أول الكلام

يوم.. من حياة مواطن عادي

بقلم غسان عبد الله

هو فجرٌ آخَرُ من عمرِكَ،‏ يُقبِلُ نحوكَ موشوماً بحنينٍ،‏ يتقطَّرُ من دالية الصمتِ،‏ فتبدو،‏ وكأنك فوق سريركَ بصمةُ موّالٍ،‏ في جبهة عصرٍ‏ معصوبِ الأجفانْ..‏ يتقدَّمُ فنجانُ القهوةِ منكَ،‏ ورائحةُ البُنِّ العذبةُ‏ تسبِقها إشراقةُ ثغرِ طفلتكَ التي أعادتك إلى جادة الحياة،‏ يلوحُ كسُنْبُلَةٍ خضراءَ‏ على أبخِرَةِ الفنجانْ،‏ وامتزَجَ الهمسُ مع الهمسِ‏ رخِيّاً بعضَ الوقتِ،‏ ومن ثَمّ ابتدَأَت آنِيَةٌ‏ من أَرَقٍ يوميٍّ،‏ تتزاحمُ حيناً‏ وتُصاوِلُ أحياناً أُخرى،‏ يندَلِقُ الماءُ على النارِ،‏ وتَنْصَبُّ النارُ على الماءِ،‏ فتنكَسِرُ الآنَيَةُ الملأى بشُؤونِ العيشِ،‏ وتَصْهِلُ من بين شظاياها‏ زوبعةُ الأشجانْ.‏

ولكي تقتُلَ بعضَ الوقتِ،‏ تمُدُّ أصابعَ كفِّكَ نحو المِذياعْ.‏. كانت نشرةُ أخبارِ العالَمِ،‏ تلبِسُ قُبَّعةً جرداءَ مُلَثَّمَةً،‏ ويُراوِدُها القلمُ المحقونُ‏ بشتّى ألوانِ الحَمَأِ المسحورِ،‏ فتُغْمِضُ عينيكَ، وتَصغي،‏ فلعلّكَ تسمعُ عن ثوبٍ ورديٍّ،‏ يَمْرُج فوق رمال الصحراءِ،‏ ويمتدُّ شِراعاً خلفَ شِراعْ.‏. الغَصَّةُ وقفَت في الحَلْقِ…‏ اعتَرَضَت مجرى النَفَسِ المكتومِ.‏ وأنتَ تحاولُ عَبَثاً معها،‏ كي تنصاعَ وتهبِطُ نحو القاعْ،‏ لكن الغصَّة تأبى إلاّ أن تبقى‏ واقفةً في الحَلْق‏ مساميرَ من اليأْسِ،‏ ولا تنْصاعْ.‏. تخرُجُ من بيتِكَ نحو الشارعِ،‏ مشحوناً ببخارِ همومِكَ،‏ والصمتُ يُغرِّدُ‏ فوق غُصونِ القلبِ المُلْتاعْ.‏

يَتَدَرَّجُ إحساسُكَ فوق رصيفِ الشارعِ‏ مغْتَرِبَ الخَطَواتْ،‏ تتلَوّى في عُمق براعِمِه رائحةُ الحلمِ،‏ ويصْعَدُ نحو جناحيه المنشوريْنِ‏ شَتاتُ الرَغَباتْ.‏ رَمِّمْ سُلَّمَكَ الموسيقيَّ المشروخَ،‏ وأنتَ تسيرُ‏ ووازِنْه على ِشَجَرِ النخْلِ،‏ فقد تختلِطُ الدرجاتُ العليا بالسفلى،‏ والهَذَيانُ المحمومُ من الوَلَهِ الصافي،‏ فتُعَلَّقُ من حُلمِكَ كالنوّاس التائِهِ‏ بين مَواتٍ وحياةْ.‏

تأخُذُكَ الحالُ،‏ وتذهبُ في الوهمِ بعيداً،‏ لم تدْرِ متى أغمَضَتِ العينينِ يداكَ..‏ متى ارتَمَتِ الروحُ على قارعة الموتِ.‏. ولكنْ.. في لحظة وعْيٍ ضائعةٍ،‏ تُبصِرُ بسمَةَ جنى العمر،‏ كما يُبصِرُ في الحُلْمِ الحالمُ،‏ كيف تَهِلُّ عليكَ قَرُنْفُلَةً والِهَةً،‏ حين جَثَوتَ،‏ وحين دنوتَ صمَوتاً‏ من عالَمِكَ السُّفْلِيِّ،‏ وحين أحاطت شاتِمَةً..‏ صارخةً بكَ‏ أبواقُ السياراتْ.‏

****‏

تجلسُ في كُرْسِيِّكَ،… كم مرَّ من الأعوامِ‏ وأنتَ تغوصُ وتغرَقُ؟!..‏ والبحرُ يناوِشُ أوتارَ حياتِكَ‏ بالموجِ العاتي المُلْتَطِمِ‏ ويوجِّهُ أسماكَ القَرْشِ،‏ ويُطلِقُ في النفْسِ الكُرْبَةَ،‏ علَّ النفْسَ تُمزَّقُ‏ في جِيناتِ العمْرِ المُنْحَطِمِ..‏ تقذِفُ عيناكَ الجدرانَ،‏ فيرتدُّ صدى النظَراتِ إليكَ‏ خيوطاً تتشابكُ واهنةً..‏ تبحثُ في أدراج الطاولةِ‏ المزروعةِ بالأشكال الورَقيَّةِ،‏ عن عمَلٍ يُلهيكَ.‏. وهذا العملُ اليوميُّ المفروضُ عليكَ‏ سَحابٌ مُغْبَرٌّ،‏ لا يُمطِرُ غيرَ السَّأَمِ.‏. تكتبُ صفحاتٍ زائفةَ المعنى،‏ تصنعُ منها بوقاً أبْلَهَ،‏ يُنفَحُ فيه،‏ فينزَلقُ الصوتُ إلى الآذانِ،‏ وتَلفِظُه ذائقةُ الأذهانِ.‏. عيالُكَ ينتظِرون ضَروراتِ العيشِ،‏ فلا بأسَ إذا ما تكتُبُ،‏ حتى تصعَدَ من حبر القلمِ‏ رائحةٌ تملأُ صدرَكَ‏ بالشجَنِ المنهوكِ وبالسَّأَمِ.‏. سأمٌ يهبِطُ منكَ إلى الكُرْسِيِّ،‏ وينهضُ من بين قوائمِه سأَمٌ،‏ يَنْبُشُ في الوجدان مخالِبَهُ،‏ حتى تخرُجَ من نافذة القلبِ المضطَرِمِ‏ دَفَقاتٌ آهِلَةٌ بشَميم الزَّفَراتِ،‏ وترحلُ في أنهار الجسمِ‏ صلاةٌ طافحةٌ بالأَلَمِ.‏.

ماذا يبقى من يومِكَ..!!؟.‏. أَمْضَيْتَ نهارَكَ،‏ تَنْصاعُ يميناً وشِمالاً،‏ وتُكَدِّسُ بين قوافيكَ عناءً يتَطاوِلُ..‏ يرغَبُ أن يصْعَدَ نحو أَنينِ الإيضاحِ،‏ فتُضْمِرُه تحت سِماتِكَ محتَقَناً‏ في قاعاتِ الصمّتْ.‏. هي بَضْعةُ ساعاتٍ،‏ يقْرِضُها الليلُ بظُلْمَتِهِ،‏ والظُّلْمَةُ عاتِيَةٌ كجنونِ البحرِ‏ تحاولُ أن تترامى وادِعَةً‏ في بَوْتَقَةِ الإيهامِ،‏ وأنتْ‏.. روحٌ،‏ يتَأَرْجَحُ فيكَ الوَسَنُ السِّحْرِيُّ..‏ يغوصُ إلى رؤياكَ،‏ وأنتْ‏.. جسدٌ تتخَدَّرُ أضلُعُهُ،‏ وتنوسُ قناديلُ مشاعرِهِ،‏ حين تدورُ على مَهَلٍ مروَحَةُ الوقتْ،‏ وتجيئُكَ شُعْلَةُ أطْيافٍ،‏ تتواثَبُ فيكَ،‏ وتخرجُ منكَ،‏ وترتَدُّ إليكْ.‏

يتَلَقّاكَ جوادٌ يصهِلُ مغترِباً،‏ فتطيرانِ معاً،‏ وتمُدّانِ رجيعَ الحزنِ إلى الآفاقْ.‏. تندهِشُ عفاريت الجنِّ،‏ وتنفُثُ غَيْمَةَ نارٍ في مسْراكَ،‏ فتنسَرِبُ الرِّئتانِ إلى شُرُفاتِ الموتِ،‏ وتلقى نفْسَكَ مهجوراً‏ بين عَزيفٍ في البيْداءِ،‏ وبين حفيفٍ يَغْزِلُه مُجتَمَعُ الأوراقْ.‏. ينغلِقُ المشهدُ..‏ تهبِطُ قربَكَ، من أعلى، كرَةٌ جَوْفاءُ،‏ فتَلْمِسُها بيدَيْكَ،‏ فتنفتِحُ الأبوابُ، وتدخُلُ،‏ تنغَلِقُ الأبوابُ،‏ وتجري الكرةُ الجوفاءُ على زَبَدِ الموجِ‏ نهارَيْنِ وليلَيْنِ.‏ ومن ثَمَّةَ تُلقيكَ إلى أَنْأى جُزُرِ اللهِ‏ عن الناسْ‏ وعنِ الوَسْواسِ الخَنّاسْ.‏ وهناك تعيشُ على ما تُنتِجُه الأدغالُ‏ مَديدَ العُمْرِ.. فريداً،‏ حتى تصبحَ لِحْيَتُكَ البيضاءُ‏ تُلامِسُ قدَمَيْكَ،‏ وحتى تَعجَزَ عن حَمْلِ الكَفِّ‏ مع الكفِّ‏ وتسْنُدَ ذاكَ الراْسَ على حجَرٍ،‏ وتظَلُّ زماناً مسلوبَ الإحساسْ.‏

ينغلِقُ المشهَدُ..‏ يأتيكَ جَوادُكَ ثانيةً..‏ ترتَدُّ بكَ الأزمانُ إلى وجَعِ الشرقِ‏ النائِمِ في كَهْفِ أهالي الكَهْفِ.‏. ألا.. ليتَ إذنْ،‏ ينسكِبُ الضَّوْءُ على الأرضِ،‏ ويسحَبُ أذيالَ الوَهمِ‏ سَرابُ الصيفِ عن الأحداقْ،‏ وتميلُ تضاريسُ بلادِكَ طائعَةً نحوَكَ،‏ حين وقفتَ،‏ وحين مَشَيتَ،‏ فتَنْهَدُّ جبالٌ لتعودَ سُهولاً،‏ وتقومُ وِهادٌ..‏ فتكونَ روابِيَ شامِخَةَ الأعناقْ.‏ تشْخَصُ قُدامَكَ ألواحُ الحاضرِ والآتي…‏ تُغريكَ على أن تقرَأَ ما هو منقوشٌ.‏. فاقرَأْ..‏ وانسَخْ بمِدادِ فؤادِكَ،‏ ما تُبْصِرُ من أسرارٍ عاصِيَةٍ،‏ عَلَّكَ تعرفُ كيف يمُدُّ العَرْشُ قوائمَه،‏ حتى يشْمُلَ سُكّانَ الحاضِرِ والبادي،‏ ويصيرَ غُرابُ البَيْنِ رسولَ الأشواقْ.‏ ولَعَلَّكَ تعرِفُ كيف تُوَزَّعُ،‏ بين غَرابِينِ الدنيا،‏ قائمةُ الأرزاقْ.‏ وأوانَ ابْتَدَتْ تُشْرِقُ روحُ العُرْفانِ،‏ وتُنْبِتُ وَحْياَ نَبَوِيّاً،‏ تنطَلِقُ سِهامٌ رَعْناءُ،‏ وتَقْطُنُ بين الخاصِرَتَيْنِ،‏ فآ…. هْ.‏ تسقُطُ صرَخَتُكَ الكَلْمى‏ من شَفَق القلبِ‏ على هيئةِ طيرٍ مُغتالٍ،‏ فتُرَفرِفُ أجنِحَةُ الوَلَهِ الأخضرِ‏ عند قِبابٍ خضراءَ..‏ فآ….هْ.‏ تنفتحُ الأبوابُ القُدْسِيَّةُ..‏ في البيتِ القُدسِيِّ‏ ويرْتَعِشُ الطيرُ ويدخُلُ مِحْرَابَ اللهْ.‏ وترى أنّكَ تستيقِظْ من حُلمِكَ،‏ حين يَدٌ حانِيَةٌ تلمِسُ وجهَكَ،‏ والأُخرى تحملُ فنجانَ القهوَةِ.‏. تُدرِكُ أنّ حياتَكَ‏ تستقبِلُ يوماً آخَرَ،‏ فانْهَضْ حتى تلقاهُ،‏ وتعرِفُ كيف تراهْ،‏ فلعلَ مفاتيحَ مناهِلِه‏ تتوَرَّدُ بين خُطاكَ،‏ وتُصبِحُ بين يديكَ مرايا الأرضِ‏ سفينةَ كشْفٍ بارِقَةً،‏ تسبحُ وادِعةً في مَجْراهْ.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *