الطوفان بعد ثلاث سنوات.. ماذا تغيّر؟ وإلى أين تمضي المقاومة؟
بقلم د. محمد الايوبي
مرّت ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحدث الذي وصفته إسرائيل بـ “السبت الأسود” لم ينقضِ بعد. ما جرى ذلك الصباح لم يكن فقط هجوم عسكري، بل كان زلزالاً استراتيجياً أعاد تشكيل خريطة الصراع في الشرق الأوسط برمته، وكشف – بكثير من الوضوح – الوجه الحقيقي لمعسكر العدوان بقيادة واشنطن وتواطؤ عواصم عربية وإسلامية لم تعلق حتى تطبيعها مع الكيان أثناء الإبادة الجماعية في غزة.
والمفارقة الكبرى أن ما كُتب عن “الطوفان” في الغرب الاستراتيجي، وما كُتب في العواصم العربية، كان في معظمه دعاية ممنهجة، لا تحليلاً. واليوم، بعد ثلاث سنوات، حان وقت قراءة ما تغيّر فعلاً، بعيداً عن التهويم والتدليس.
الطوفان لم يجلب الكارثة، بل كشفها
الرواية السائدة – خصوصاً في الإعلام الغربي وبعض العواصم العربية – تقول إن “الطوفان” هو من جلب الإبادة والدمار على غزة. هذه الرواية مضللة، بل هي جزء من حرب الوعي التي تخوضها “إسرائيل” وأعوانها. فالحقيقة أن خطط الإبادة كانت مبيّتة ومعدّة سلفاً. ما فعله الطوفان أنه عرقل إتمام “صفقة القرن” الجديدة التي كانت تتبلور، حيث كشفت التطورات وجود خطط استراتيجية جاهزة لا لتطبيع فحسب، بل لتصفية القضية نهائياً وفرض مشروع “إسرائيل الكبرى” أمراً واقعاً. ولنتذكر أن حرب الإبادة لم تبدأ في 7 أكتوبر. ما بدأ في ذلك اليوم هو كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وانهيار المنظومة الأمنية “الإسرائيلية” أمام قوات المقاومة التي اخترقت السياج الفاصل ووصلت إلى مواقع عسكرية بمحاذاة غزة.
لقد نجحت “إسرائيل” – بمساعدة أمريكية كاملة – في تدمير قطاع غزة بمساحته التي لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، وقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين. لكن هذا “الإنجاز” العسكري التكتيكي كان في جوهره فشلاً استراتيجياً. فـ “إسرائيل” تخفق – بشهادات عقلائها أنفسهم – في “صرف” هذه “الإنجازات” الميدانية إلى مكاسب سياسية. إنها ما زالت وجهاً لوجه مع أسئلتها الوجودية: كيف تكون “يهودية وديمقراطية” مع وجود أغلبية فلسطينية على أرض فلسطين التاريخية؟.
المقاومة: بنية عصية على الاقتلاع
المقاومة الفلسطينية ليست فصيلاً، ولا تنظيماً، ولا حتى جيشاً؛ إنها بنية سياسية -ثقافية – اجتماعية عميقة الجذور في الوعي الجماعي الفلسطيني. صحيح أن الفصائل المسلحة قد تلقت ضربات موجعة، وأن البنية العسكرية لحماس وغيرها تضررت بشكل بالغ، لكن الفكرة – فكرة المقاومة – لا تموت بموت القادة أو بتدمير الأنفاق.
والدليل أنه في عام 2025 وحده، شهدت الضفة الغربية والقدس المحتلة 221 عملية إطلاق نار واشتباك مسلح، و318 عملية تفجير عبوات ناسفة استهدفت قوات الاحتلال. هذا ليس نتاج تنظيم مركزي واحد؛ هذا نتاج جيل رابع من النكبة يرفع رايات المقاومة في مدن الضفة ومخيماتها، من جنين إلى طولكرم، من نابلس إلى الخليل. وفي استطلاعات الرأي، رفض 69% من الفلسطينيين نزع سلاح المقاومة، وأيد 53% قرار حماس بشن عملية طوفان الأقصى. هذه أرقام لا يمكن تجاهلها أو تهميشها.
