إقليميات

تداعيات الاختراق الصهيوني لأرض الصومال

بقلم توفيق المديني

في المقابل، فإنَّ 15 دولة أفريقية لها سفارات في الكيان الصهيوني. وقد شرعت الدول الأفريقية في استعادة علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، التي قطعتها في أعقاب حربَي 1967 و1973 بعد التوقيع على اتفاقية “كامب ديفيد” بين مصر والكيان الصهيوني.

ويُشَكِّلُ اعتراف رئيس الحكومة الصهيونية الفاشية بنيامين نتنياهو بإقليم أرض الصومال “دولة مستقلة وذات سيادة”، أزمة حقيقية في منطقة القرن الأفريقي تهدِّدُ الاستقرار في حال تحوّله إلى أمر واقع. وجاء الإعلان بتوقيع مشترك بينه وبين ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، ورئيس إقليم أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، يوم الجمعة 26كانون الأول/ديسمبر 2025بما يتماشى مع روح اتفاقيات أبراهام للتطبيع. ولم يكن هذا الاعتراف مسألة مصادفة، بل إنَّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت الراعية له، ما يجعل من المرجّح أن يكون القرار ثمرة تفاهمات مشتركة وخطوة محسوبة ذات تأثيرات سياسيةٍ وأمنيةٍ إقليميةٍ واسعة.

أمَا لماذا اعترف الكيان الصهيوني بإقليم أرض الصومال الانفصالي، فذلك يعود إلى عاملين:

الأول: بسبب أهمية الموقع الجغرافي للصومال الذي يُعَدُّ استراتيجياً بوابة رئيسية لمنطقة القرن الإفريقي، حيث يقع عند التقاء البحر الأحمر والمحيط الهندي وخليج عدن ويقترب من باب المندب، ويعد ملتقى آسيا وإفريقيا وله دور محوري في تسهيل طرق الشحن البحري الدولي بين أورولا وآسيا بجانب تمتعه بساحل يبلغ طوله 3333كيلومتراً. ويُعَدُّ الساحل الأطول في إفريقيا بخلاف وفرة من الاحتياطات والموارد غير المستغلة لا سيما النفط والغاز.

الثاني: تحول اليمن إلى قاعدة استراتيجية في محور المقاومة لمحاربة العدو الصهيوني والهيمنة الإمبريالية الأمريكية، كجبهة إسناد جنوبية لردع العدوان الصهيوني -الأمريكي على غزَّة بعد عملية طوفان الأقصى في 7أكتوبر 2023. ويأتي التركيز الصهيوني على اليمن، لأنه أصبح يمثل أنموذجاً لمقاومة جديدة قائمة على عقيدة دينية صلبة، استطاع “أنصار الله” من خلالها اختراق الدرع النفسي لليهود الصهاينة بطريقة لم تفعلها الجيوش النظامية.

استراتيجية التطويق والحصار للنفوذ الإقليمي لمصر

يدخل الاعتراف الصهيوني بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي، في إطار تطبيق استراتيجية الحصار وتشديد الخناق على مصر من جانب الكيان الصهيوني، ويمثل إعادة رسم لخرائط النفوذ في منطقة القرن الإفريقي التي تهدف إلى إضعاف قبضة مصر على مدخل البحر الأحمر والضغط عليها في ملفات المياه والأمن القومي. ذلك المشهد وفق رأي الخبراء والمحللين، يضع مصر أمام اختبار وجودي لقدراتها الدبلوماسية والعسكرية لحماية ممر الملاحة الدولية الأهم “قناة السويس”، ومنع انهيار الصومال والسودان واليمن، ما يدفع بها نحو محور السعودية وتركيا صاحبتي المصالح المشتركة مع القاهرة في البحر الأحمر والسودان والقرن الأفريقي، وبمواجهة أجندات الاحتلال والإمارات التي تُتهم بتغذية بؤر التوتر بالصومال والسودان واليمن وقبلهم ليبيا وغزة

كما يُعَدُّ الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال “سُدَّ نهضةٍ جديدٍ” على البحر، ويمثل ضوءاً أخضر لمنح أديس أبابا قاعدة عسكرية ومنفذاً بحرياً على خليج عدن، مما يعني حصاراً استراتيجياً لمصر من الجنوب، وتعاظم النفوذ الإثيوبي الإسرائيلي المشترك عند مضيق باب المندب ومدخل قناة السويس، وتهديد للأمن القومي المائي من مياه النيل.

وتخشى مصر كذلك أن يفتح الاعتراف الإسرائيلي الذي يأتي بعد أيام إعلان صفقة غاز بين مصر وإسرائيل بقيمة 35 مليار دولار، الباب أمام مخططات تهجير سكان غزة إلى الإقليم الصومالي مقابل مكاسب سياسية، وكذلك مخاوف الاعتراف لاحقا بدولة في غرب السودان تابعة لقوات الدعم السريع، لذلك لم تنتظر الخارجية المصرية كثيرا حيث ندَّدت بالخطوة فور صدورها واعتبرتها مساسا بسيادة الصومال ووحدته وتهديدا للاستقرار في القرن الإفريقي.

