دوليات

عودة إلى التصعيد.. البنتاغون يدفع بخطط جديدة للحرب وينفذ “إعادة” انتشار في قواعده

بقلم ابتسام الشامي

أو أن تكون مؤشراً على حرب اتخذ قرارها وتنتظر تحديد ساعة الصفر لإطلاقها، يبقى منسوب التحذير من مغامرة عسكرية جديدة مرتفع نسبياً، مترافقاً مع اظهار نقاط الضعف الأمريكية التي كشفتها الحرب.

خطط عسكرية للحرب

على مسافة قريبة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تحضر الحرب على إيران بوصفها ناخبا في صناديق الاقتراع، يخشى الرئيس الأمريكي من تأثيره في مصير ولايته الجارية وحظوظ حزبه في الفوز بها. وبينما أظهر آخر استطلاع للرأي نشر نهاية الشهر الماضي، تراجع نسبة تأييد الرئيس الأمريكي ​دونالد ترامب​ إلى 32%، وهي أدنى نسبة في مسيرته السياسية، فإن خيار العودة إلى الحرب من بوابة الأمل بتحقيق إنجاز يعيد تعويم ترامب والحزب الجمهوري في أوساط الناخبين الأمريكيين، يتقدم في هذه المرحلة، بعد فشل ضغط الحصار الاقتصادي في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه الحرب لناحية إخضاع إيران، ودفعها إلى تقديم تنازلات تخص سيادتها واستقلالية قرارها.

وعلى الرغم من إعلان ترامب أنه لن يشن هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد المقررة في 3 تشرين الثاني المقبل، انشغل الإعلام الأمريكي في تداول خطط عملية أعدتها وزارة الحرب لاستئناف الحرب. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز فإن القوات الأمريكية تستعد لشن هجوم واسع النطاق على إيران قد يستمر نحو 72 ساعة. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين أن الخطط العسكرية المحدثة تتضمن حملة مكثفة تستهدف قدرات إيران العسكرية ومنشآت حيوية، فيما أفاد موقع “أكسيوس” بأن البنتاغون أصدر أوامر إلى القيادة المركزية باستكمال الاستعدادات لمواصلة الهجمات، من دون تحديد موعد لتنفيذها. وبحسب نيويورك تايمز، ناقش كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية الخطط العسكرية المحدثة خلال اجتماع عقد في كامب ديفيد الجمعة الماضية، برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس. وتشمل الخطة المقترحة حملة عسكرية مكثفة تستمر نحو ثلاثة أيام، مع التركيز على مخزونات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، التي استعاد الحرس الثوري جزءاً كبيراً منها، إلى جانب منشآت الطاقة ومراكز القيادة.

تأتي هذه المعلومات بعدما كان مسؤولون أمريكيون قد أشاروا إلى أن ترامب رفض خمس خطط لعمليات عسكرية ضد إيران أو أنصار الله في اليمن خلال الأشهر الأخيرة، ما يعكس تبايناً في الخيارات بين المؤسسة العسكرية وصانع القرار السياسي في البيت الأبيض.

وفي إطار الاستعدادات، يتحدث موقع إكسيوس عن “نشر ثلاث حاملات طائرات أمريكية في الشرق الأوسط، للمرة الأولى منذ عام 2003، إلى جانب أكثر من 20 ألف جندي ومئات الطائرات”، مشيراً إلى أن القيادة المركزية الأمريكية تلقّت توجيهات باستكمال الاستعدادات العسكرية، فيما لم تتضمن الأوامر موعداً محدداً لاستئناف الهجمات.

ونقل الموقع عن مصادر أمريكية وإسرائيلية أن هجمات محتملة قد تقع قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أو قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، مع احتمال استهداف البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية الإيرانية إذا تقرر توسيع العمليات.

الحرب على إيران قيّدت الانتشار الأمريكي

وبينما ترتفع مؤشرات التصعيد ضد إيران تتوقف الصحف الأمريكية عند مفارقة اضطرار الولايات المتحدة الأمريكية إلى تنفيذ إعادة انتشار لقواتها وقطعها العسكرية، وهو ما جرى بالتحديد في قاعدة فيرفورد في بريطانيا، القاعدة التي زعمت الاستخبارات البريطانية أنها أحبطت مخططاً لهجوم إيراني كان سيستهدفها. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن قرار واشنطن قبل أيام سحب 12 قاذفة “بي-1” من القاعدة العسكرية لم يكن مجرد إعادة انتشار روتينية، كما حاول الرئيس دونالد ترامب تصويره، بل جاء بعد معلومات “محددة وموثوقة” عن مخطط لشن هجوم بمسيّرات من محيط القاعدة على الطائرات والجنود الأمريكيين. وترى الصحيفة أن القرار يمثل حلقة جديدة في سلسلة تراجعات اضطرت إليها واشنطن منذ بدء الحرب على إيران في 28 شباط الماضي.

وتتوقف الصحيفة الأمريكية عند الدلالات السياسية التي انطوى عليها القرار، وفي مقدمها أن الحرب – التي أرادها ترامب استعراضاً للقوة – قيّدت قدرة الولايات المتحدة بدلاً من تعزيزها. فقد أُجلِي أفراد من قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، بعدما تعرض بعضها لأضرار كبيرة، فيما أصبحت إعادة بنائها موضع تردد داخل البنتاغون.

ويعني هذا الانسحاب، بحسب الصحيفة، أن القاذفات الأمريكية ستحتاج – عند تنفيذ ضربات جديدة – إلى التحليق من الأراضي الأمريكية لمسافات أطول، مع حاجة كبرى إلى التزود بالوقود. أما مجموعات حاملات الطائرات الموجودة في بحر العرب، فعليها الاعتماد على الإمداد من قاعدة دييغو غارسيا على بعد نحو 2200 ميل من الخليج، ما يضيف أسابيع وتكاليف ضخمة إلى العمليات.

وإذ أصر ترامب على أن الأمر لا يعدو كونه مسألة عادية، وحاول وزير خارجيته، ماركو روبيو، التقليل من شأن الخطوة مشيراً إلى أن البنتاغون “يعيد باستمرار توزيع الموارد وتوجيهها إلى حيث تقتضي الحاجة”، غير أن الأمر بدا بحسب نيويورك تايمز “مثالاً صارخاً آخر على اضطرار ترامب ووزير دفاعه، بيت هيغسيث، مراراً وتكراراً إلى التراجع وسحب قوات عسكرية كانت قد نُشرت في الشرق الأوسط وبريطانيا كقوة ردع”. وتضيف الصحيفة أنه مع استمرار الصراع وتطاول أمده خلال الأشهر الماضية، كشفت الحرب على إيران عن نقاط ضعف أمريكية جديدة وجسيمة، ما فرض تغييرات لم تكن في حسبان البنتاغون قبل عام من الآن، كما شكلت هذه الحرب “درساً قاسياً حول العواقب غير المقصودة التي تمخضت عن قرار ترامب بشن حرب باختياره وإرادته”. والأهم من ذلك كله، أن “عمليات الانسحاب السريع لقنت الإيرانيين، وربما خصوماً آخرين، درساً مفاده أنهم يمتلكون القدرة على طرد قوة عظمى. فقد أخرجت القاذفات على عجل من قاعدة “فيرفورد” الجوية في بريطانيا بعد أن تلقى القادة معلومات محددة وموثوقة تفيد بأن عناصر تخطط لشن هجمات بطائرات مسيرة تستهدف تلك الطائرات والقوات الأمريكية من مواقع قريبة جداً من سياج القاعدة، ما دفع البنتاغون إلى إعادة صياغة فهمه لنقاط الضعف العسكرية.

إيران تكسر التفوق الأمريكي

وحول ما يعكسه قرار سحب 12 قاذفة “بي-1” من قاعدة فيرفورد البريطانية، تُبرز صحيفة واشنطن بوست ما تعتبره الجانب الأكثر إثارة للقلق، حيث تمكنت إيران، على الرغم من التفوق الأمريكي والإسرائيلي الساحق عسكرياً، من استخدام المسيّرات والتهديدات السيبرانية والعمليات غير المباشرة لإبقاء خصمها في حالة تأهب.

وإذ تشير الصحيفة إلى خطاب ألقاه وزير الدفاع بيت هيغسيث أمام قوات أمريكية الأسبوع الماضي، ردّد فيه تصريحات الرئيس دونالد ترامب حول إيران “المهزومة المدمرة قوتها البحرية وقواتها الجوية وقيادتها وقاعدتها الدفاعية بأكملها، ما أدى إلى شل قدراتها التقليدية وكشف طموحاتها النووية المحطمة” للعالم، تقول إن الولايات المتحدة بدأت بعد أيام الخطاب، وبشكل سري في سحب قاذفاتها من طراز بي-1 من قاعدة عسكرية شديدة الحراسة في الريف البريطاني، هرباً مما وصفه مسؤولون أمريكيون خطر هجوم “أسراب الطائرات المسيرة” الكارثي المحتمل الذي تخطط له إيران. وتضيف أن “إجلاء الطائرات الأمريكية من القاعدة الجوية البريطانية، تؤكد قدرة إيران المستمرة على استخدام التهديد بالحرب غير المتكافئة على الرغم من تفوق الولايات المتحدة وإسرائيل عليها عسكرياً”. وبحسب الصحيفة، لم تكتف طهران باستخدام التهديد بالهجمات غير التقليدية لدفع الولايات المتحدة على نقل عشرات القاذفات بعيدة المدى على عجل، بل سعت أيضاً إلى إحداث فوضى في أسواق الطاقة العالمية وتهديد سلامة طائرة الرئاسة الأمريكية (إير فورس ون) وذلك على الرغم من تصريحات مسؤولي إدارة ترامب المتكررة بأن الحرب قد انتهت. ويقول خبراء الأمن إن استخدام إيران للتكتيكات غير التقليدية أو حتى مجرد التهديد بها في بعض الحالات، مكنها من تحقيق سلسلة من الانتصارات الرمزية والتكتيكية اللافتة.

وتنقل الصحيفة عن أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة جورجتاون دانيال بايمان، قوله “لا أعتقد أن أحداً، بمن فيهم الإيرانيون، كان يعتقد في البداية أنهم قادرون على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما من أفضل الجيوش والقوات الجوية في العالم، وخوض معركة متكافئة. ومع ذلك، فقد مرت سبعة أشهر ونصف على هذه الحرب، ولا تزال إيران تلحق الضرر، وهذا أمر لافت للنظر حقاً”.

وهم النصر الحاسم

وبينما يكرر الرئيس الأمريكي حديث النصر الذي وعد به منذ بداية الحرب على إيران، تماماً كما فعل رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو على مدار عدوان كيانه على قطاع غزة، فإن النصر العسكري الحاسم في الحروب الحديثة غالباً ما يكون وهماً خطيراً يطيل الحرب بدل وقفها، وفق ما تذهب إليه مقالة في صحيفة فورين أفيرز الأمريكية، مشبهة مفهوم النصر العسكري بالأسطورة الخطيرة. وتقول إن جميع الحروب الحديثة تنتهي بتسويات تفاوضية، وهي ليست خياراً ثانوياً. فلكي تتوقف الحرب، يجب أن يقرر الطرفان التوقف عن القتال، وهذا القرار يتطلب دائماً قدراً كبيراً من التفاوض. وبالطبع، للقوة أهميتها، فهي ما يفصل الحرب عن السياسة في زمن السلم. لكن دورها هو تشكيل التسوية، لا إفناء العدو، وهو أمر لا يحدث إلا نادراً. وترى المجلة أن “أسطورة” النصر العسكري أدت مراراً إلى دفع الحكومات نحو بدء الحروب أو إطالتها، استناداً إلى افتراضات خاطئة حول كيفية انتهائها، وهو ما وقعت فيه الإدارة الأمريكية التي اعتقدت أن القوة يمكن أن تجبر إيران على الاستسلام غير المشروط، لكن “النتيجة كانت أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في حالة جمود…. كما أدى اقتناع حكومة نتنياهو بأنها قادرة على هزيمة حماس عسكرياً إلى إطالة أمد الحرب على غزة، سعياً وراء هدف متعذر التحقق. كذلك، أفضى توقع بوتين تحقيق نصر في ميدان المعركة في أوكرانيا إلى إغراق البلدين في حرب لا تبدو لها نهاية واضحة”. والآن، تضيف مجلة فورين أفيرز، أن حرب ترامب على إيران تقدم مثالاً آخر. فقد حدد البيت الأبيض أهدافاً مختلفة، وصمّم حملته منذ البداية لإجبار إيران على ما وصفه الرئيس بـ “الاستسلام غير المشروط”، لا للإمساك بأوراق قوية على طاولة المفاوضات. و “ما فعلته الولايات المتحدة في الأسابيع الأولى من الحرب، من شن هجمات مفاجئة في خضم محادثات جارية، وخرق لاتفاقات سابقة، وقتل مسؤولين كانت واشنطن قد حددتهم بوصفهم أكثر استعداداً للتفاوض، ليست تكتيكات تهدف إلى تعزيز الاتفاق. فلقد ترك توقع النصر العسكري إدارة ترامب من دون تصور لكيفية إنهاء القتال، حتى في الوقت الذي تتزايد فيه التكاليف التي بلغت مليارات الدولارات، والضغوط على إمدادات الأسلحة، والاضطراب الاقتصادي الواسع”.

خاتمة

قد يلجأ الرئيس الأمريكي إلى خيار الحرب ضد إيران مجدداً بعنوان الضرورة الملحة لإنقاذ وضعه السياسي، لكن نتائجها ليست محسومة، فإذا كان قد دخل الحرب الماضية بسقف عال من الأهداف التي تكسرت على أبواب الصمود الإيراني، فإن الحرب الجديدة ستكون مثقلة بتداعيات فشل الجولة الماضية، ورهناً بقدرات إيران التي أعدتها للمواجهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *