صنعاء ترفع مستوى الردع ضد السعودية.. قرار الحظر الجوي يدخل حيز التنفيذ
بقلم نوال النونو
دخلت المواجهة بين اليمن والسعودية مرحلة جديدة في ظل ارتفاع مستوى الردع اليمني، والإعلان عن حظر الملاحة الجوية، وتوقفت المطارات السعودية عن العمل، وفي مقدمتها مطار الملك خالد في الرياض.
وأعلن مركز تنسيق العمليات الإنسانية في صنعاء منتصف الأسبوع الماضي تحذيراً لشركات الطيران العاملة من المرور فوق الأجواء السعودية، باعتبارها مقبلة على أن تكون مسرحاً لعمليات القوات المسلحة اليمنية، وبعدها نفذت القوات المسلحة اليمنية عمليات نوعية استهدفت منشآت حيوية في السعودية، ومطاراتها الرئيسية، في نجران، وجيزان، وأبها، والرياض، مع اعتراف السعودية بأضرار طالت هذه المرافق، واصابة مواطنين من جنسيات مختلفة.
وجاء إعلان اليمن وقيامه بهذه الخطوة، بعد ساعات من إعلان رئيس ما يسمى “المجلس الرئاسي” الموالي للسعودية عن بدء العمليات العسكرية ضد أنصار الله في اليمن تحت مسمى “فجر اليمن”، وأعلنت السعودية مشاركتها في هذه العملية بـ (100) مقاتلة حربية.
وبالفعل انطلقت العمليات العسكرية للقوات الموالية اليمنية الموالية للسعودية، وحاولت إعادة احتلال مناطق هامة في الساحل الغربي والمطلة على مضيق باب المندب، بإسناد جوي كبير من السعودية، غير أن تلك القوات لم تتمكن من التمركز في أي نقطة، بسبب الهجوم المضاد للقوات المسلحة اليمنية بصنعاء، وتكبيد المرتزقة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
واللافت في قرار اليمن بحظر الملاحة الجوية السعودية أنه يضع حركة الطيران فوق المملكة أمام مستوى مختلف من المخاطر، وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة المجال الجوي نفسه؛ حيث يدخل مباشرة في حسابات شركات الطيران والتأمين وسلامة الرحلات ومسارات الطيران.
وكانت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي قد أصدرت في 30 سبتمبر نشرة بشأن الأجواء السعودية، شملت كامل منطقة معلومات الطيران في جدة وعلى جميع الارتفاعات والمستويات، وأشارت إلى أن النشرة تستند إلى المعلومات المتاحة لتقييم سلامة الطيران في مناطق تشهد مستويات مرتفعة من المخاطر، ويعني ذلك أن مسألة المخاطر الجوية كانت حاضرة في حسابات الطيران الدولي قبل إعلان صنعاء قرار الحظر الجوي، الأمر الذي يجعل التحذير اليمني أكثر ارتباطاً بحسابات شركات الطيران التي تضع أمن الرحلات في مقدمة محددات تشغيلها.
وتركز القوات اليمنية منذ السادس من أكتوبر على استهداف مطار الملك خالد في الرياض، فهو يضم خمس صالات رئيسية و(40) جسراً جوياً، ويخدم عشرات شركات الطيران الدولية والمحلية، مع حركة سنوية تقارب (28.5) مليون مسافر ونحو (217) ألف رحلة؛ ولذلك فإن استمرار المخاطر حوله يتجاوز أثره حدود المنشأة إلى شبكة أوسع من حركة النقل الجوي المرتبطة بالعاصمة السعودية.
ومن هذه الزاوية، فإن معنى الحظر الجوي لا يتوقف عند إصابة مطار أو اعتراض صاروخ؛ فالمعادلة الأكثر اتساعاً تتعلق بمدى استعداد شركات الطيران لمواصلة تشغيل رحلاتها في مجال جوي جرى التحذير منه باعتباره منطقة عمليات، وكلما ارتفع مستوى المخاطر، تدخل عوامل إضافية في القرار، من تقييم مسارات الرحلات إلى إجراءات الحماية والتأمين وإدارة المخاطر، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في انتظام الحركة الجوية حتى في حال استمرار بعض المطارات في العمل.
امتداد لمسار قرار الحظر البحري
ويعد قرار الحظر الجوي، خطوة تصعيدية من قبل القوات المسلحة اليمنية في معركتها مع السعودية، ففي البداية أعلن اليمن قرار حظر الملاحة للسعودية في البحر الأحمر في 20 يونيو الماضي، غير أن السعودية واصلت عدوانها وحصارها على اليمن، ودفعت بتحشيدات عسكرية كبيرة نحو إشعال الجبهات البرية داخل اليمن، ما دفع صنعاء للانتقال للخطوة الثانية بهدف المزيد من الضغط على السعودية لإجبارها على التراجع والجنوح إلى السلام.
ويؤكد الخبير والمحلل العسكري العميد مجيب شمسان أن المنشآت النفطية السعودية تقع ضمن مدى الصواريخ اليمنية، وأن اتساع نطاق العمليات يمكن أن يدفع نحو توسيع الحظر ليشمل مختلف المطارات السعودية.
ويشير إلى أن الحظر الجوي يأتي امتداداً لمسار بدأ بالملاحة البحرية، مع انتقال التركيز إلى الأجواء والمطارات والمنشآت الحيوية وخطوط نقل وتصدير النفط، وبذلك لا يعود المجال الجوي منفصلاً عن بقية عناصر المواجهة، وإنما يصبح جزءاً من معادلة ضغط أوسع.
أما عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح، فيربط استمرار التهديد للملاحة السعودية باستمرار ما تصفه صنعاء بالحصار والتصعيد، مؤكداً أن استمرار الوضع القائم يرفع مستوى التهديد من الملاحة البحرية إلى الملاحة الجوية والمنشآت النفطية والمواقع الحيوية، مشيراً إلى أن العمليات البحرية السابقة منحت القوات اليمنية خبرة في التعامل مع أهداف بعيدة عن السواحل اليمنية.
وتكشف هذه التصريحات أن قرار الحظر الجوي يحمل مستويين متداخلين: الأول يتعلق بسلامة الطيران نفسه، والثاني يتعلق برسالة الردع التي تريد صنعاء إيصالها إلى الرياض وشركات الطيران في آن واحد، فمركز تنسيق العمليات الإنسانية خاطب شركات الطيران بصورة مباشرة، بينما جاءت الاستهدافات اللاحقة للمطارات لتربط التحذير بالقدرة على الوصول إلى منشآت داخل العمق السعودي، ومن ثم فإن أثر القرار لا يقاس فقط بعدد الصواريخ أو الطائرات التي يمكن استخدامها، وإنما بمدى تأثير التهديد في قرار تشغيل الرحلات.
ويتزامن التصعيد اليمني في العمق السعودي مع تحقيق انتصارات ميدانية كبيرة للقوات المسلحة اليمنية، ولا سيما في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، حيث استكملت تلك القوات تحرير مديريتي المعافر والمواسط، ووصلت إلى منازل قيادات كبيرة موالية للسعودية من أبرزها نائب رئيس البرلمان اليمني الشيخ سلطان البركاني، ورئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ما يؤكد بأن أنصار الله يحققون انتصارات تصيب السعودية وحلفائها بالذهول.
وأصبحت محافظة تعز بالكامل تحت سيطرة أنصار الله، باستثناء مدينة تعز ذات الكثافة السكانية، وتجري مفاوضات ووساطات محلية لتسليمها دون إراقة للدماء، فإذا ما حدث ذلك، ودخل أنصار الله مدينة تعز، فإنهم بذلك قد حققوا أكبر انتصار عسكري في هذه الجولة من المواجهات بعد أن حرروا مناطق الساحل الغربي بالكامل، وتكون خطوتهم التالية إما مأرب أو عدن ولحج أو الحدود مع المملكة العربية السعودية، وهذه تخضع لتقديرات القيادة الثورية والسياسية والعسكرية في صنعاء.
