ويبرز في هذا السياق قرار سحب القاذفات الأمريكية من قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا، بعد مخاوف أمنية مرتبطة باحتمال استهدافها، في خطوة تعكس اتجاه واشنطن إلى إعادة النظر في تموضع بعض قدراتها العسكرية ونقلها إلى مواقع أبعد عن مدى الصواريخ الإيرانية. وبذلك أصبحت المسافة عنصراً أساسياً في الحسابات العسكرية الأمريكية؛ فإبعاد الأصول القتالية عن نطاق الخطر المباشر يمنحها فرصة أكبر للحفاظ على قدرتها العملياتية، ويقلل في الوقت نفسه من تعرض القواعد والمنشآت لهجمات محتملة.
وهنا تكتسب الساحة اليمنية أهمية إضافية؛ لأن أي مواجهة واسعة مع إيران لا يمكن فصلها عن باب المندب والبحر الأحمر، ولا عن قدرة صنعاء على التأثير في حركة الملاحة والمصالح المرتبطة بالقوى المتصارعة. كما أن ارتباط البحر الأحمر بالخليج ومضيق هرمز يجعل أي تصعيد كبير قابلاً للانتقال من جبهة إلى أخرى، بحيث لا تبقى الحرب محصورة داخل حدود اليمن أو إيران. فهذه الممرات ليست مجرد ساحات جغرافية، وإنما أوراق قوة يمكن أن تؤثر في التجارة العالمية وأمن الطاقة وحركة الملاحة، ولذلك فإن تجاوز خطوط معينة في المواجهة قد يفتح سلسلة من الردود المتبادلة يصعب على أي طرف التحكم في مسارها أو ضمان بقائها ضمن نطاق جغرافي محدد.
ثالثاً: “تحالف مكة”.. ردع أم بوابة لتوسيع الصراع؟
ومن هنا يعود “تحالف مكة” إلى واجهة المشهد؛ فإذا كانت واشنطن تسعى إلى تقليل تعرض قواتها المباشر للخطر، فإن تعزيز القدرات السعودية عبر تحالفات إقليمية قد يصبح جزءاً من ترتيبات أوسع لإعادة توزيع أعباء الأمن العسكري في المنطقة. وهذا يمنح التحالف أهمية تتجاوز مجرد حماية الأراضي السعودية، لأنه يوفر للرياض مظلة دفاعية أوسع وقدرات إضافية يمكن أن تمنحها هامشاً أكبر للتحرك في الساحة اليمنية، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة تجنب التورط المباشر في حرب جديدة.
لكن المفارقة أن تعدد التحالفات والمظلات العسكرية قد لا يؤدي بالضرورة إلى خفض احتمالات الحرب؛ بل قد يزيد من فرص اتساعها كلما تداخلت الجبهات وتشابكت الالتزامات. فأي تصعيد في اليمن يمكن أن ينعكس على البحر الأحمر وباب المندب، وأي مواجهة مع إيران قد تمتد إلى الخليج ومضيق هرمز، بينما يصبح وجود قوى إقليمية ودولية متعددة طرفاً في المعادلة عاملاً إضافياً في تعقيد الحسابات. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لـ “تحالف مكة” لن يكون في مجرد إعلان الالتزامات أو حشد القوات، وإنما في قدرته على تعزيز الردع وحماية السعودية دون أن يتحول إلى عامل يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع. فكلما اتسعت دائرة المشاركين، أصبحت احتمالات انتقال أي مواجهة محلية إلى أزمة إقليمية أكبر أكثر حضوراً، وأصبح الحفاظ على حدود الصراع تحدياً لا يقل أهمية عن خوضه.
في المحصلة، ستظل موازين القوة مرتبطة بقدرة كل طرف على الحفاظ على أوراقه وتوظيفها؛ فبقاء صنعاء قادرة على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب والصمود أمام الضغوط يجعل محاولات خصومها فرض معادلات جديدة محدودة الجدوى، بينما يأتي “تحالف مكة” في إطار توجه أوسع لتوزيع أعباء المواجهة وتعزيز القدرات السعودية، بالتزامن مع سعي واشنطن إلى تقليل تعرض قواتها المباشر للخطر. غير أن هذه الترتيبات قد تنقلب على أهدافها، إذ إن توسيع دائرة التحالفات وتداخل الجبهات لا يخفض بالضرورة احتمالات التصعيد، بل قد يجعل أي مواجهة في اليمن أو لبنان أو غزة جزءاً من معادلة إقليمية أوسع. والأكثر تعقيداً بالنسبة إلى واشنطن أن الجبهات التي سعت إلى إدارتها بصورة منفصلة باتت مترابطة على نحو يصعب تفكيكه؛ فالحرب على لبنان وغزة واليمن أصبحت تتقاطع مع المواجهة مع إيران، لتتحول هذه الملفات إلى أوراق ضغط متبادلة. ومن هنا، لم تعد الشروط المطروحة تقتصر على الساحة الإيرانية، بل بات وقف الحرب على لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية، إلى جانب وقف القتال على جبهات غزة واليمن، جزءاً من المعادلة الأوسع التي تواجهها واشنطن وحلفاؤها. وفي ظل هذا التشابك، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة لم تكن تريدها: كلما حاولت تطويق جبهة، وجدت نفسها أمام جبهة أخرى، وكلما وسّعت أدوات الضغط، ازداد ترابط أوراق خصومها واتسعت كلفة احتواء المواجهة.
وتبقى العين على باب المندب، فيما يقترب العدّ العكسي للانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، لتظل حسابات المواجهة محكومة بما قد تحمله المرحلة المقبلة من قرارات. غير أن أي تهور عسكري جديد ضد قوى المقاومة قد يفتح أبواباً لا تستطيع واشنطن وتل أبيب التحكم في نتائجها، وفي مقدمتها إغلاق باب المندب؛ وعندها لن يكون السؤال عن كلفة الحرب على المنطقة وحدها، بل عن قدرة شعوب الغرب نفسها على تحمّل تداعياتها الاقتصادية والأمنية والمعيشية.