وأصبح ميناء بربرة، بؤرة الصراع الدولي والإقليمي بالقرن الأفريقي نظرا لأهميته الاستراتيجية على خليج عدن حيث يشرف على ممر الملاحة الدولي إلى باب المندب وقناة السويس، وكونه أقرب نقطة ساحلية تربط إثيوبيا (الدولة الحبيسة) بالعالم، حيث يربطه ممر بري بأديس أبابا. وتسيطر على الميناء شركة “موانئ دبي العالمية”، فيما يضم أحد أطول المدارج الجوية بالقارة (بناه الاتحاد السوفييتي سابقا)، ما يجعله قاعدة جوية وبحرية يمكنها السيطرة على جنوب البحر الأحمر.

وترى أمريكا والصين ميناء بربرة بديلاً استراتيجياً محتمل لموانئ جيبوتي المزدحمة بالقواعد العسكرية، وتسعى واشنطن التي أكد رئيسها دونالد ترامب أن “الاعتراف بإقليم أرض الصومال يحتاج دراسة”، لمنع بكين من ضم بربرة لمشروع “الحزام والطريق”. وما يثير المخاوف المصرية اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية، في مسار يدعمه الاحتلال الصهيوني، ما يجعل الميناء نقطة ارتكاز إثيوبية إسرائيلية بتمويل وإدارة إماراتية، ما دفع مصر للتنسيق مع مقديشو وتركيا وجيبوتي لوقف الاتفاق، خلال 2024 و2025.

يرى الخبراء والمحللون أنَّ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال بأنَّه تغييرٌ بقواعد اللعبة الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي، بوصف إثيوبيا المستفيد الأكبر (والخفي)، ومحاولة إسرائيلية لتأمين موطئِ قدمٍ استراتيجيٍّ عند مدخل باب المندب، لتعويض عزلتها البحرية المتزايدة، وتماهٍ واضح مع طموحاتٍ إثيوبيةٍ سابقة لانتزاع منفذ بحري عبر الإقليم نفسه.

 فالاعتراف الصهيوني، يمثلُ خطراً داهماً على أمن قناة السويس، ويعزِّزُ نفوذ الكيان الصهيوني عند باب المندب، ويدعمُ تفكيك الصومال، ويُطَوقُ مصر استراتيجياً، ويحاصرُ دورها الإقليمي، ويُضْعِف جبهتها بملف سدِّ النهضة. ذلك إنَّ التحكم بباب المندب من جانب الكيان الصهيوني يعني تحكم شبه كامل بقناة السويس وخليج العقبة، ومحاصرة مصر بحزامٍ ناريٍّ يزداد اشتعالاً من البَرِّ والبحر في ضوءِ تراجعِ دور مصر الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي.

الصومال تستنجد بالدول العربية ضد الاحتلال الصهيوني

أدان رئيس جمهورية الصومال، حسن شيخ محمود، بشدَّةٍ، الإعلان الإسرائيلي، وقال إنه يمثل عدواناً واضحاً على استقلال البلاد. وأضاف محمود في خطاب أمام البرلمان أن “هذا الإعلان خطوة غير مقبولة على الإطلاق، ويمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية”. وتابع أنَّ الاحتلال الإسرائيلي “يشكل تهديداً لأمن العالم والمنطقة بأسرها ويشجّع التطرف”، وأكَّدَ أنَّ “قضية المحافظات الشمالية للبلاد تمثل قضية داخلية، لذلك لا يمكن القبول بأي تدخل خارجي بهدف تقسيم البلاد”.

وأعلن الصومال، في بيان الجمعة26ديسمبر 2025، رفضه الخطوة الإسرائيلية، وشدَّدَ على “التزامه المطلق وغير القابل للتفاوض بسيادته ووحدته الوطنية وسلامة أراضيه”. وقالت الحكومة، في البيان، إنَّ الصومال لنْ يسمحَ بإنشاءِ أيِّ قواعدٍ عسكريةٍ أجنبيةٍ أو ترتيباتٍ على أراضيه من شأنها جرّهِ إلى صراعاتٍ بالوكالةِ أوْ استيرادِ العداواتِ الإقليميةِ والدوليةِ إلى هذه المنطقة.

بدوره، قال سفير الصومال في القاهرة ومندوبه بالجامعة العربية علي عبدي أواري إنَّ اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين في القاهرة برئاسة وزراء الخارجية العرب يوم السبت 27ديسمبر 2025، يأتي في “ظرف بالغ الخطورة”. وأضاف أنَّ “ما أعلنت عنه حكومة الاحتلال الإسرائيلي من اعترافٍ مزعومٍ بإقليم الشمال الغربي بالصومال، هو عملٌ عدوانيٌّ واستفزازيٌّ ومرفوضٌ جملةً وتفصيلاً.

وحاول الاحتلال الإسرائيلي مراراً الدفع نحو تهجير المواطنين الفلسطينيين من غزة، لكن دولا عربية وإسلامية وغربية ترفض هذه الخطوة، وتحذر من تصفية القضية الفلسطينية. وزاد أواري بأن “الصومال لن يكون طرفاً في أي مسعى لتهجير الأشقاء الفلسطينيين من أرضهم”، في إشارة إلى وجود مخطط لتهجير فلسطينيين إلى الإقليم.

وأردف: “وسيعمل (الصومال) خلال عضويته في مجلس الأمن 2025-2026 ورئاسته الدورية للمجلس في يناير /كانون الثاني 2026 على إفشالِ تلك الْخُطَطِ والوقوفِ في وجهِ الأطماعِ الإسرائيليةِ الفجَّةِ”. وتابع أنَّ “الصومال لا يرى في هذه الخطوة (الاعتراف الإسرائيلي) مجرَّدَ اعتداءٍ إسرائيليٍّ آخر على دولةٍ عربيةٍ أخرى، بل اعتداءً مباشراً ومساً بالأمن القومي العربي ككل وأمن الملاحة في البحر الأحمر”.

خاتمة

لا يمكن النظر إلى الاعتراف الصهيوني بـ “إقليم أرض الصومال” كتحركٍ دبلوماسيٍّ عاديٍّ، بل يُعَدُّ تصعيداً سياسياً خطيراً يستهدفُ وحدة الصومال، ويكشف عن نوايا أعمق تتجاوز الإقليم نفسه، لتطال التوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويُعِيدُ إلى الواجهة مشاريع تقسيم الصومال، التي تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية الأوروبية، حين تم َّتفكيك البلاد إلى خمسة أجزاء، لم يتبق منها اليوم سوى الشطرين الشمالي والجنوبي، بينما ذهبت الأجزاء الأخرى إلى دول مجاورة مثل جيبوتي وإثيوبيا وكينيا.

ولما كان “إقليم أرض الصومال” مُطِلاً على البحر الأحمر وقريباً من مضيق باب المندب، فإنَّ الكيان الصهيوني يستهدف أن يكون له قاعدة استراتيجية عسكرية فيه، تكون بمنزلة نقطة مراقبة وتأثير في طرق التجارة العالمية. فمضيق باب المندب يمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية، وأي وجود إسرائيلي عسكري قريب منه يعني امتلاك ورقة ضغط سياسية وأمنية واقتصادية، ليس فقط على دول المنطقة، بل على حركة التجارة العالمية ككل.

الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية يستهدفان معاً تاريخيا ولغاية الان، إسقاط الدول الوطنية في منطقة الشرق الأوسط، والقرن الإفريقي، وها هي الحرب الأهلية المستمرة في السودان تتجه نحو مرحلة جديدة أكثر دموية وخطورة، قد تؤدي إلى تفكيك الحدود التي حصرت الصراع داخليا، وإطلاق موجة عنف إقليمي واسع تمتد عبر القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما يتجاوز السودان إلى محيطه الإقليمي والدولي.

ولم يكن مخطط تقسيم السودان، سواء في سنة 2011، أو نتيجة الحرب الأهلية الحالية التي تفجرت منذ أبريل 2023، بين قوات الدعم السريع التي تسيطر على غرب البلاد، والقوات المسلحة السودانية التي تهيمن على الشرق، نتيجة للمعارك الداخلية فقط، بل جاء نتيجة مباشرة للتدخلات الخارجية، وفي مقدمتها الدور الإماراتي. فسواء انطلق هذا الدعم من اعتبارات جيوسياسية للسيطرة على دولة تابعة، أو من قناعة خاطئة بأن دعم ميليشيا مسلحة متهمة بارتكاب جرائم إبادة هو السبيل لمواجهة الإسلاميين، فقد برزت الإمارات كأكبر راع لقوات الدعم السريع، وأكبر حليف استراتيجي للكيان الصهيوني، وتعمل الآن على إنشاء قاعدة عسكرية جديدة داخل إثيوبيا، وتحديدا في إقليم بني شنقول–جوموز، الواقع على الحدود الشرقية للسودان، والذي يحتضن سد النهضة الإثيوبي.

ويرى المحللان الأمريكيان: كاميرون هدسون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الأمريكي لشؤون أفريقيا، وليام كار، رئيس فريق أفريقيا في مشروع التهديدات الحرجة بمعهد أمريكان إنتربرايز، في مقالهما التحليلي المشترك المنشور بمجلة “فورين بوليسي” الشهيرة، أنَّ تورط إثيوبيا في الحرب قد يشعل توترات قائمة أصلا مع إريتريا ومصر، ويدفع المنطقة نحو انفجار إقليمي سريع الانتشار عبر البحر الأحمر.

وقد يدفع هذا التحول الميداني دولة الإمارات، الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، إلى فتح جبهة جديدة عبر إثيوبيا، ما من شأنه توسيع رقعة النزاع وتحويله إلى صراع إقليمي مباشر، يفاقم التنافس على النفوذ بين أبو ظبي والرياض، ويهدد بتوريط كل من مصر وإريتريا في المواجهة. وتدركُ الولايات المتحدة خطورة اندلاع حرب إقليمية شاملة، لما تحمله من تداعيات كارثية على استراتيجيتها في البحر الأحمر، ومصالحها في مكافحة الإرهاب، وضمان الأمن البحري، واحتواء إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *