إيران وأمريكا على حافة الصدام: توازن هش في الشرق الأوسط
بقلم زينب عدنان زراقط
تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، حيث تتداخل الملفات النووية والعسكرية والاقتصادية في مشهد واحد يصعب فصله إلى مسارات مستقلة. التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مجرد خلاف تقني حول تخصيب اليورانيوم، بل أصبح عنواناً لصراع أوسع على النفوذ والردع ومكانة القوى الإقليمية في النظام الدولي.
وفي موازاة ذلك، تتحرك إسرائيل ضمن حسابات أمنية دقيقة، بينما يقف لبنان والخليج في قلب المعادلة، بين احتمالات التصعيد ومشاريع التسوية.
المفارقة أن التصريحات المتشددة لا تُترجم إلى حرب، وأن الجمود التفاوضي لا يتحول إلى قطيعة نهائية. الجميع يتحرك ضمن مساحة رمادية، تحكمها اعتبارات الكلفة والردع وتوازن المصالح. ومن هنا، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة منها إلى حسم عسكري أو اتفاق سياسي شامل. لفهم هذه اللحظة، لا بد من تفكيك عناصرها الكبرى: النووي والردع، حسابات واشنطن وتل أبيب، ثم موقع لبنان والخليج في قلب الصراع.
فهل المنطقة أمام حرب كبرى تتشكل ملامحها ببطء، أم أمام إدارة صراع طويلة الأمد تُبقي الجميع في حالة استنفار دون انفجار؟ هل انتهت المفاوضات النووية فعلاً، أم أنها تحولت إلى أداة ضغط سياسي متبادل لا أكثر؟ هل يشكّل لبنان جبهة بديلة لتصفية الحسابات، أم بوابة لإعادة ترتيب النفوذ عبر الاستثمار والإعمار؟ وهل يبقى الخليج خطاً أحمر يمنع المواجهة، أم يتحول إلى نقطة تحوّل تعيد رسم توازنات النظام الدولي؟
أولاً: النووي والردع… من أزمة تخصيب إلى صراع سيادة وتوازنات
تُطرح فكرة الضربة الأمريكية لإيران بوصفها خياراً قائماً، لكن تحليل موازين القوى يكشف تعقيدات كبيرة. فالحرب القصيرة المحدودة قد تكون ممكنة نظرياً، غير أن الانزلاق إلى مواجهة طويلة يعني استنزافاً متبادلاً، وتهديداً مباشراً للقواعد الأمريكية ولحلفائها، وإغلاق مضيق هرمز. فإيران راكمت قدرات صاروخية دقيقة وطائرات مسيّرة قادرة على إرباك أنظمة الدفاع، كما أن انتشار القواعد الأمريكية في المنطقة يجعل أي مواجهة عرضة للتوسع. وقد أظهرت التجارب الحديثة، وخصوصاً في البحر الأحمر، أن التفوق الجوي التقليدي لم يعد كافياً لحسم الصراع، وأن حتى حاملات الطائرات يمكن أن تصبح أهدافاً في بيئة صاروخية كثيفة. في الوقت نفسه، تُظهر المناورات الإيرانية المشتركة مع روسيا استعداداً لمواجهة محتملة وتعزيزاً للقدرات التكتيكية المشتركة، ما يزيد من تعقيد أي عملية عسكرية محتملة ويُرسخ حالة الردع المتبادل. من هنا، لا يكمن السؤال في قدرة واشنطن على توجيه ضربة، بل في قدرتها على تحمّل تداعيات الرد الإيراني واحتمال تحوّل المواجهة إلى استنزاف إقليمي يشمل إسرائيل والخليج، بما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية وسياسية عالمية.
في هذا السياق، لم يعد الملف النووي الإيراني مجرد نقاش تقني حول نسب تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل تحوّل إلى عنوان صراع أوسع يتعلق بالسيادة والهوية الاستراتيجية ومكانة الدولة في النظام الدولي. فمن جهة، ترى إيران أن امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية حق مشروع لا يمكن التنازل عنه تحت الضغط، وأن أي صيغة تفاوضية تمس هذا الحق تُقرأ كإخلال بالتوازن واعتداء على القرار الوطني. ومن جهة أخرى، تنظر الولايات المتحدة إلى أي قدرة تخصيب متقدمة باعتبارها إمكانية كامنة للتحول العسكري، حتى إن لم يُعلن ذلك رسمياً، ما يجعل الثقة بين الطرفين عنصراً مفقوداً في المعادلة.
وقد تفاقمت هذه الفجوة مع الإصرار الإيراني على الفصل بين الملف النووي وبرنامجها الصاروخي البالستي، باعتبار الأخير جزءاً من منظومة ردع تقليدية لا علاقة لها بالتزامات نووية. هذا الفصل يضع سقفاً واضحاً للتفاوض، ويجعل أي محاولة لربط المسارين مدخلاً لتعليق المباحثات بدل تقدمها. وفي المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة لمنح طهران اعترافاً غير مشروط بحقها في التخصيب، ما يخلق حالة جمود تفاوضي: لا انهيار رسمي للمسار، ولا اختراق فعلي يُفضي إلى اتفاق شامل.
وفي خلفية هذا الجمود، تتشكل معادلة ردع متبادلة. فإيران تراكم قدرات صاروخية متطورة، بعضها يعتمد مسارات خارج الغلاف الجوي ثم يعاود الهبوط بسرعات عالية، ما يطرح تحديات أمام أنظمة الدفاع الجوي التقليدية. أما إسرائيل، التي ترى في هذا التطور تهديداً مباشراً، فتعتمد منظومات دفاعية مثل القبة الحديدية، لكنها تدرك أن أي مواجهة واسعة قد تتجاوز قدرة هذه الأنظمة على توفير مظلة كاملة. هنا يتحول الردع من مفهوم نظري إلى عنصر عملي يمنع الأطراف من الذهاب بعيداً في التصعيد.
وهكذا، لم تعد الأزمة مجرد خلاف حول أجهزة الطرد المركزي، بل صراعاً على رسم حدود القوة في الإقليم: من يملك حق الردع؟ ومن يحدد سقف القوة المقبولة؟ وأي تنازل في هذا السياق يُفهم بوصفه تراجعاً استراتيجياً يصعب تعويضه لاحقاً.
ثانياً: بين حسابات واشنطن ورهانات تل أبيب… لماذا لا تقع الحرب؟
على الرغم من التصعيد الإعلامي والتلويح المتكرر بالخيار العسكري، لم تتحول الأزمة إلى مواجهة شاملة. تفسير ذلك يكمن في طبيعة الحسابات الأمريكية والإسرائيلية على السواء. فالقرار في الولايات المتحدة ليس اندفاعاً سياسياً آنياً، بل عملية معقدة تمر عبر مؤسسات تشريعية وعسكرية واقتصادية. أي ضربة واسعة لإيران تعني احتمالية ردود تمتد إلى القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج، وتعريض خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة للخطر. وهذا ليس مجرد تهديد عسكري، بل مخاطرة اقتصادية عالمية قد تنعكس على الدولار والأسواق وأسعار النفط.
إضافة إلى ذلك، فإن أي مواجهة مفتوحة قد تخلق فراغاً استراتيجياً تستفيد منه قوى كبرى تراقب المشهد عن كثب، مثل روسيا والصين. فالخليج ليس ساحة إقليمية فحسب، بل عقدة في شبكة الطاقة العالمية، وأي اضطراب كبير فيه قد يعيد توزيع النفوذ الدولي. هذا الاحتمال يرفع كلفة المغامرة العسكرية، ويجعل خيار الحرب قراراً ذا تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط.
أما في إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، فتبرز رغبة واضحة في منع إيران من تعزيز قدراتها الاستراتيجية، غير أن القدرة على تنفيذ ضربة حاسمة تبقى مشروطة بدعم أمريكي مباشر. فالمسافة الجغرافية، وتعقيد الأهداف، واحتمال الرد المتعدد الجبهات، كلها عوامل تجعل أي تحرك منفرد مغامرة غير مضمونة النتائج. لذلك، يظل الخطاب الإسرائيلي مرتفع السقف، بينما يبقى القرار العملي محكوماً بتقدير المخاطر، مع احتمال أن يكون الرئيس السابق دونالد ترامب قد أوعز لنتنياهو بالتوسع في لبنان والضفة الغربية لإشغال إسرائيل عن إيران وتقليل تركيزها على الرد المباشر.
في هذا السياق، يمكن فهم المرحلة الراهنة بوصفها إدارة توتر مدروسة: ضغط اقتصادي وعقوبات، رسائل عسكرية محدودة، مناورات بحرية، وتسريبات إعلامية، من دون تجاوز العتبة التي قد تؤدي إلى اشتباك شامل. إنها سياسة حافة الهاوية، تُبقي الأطراف متيقظة، مع احتمال أن تُستثمر بعض الجبهات الثانوية، مثل لبنان والضفة الغربية، لإلهاء إسرائيل وتقليل تركيزها المباشر على إيران، من دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
ثالثاً: لبنان والخليج… ساحتا الاختبار بين التصعيد والتسوية
يحتل لبنان موقعاً حساساً في هذه المعادلة. فالجنوب اللبناني يمثل تاريخياً نقطة تماس مع إسرائيل، وأي تصعيد فيه قد يتحول سريعاً إلى مواجهة واسعة. غير أن فتح جبهة شاملة هناك يحمل كلفة بشرية وسياسية عالية، سواء على الداخل اللبناني الهش أو على الأطراف المنخرطة في الصراع. ومن هنا يبرز مساران متوازيان: مسار الردع، ومسار الاستثمار.
من جهة، يبقى سلاح حزب الله عنصراً أساسياً في معادلة الردع جنوباً. الدعوات إلى نزعه تصطدم بسؤال جوهري حول البديل: هل تمتلك الدولة اللبنانية قدرة عسكرية كافية لملء الفراغ وضمان حماية الحدود؟ في غياب إجابة حاسمة، يستمر الجدل بين منطق الدولة ومنطق التوازن الأمني، ويبقى الملف معلقاً بين الاعتبارات السيادية والوقائع الميدانية.
من جهة أخرى، يبرز طرح يقوم على تحويل الجنوب إلى مساحة إعادة إعمار واستثمار، بما يخفف من احتمالات الانفجار. إدخال رؤوس أموال خليجية ودولية، وربطها بمسار سياسي داخلي، قد يخلق دينامية مختلفة تعيد ترتيب الأولويات. في هذا السياق، يُنظر إلى شخصيات سياسية لبنانية -عادت لتظهر على الإعلام مجدداً- باعتبارها قادرة على لعب دور الوسيط بين الدعم الخليجي والغطاء الدولي، ما يفتح باباً لتسوية غير عسكرية في الساحة اللبنانية.
أما الخليج، فيبقى مركز الثقل الذي يمنع الانزلاق. أي اضطراب واسع في أمنه البحري أو منشآته النفطية لا يعني خسائر محلية فحسب، بل صدمة في الاقتصاد العالمي. لذلك يشكّل الخليج خطاً أحمر غير معلن، تدرك جميع الأطراف أن تجاوزه قد يقود إلى تداعيات يصعب احتواؤها. هنا تتلاقى المصالح الدولية على منع الانفجار، حتى لو استمر التوتر السياسي والعسكري.
في المحصلة، تبدو المنطقة عالقة في مرحلة “تعليق استراتيجي”: لا اتفاق شامل يطوي صفحة الصراع، ولا حرب كبرى تفصل بين مرحلتين. النووي الإيراني يتحرك ضمن حدود مدروسة، والردع الإسرائيلي قائم دون حسم، والولايات المتحدة توازن بين الضغط وتجنب المغامرة، ولبنان يتأرجح بين احتمالي الاشتباك والاستثمار، فيما يبقى الخليج صمام أمان اقتصادياً وجيو/سياسياً.
ختاماً، معادلة الردع أطول عمراً من الحرب تكشف قراءة المشهد أن المنطقة لا تُدار بمنطق الشعارات، بل بمنطق الحسابات الدقيقة. الحرب ممكنة من حيث القدرة، لكنها مكلفة من حيث النتائج. والتسوية ممكنة من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى تنازلات لا يبدو أن أي طرف مستعد لتقديمها بسهولة. لذلك يستمر التعليق الاستراتيجي كخيار مؤقت يتحول تدريجياً إلى حالة دائمة.
يبقى النووي عنواناً للصراع، لكن جوهره هو توازن القوى. ويبقى لبنان ساحة حساسة، لكن مستقبله مرتبط بقدرته على التحول من خط تماس إلى مساحة استقرار. ويبقى الخليج العامل الحاسم الذي يمنع الانفجار الشامل بسبب وزنه في الاقتصاد العالمي.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن أحداً مستعد للمقامرة بكل شيء. الردع المتبادل، وتشابك المصالح، وحسابات الداخل في كل من واشنطن وتل أبيب وطهران، كلها عوامل تجعل كلفة الحرب أعلى من عائدها. وبين منطق القوة ومنطق المصلحة، تستمر المنطقة في السير على حبل مشدود، حيث يكفي خطأ واحد لتغيير المعادلة، لكن الإرادة الغالبة حتى الآن تميل إلى إبقاء التوازن قائماً، ولو كان هشاً.
فهل يمكن لإسرائيل استخدام جبهات مثل لبنان والضفة الغربية كوسيلة ضغط لإبقاء إيران تحت السيطرة، أم أن هذا التحرك قد يقود إلى فخ يجعل المنطقة تدخل في صراع إقليمي أوسع ويؤثر على مجريات المفاوضات، ربما حتى بفشلها؟.