نعم، المقاومة تتغير. أدواتها وأشكالها وفصائلها تندرج في دائرة “المتغير”. أما ثبات المقاومة ذاتها، كفعل وجودي ضد الاحتلال، فهو ثابت من ثوابت الشعب الفلسطيني. من يفهم هذا التمييز بين الثابت والمتغير، يفهم لماذا لن تختفي المقاومة، ولماذا كل المحاولات لشطبها – سواء بالقوة العسكرية أو بالهندسة السياسية – محكوم عليها بالفشل. لقد كانت الضفة الغربية، رغم كل القيود الأمنية والتنسيق الأمني، ساحة حاضرة للمقاومة، والعمليات الفردية والنشاط الشعبي المناهض للاحتلال لم تتوقف.
“إسرائيل”: من “ذخر استراتيجي” إلى عبء على الغرب
أخطر ما جرى في هذه السنوات الثلاث ليس ما حدث في غزة – بفداحته – بل ما حدث لصورة “إسرائيل” في العالم. لأول مرة منذ عقود، تتحول “إسرائيل” من “ذخر استراتيجي” للغرب الاستعماري إلى عبء عليه. الأرقام صادمة لمن يتابع: “إسرائيل” تراجعت في مؤشرات صورتها الدولية من المرتبة 44 من أصل 46 دولة عام 2022 إلى المرتبة 46 من أصل 60 دولة عام 2023. ووفق استطلاع لصحيفة “نيويورك تايمز”، تفوقت التعاطفات المؤيدة لفلسطين على دعم “إسرائيل” بهامش ضيق، بنسبة 35% مقابل 34%. هذا في الولايات المتحدة، الحليف الأول.
والأهم من ذلك، أن الأجيال الشابة – جيل Z – تنظر إلى “إسرائيل” باعتبارها كياناً استعمارياً يفتقر إلى الشرعية. هذا التحول الجيلي، ولا سيما في أوروبا وأمريكا الشمالية، هو بمثابة قنبلة موقوتة تحت أقدام السردية الصهيونية في العقود المقبلة. والمفارقة أن مسؤولي الاستراتيجية “الإسرائيليين” أنفسهم باتوا يطلقون تحذيرات من “خطر وجودي” يهدد شرعية الدولة في المحافل الدولية. رئيس معهد سياسات الشعب اليهودي، يديديا شتيرن، اعتبر أن التحدي الأكبر على المدى البعيد يكمن في “التحدي الذي يواجه شرعية وجود الدولة نفسها في نظر العالم الحر”.
هذا التآكل في الشرعية ليس تفصيلاً هامشياً. إنه أحد أهم أسلحة المقاومة في المرحلة الإستراتيجية المقبلة. فإسرائيل لم تعد قادرة على الاعتماد على “الفيتو” الأمريكي وحده، وسط تحولات سياسية في واشنطن، حيث بات من الصعب ضمان أن الرئيس القادم سيسير على خطى ترامب في دعمه المطلق لـ”إسرائيل”.
أرقام الاحتلال: اعتراف متأخر بانهيار العقيدة
في ذكرى السابع من أكتوبر، قدّمت قناة 15 العبرية ما يبدو كسرد انتصاري: أكثر من 31 ألف صاروخ وقذيفة أُطلقت نحو “إسرائيل”، منها نحو 20 ألفاً من لبنان، و10,200 من غزة، و1,200 من إيران، و50 من سوريا، و90 من اليمن، مع استهداف نحو 100 ألف هدف في مختلف الجبهات. لكن هذه الأرقام، إذا جُرّدت من لغة الدعاية، لا تقيس قوة إسرائيل بقدر ما تقيس حجم الحرب التي واجهتها، واتساع الجبهات التي فُتحت عليها. وهنا يأتي درس رئيس الأركان إيال زامير كما نقلته “يديعوت أحرونوت”: لم تعد المشكلة في منع المفاجأة فقط، بل في القدرة على القتال عند حدوثها. هذا اعتراف بأن العقيدة التي بُنيت على الإنذار الاستخباراتي والعوائق والتفوق التكنولوجي قد انهارت في 7 أكتوبر. والحكاية الرسمية تريدنا أن نرى في هذه الأرقام دليلاً على الردع، بينما هي في جوهرها شهادة على أن “إسرائيل” لم تعد قادرة على فرض شروطها وحدها.
الضمانة التي تتهاوى: كيانٌ يخشى أن يُترك وحيداً
ثمة سؤال يتجنبه الخطاب الاستراتيجي “الإسرائيلي” الرسمي، لكنه يطلّ من كل ثقب في النقاشات الدائرة في مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام: ماذا يبقى من “أمن إسرائيل” حين تقرر واشنطن أنها لم تعد راغبة في أداء دور شرطي المنطقة؟ وهذا سؤال بنيوي، لا تكتيكي، لأنه يمسّ الافتراض المؤسّس الذي قام عليه المشروع كله. فالدولة التي وُلدت كضمانة استعمارية للغرب، ظلت تعتمد على التزام خارجي لا تستطيع أن تولّده من داخلها. وتقليص الحضور العسكري الأمريكي المباشر، ونقل عبء الدفاع إلى الشركاء الإقليميين، ليس انكفاءً عرضياً يمكن انتظاره حتى تنقضي دورة سياسية في واشنطن، بل تعبير عن تحوّل في بنية المصالح الأمريكية نفسها. وهنا يتوزع العقل الاستراتيجي “الإسرائيلي” على اتجاهات متباينة، يجمعها الخوف من الانكشاف. وثمة من يطالب بجعل الوجود الأمريكي دائماً داخل الكيان، وهذا ليس طلباً للحماية بقدر ما هو محاولة لتقييد القرار الأمريكي قبل أن تتبدّل البيئة السياسية في واشنطن – وهو اعتراف بأن الثقة بالالتزام الأمريكي لم تعد مسلّمة. وثمة من يرى في الانكفاء فرصة لتولّي الدور الأمريكي على نطاق أضيق، لكن هذا الطرح ينقض نفسه: فمن يطلب الحماية الدائمة لنفسه لا يملك أن يعرض حمايته على غيره، والطموح إلى وراثة الدور الأمريكي يصطدم بحدود القدرة التي كشفتها الحرب نفسها. أما الأكثر إيلاماً فهو الاعتراف بأن ركناً أساسياً في مفهوم الأمن القومي “الإسرائيلي” قد سقط: الاعتقاد بأن حرباً تُخاض بدعم الجيش الأمريكي ورئيس متعاطف في البيت الأبيض كفيلة بإسقاط النظام في طهران. وقد ثبت خطأ هذا الرهان، وامتد أثره إلى الافتراضات السياسية التي حكمت السياسة الخارجية “الإسرائيلية” منذ كامب ديفيد. ومعنى ذلك أن الأزمة ليست في حجم القوات المنتشرة، بل في البنية الفكرية التي قام عليها التصور “الإسرائيلي” للمنطقة.
وهنا يلتقي التحليل “الإسرائيلي” مع حقيقة أعمق: أن المشروع الذي قام على ضمانة خارجية، يعيد اليوم طرح سؤال قدرته على البقاء قوة مهيمنة بقواه الذاتية. والأجدر بالالتفات عربياً أن ما تعدّه تل أبيب خطراً هو في وجه آخر نتيجة مباشرة لما فرضته قوى المنطقة من معادلات، حين جعلت الوجود الأمريكي مكلفاً والحرب غير محسومة. وعليه، فإن السؤال المطروح على العواصم العربية ليس من يملأ الفراغ الأمريكي، بل كيف تُبنى معادلة أمن إقليمي لا تكون “إسرائيل” وصيّة عليها، ولا تستبدل راعياً بآخر.
المشروع الوطني: أزمة وجودية أم فرصة لإعادة التعريف؟
لا يمكن الحديث عن مستقبل المقاومة بمعزل عن الحديث عن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. والحقيقة أن هذا المشروع يعاني من أزمة عميقة لا يمكن إنكارها. منظمة التحرير أصبحت هيكلاً فارغاً، والسلطة الفلسطينية تواجه أسئلة مشروعة حول شرعيتها وفاعليتها، خاصة بعد قبولها التفاوض على خطط أمريكية تهدف إلى تفكيك سلاح المقاومة وإدخال غزة في وصاية دولية جديدة.
لكن الأزمة فرصة؛ هناك إدراك متزايد في أوساط الشعب الفلسطيني، وفي فصائل وطنية وإسلامية وازنة، للحاجة إلى مراجعة المشروع الوطني وإعادة تعريفه. النقاش الذي يدور اليوم – بين خيار الدولة الواحدة الديمقراطية، وخيار إسقاط نظام الأبارتهايد – يعكس حيوية سياسية داخلية لا يمكن تجاهلها، على الرغم من القمع والانقسام.
أما الذين راهنوا على أن طي صفحة المقاومة المسلحة يعني طي الصفحة الفلسطينية كلها، فقد وقعوا في خطأ استراتيجي جسيم. من ردّدوا نصائح – مغلفة برداء إنساني شفاف – لحماس بأن تلقي سلاحها في بواكير الطوفان “لتفادي الأسوأ”، نسوا أن المقاومة فعل تراكمي يورَث من جيل إلى جيل، وأن انتقال راياتها مضمّخة بالدماء هو الضمانة لديمومتها. والمفارقة أن هذه النصائح جاءت من أطراف لم تستطع حتى البرهنة على أن الكارثة لم تكن لتحل بغزة لو صدعت حماس لتلك النصائح. فهل نسي هؤلاء أن الحصار الخانق على غزة استمر سبعة عشر عاماً؟ هل نسوا أن الأقصى كان يُقتحم والمستوطنات تتوسع والأفق السياسي مسدود؟ هل يعتقدون حقاً أن الصبر الفلسطيني لا ينفد؟.
إلى أين تمضي المقاومة؟
المقاومة بعد ثلاث سنوات على الطوفان تواجه مفترقاً تاريخياً؛ ليس أمامها سوى أن تعود إلى الشعب – كل الشعب – وفي مختلف أماكن وجوده. لا حديث عن مستقبل لمقاومة تختزلها فصائل، أو تحتكرها نخبة، أو تحصرها في شكل واحد من أشكال الكفاح. المقاومة التي أعلنت عن نفسها في “عرين الأسود” ومخيمات جنين ومدن الضفة هي مقاومة تتجدد من القاعدة، وليس من القمة. هي مقاومة تشتبك مع الاحتلال في كل نقطة، وتستخدم كل وسيلة متاحة، دون أن تتقيد بأجندة فصيل بعينه.
وثمة حقيقة يجب أن يدركها الجميع: المقاومة ليست وحدها في الميدان. ثمة “فيلق يهودي” من الشباب اليهودي في أمريكا وأوروبا، بات منخرطاً – كما لم يحدث من قبل – في المواجهة مع الصهيونية والأبارتهايد. وثمة حركات تضامن عالمية تعيد اكتشاف القضية الفلسطينية من جديد. هذا السياق الجديد – الذي يتشكل ببطء لكن بعمق – هو الفضاء الذي ستتحرك فيه المقاومة في المرحلة المقبلة.
لقد فشلت كل محاولات تصفية القضية، وفشل مشروع التهجير، وفشل الاحتلال الكامل لغزة، وفشل التفاوض على “سلام اقتصادي”. وفشلت “صفقة القرن”، وفشلت الحملات العسكرية المتكررة. ما تبقى هو الحقيقة البسيطة التي يعرفها كل فلسطيني: هذا الاحتلال، بمشروعه الاستيطاني التوسعي، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. والمقاومة، بأشكالها المتغيرة والمتجددة، هي التي ستكتب الفصل الأخير من هذا الصراع.
المقاومة باقية لأن الاحتلال باق؛ وكل من جلس ينتظر زوالها خلال الثلاث سنوات الماضية، خاب ظنه، وطاشت سهامه. والذين راهنوا على أن جيش الاحتلال سينتصر، وأن “إسرائيل” ستصرف هذا “النصر” إلى مشروع سياسي مستقر، وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً. وفي غزة، حيث يستمر الدمار، وحيث تدفن الملايين أنقاض منازلهم ومستقبلهم، تبقى الحقيقة واضحة: هذا الشعب لم يُهزم. خرج من المعركة وسلاحه بيده، وجاءت المقاومة خرجت من المعركة وسلاحها بيدها، بل انشغل خصومها في كل مرة بكيفية تجاوزها أو القفز من فوقها، فلا انتخابات وطنية من دونها، ولا تسويات في غزة من دون التفاوض معها. صمودها أسقط خطوطاً حمراء كثيرة، ودفع برأس “الاستكبار العالمي” للجلوس على مائدة واحدة معها.
وأما الذين يقولون إن المقاومة “انتهت” أو “انكسرت”، فإنهم لم يفهموا درس الطوفان الأكبر: أن الغرب – بكل قوته – لم يستطع حماية “إسرائيل” من نفسها، ولا من شعب أعزل صمد أمامه شهوراً. فكيف يتوقعون أن يُلغي مشروعاً وطنياً عمره قرون؟.
