الجزائر وإعادة تنشيط علاقاتها مع دول الساحل الإفريقي
بقلم توفيق المديني
عقب إسقاط الجيش الجزائري مسيرة للجيش المالي، اخترقت الأجواء الجزائرية ليلة 31 مارس /آذار عام 2025، قرب المدينة الحدودية “تنزواتين”، وكانت بصدد تعقب عناصر المعارضة المسلحة المالية الذين يتحركون على حدود الجزائر، بهدف ضربهم..
وهو لم يكن مجرد إجراء عسكري حدودي، بل كانت هزة ارتدادية عنيفة ضربت عمق العلاقات الدبلوماسية مع الجار الجنوبي مالي، أعلنت دول النيجر وبوركينافاسو ومالي، المتكتلة ضمن “تحالف دول الساحل”، في 7 أبريل/نيسان 2025، سحب سفرائها لدى الجزائر للتشاور، عقب اتهام مالي للجزائر بإسقاط طائرة مسيرة تابعة لها. وردَّتْ الجزائر على قرار الدول الثلاث، بسحب سفرائها لدى هذه العواصم، للتشاور وفق مبدأ المعاملة بالمثل. غير أنَّ هذه الأزمة التي عاشتها الجزائر في علاقاتها مع دول الساحل الإفريقي، واستمرت حوالي 10 أشهر، شهدت في الفترة الأخيرة انفراجاً حقيقياً، حين صرَّحَ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في مقابلة مع التلفزيون الجزائري، بثت في 9 فبراير/ شباط الجاري، أنَّه وقع دعوة رسمية “لأخيه” رئيس النيجر عبد الرحمن تياني لزيارة الجزائر، ثم أضاف: “كان لا بد للسحابة أن تمرَّ، والنيجر بلد شقيق وقريب منا جداً”.
وأبدى الرئيس الجزائري خلال نفس الحوار التلفزيوني، تفاؤله بالعلاقات مع بوركينا فاسو. وفي هذا الإطار، قال تبون: “نحن مستعدون للعمل معا على تحسين العلاقات مع بوركينا فاسو، حيث لدينا علاقات طيبة وتاريخ ونضال مشترك ضد الاستعمار”. وقبل ذلك، كان الخليفة العام للطريقة التجانية، ومقرها اللامركزي في الجزائر، الشيخ سيدي علي بلعرابي قد زار بوركينا فاسو للعمل وفقا لتصريحاته “على دعم التآخي بين البلدين والشعبين”، والتقى أبو بكر دوكوري مستشار الرئيس في بوركينا فاسو الجنرال إبراهيم طراوري، حيث تعتمد الجزائر على المراجع الدينية التقليدية لتعزيز علاقاتها مع دول الساحل.
زيارة رئيس النيجر للجزائر في إطار الشراكة الاقتصادية
قام رئيس النيجر، عبد الرحمن تياني، الأحد15 فبراير/شباط 2026، بزيارة رسمية إلى الجزائر دامت يومين، في خطوة تعكس حراكاً دبلوماسياً لافتاً في منطقة الساحل؛ وحظي تياني، فور وصوله إلى الجزائر بحفاوة لافتة، حيث استقبله الرئيس تبون، بمطار هواري بومدين الدولي، بمراسيم التشريفات وعزف النشيدين الوطنيين للبلدين، قبل أن يجريا مباحثات بالقاعة الشرفية للمطار.
وإلى جانب تبون، حضر مسؤولون كبار في الدولة مراسم استقبال رئيس النيجر، بينهم رئيس مجلس الأمة (الغرفة الأولى للبرلمان) عزوز ناصري، ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة، ووزيرا الخارجية أحمد عطاف، والمحروقات والمناجم محمد عرقاب، وفق التلفزيون الرسمي.
أولاً: أهمية النيجر والتوازن الإقليمي
تقع النيجر في الغرب من قارة إفريقيا متوسطة سبع دولٍ، تَحدُّهَا من الجنوب نيجيريا وبنين ومن الغرب بوركينا فاسو ومالي ومن الشمال كلاً من الجزائر وليبيا، فيما تحدُّهَا تشاد من جهة الشرق. وإذ تتصدرُ جاراتها من حيث المساحة المقدرة بنحو 1.27مليون كيلومتر مربع، إلا أنَّ الصحراء الكبرى تغطي نحو 83% من تلك المساحة. وإلى ما تقدم، فإنَّ النيجر تأتي في مقدمةِ الدولِ الإفريقية بوصفها دولةً “حبيسةً” أي ليس لديها منفذٌ بحريٌّ. ويُقَدَّرُ عددُ سكانِ النيجر بنحو 28 مليون نسمة، – غالبيتهم مسلمون- يتركزُ مُعْظَمُهُمْ في أقصى جنوب وغرب البلاد، ولهم امتداداتٌ عرقيةٌ قبليةٌ، وعرقيةٌ متفاوتةٌ مع دول الجوار، وما وراء الجوار، وبالتالي تتفاوت العلاقات والمصالح والحسابات السياسية التي تحكم مواقف تلك الدول من الانقلاب الأخير وتصل حدَّ التباين، خصوصاً من اللجوء للخيار العسكري لإنهاء الانقلاب.
وعلى أهمية الثروات الطبيعية المتوافرة بكمياتٍ ضخمةٍ، يمكن القول إنَّ الموقعَ الجغرافيَّ للنيجر و”الوظيفة السياسية” التي رسمتها الحكومات المتعاقبة للبلاد، زادتْ من أهميتها، إِذْ تحتل النيجر دوْراً محورياً في مجال الطاقة الفرنسي والأوروبي. فالنيجر تنتج حوالي 5% من اليورانيوم على المستوى العالمي، ما يضعها في المرتبة الرابعة عالميّاً. يُصدَّر هذا اليورانيوم في المقام الأول إلى فرنسا، التي تُعَدُّ المستهلك الأوربي الأول له لإنتاج الكهرباء، فهي تستوردُ 2600 طن سنويّاً حسب إحصائيات 2019؛ ما يمثل 30% من حاجتها السنوية. وتمثل الكهرباء المنتجة من مفاعلاتها النووية التي تستخدم اليورانيوم نحو 70% من إجمالي الطاقة الكهربائية. وترجح تقديرات أنَّ احتياطات النيجر من اليورانيوم أكبر، وأنَّ قدراته الإنتاجية يمكن أن ترتفع. وتملك فرنسا أفضلية الاستفادة من ذلك باعتبارها المستثمر الرئيسي في استخراج اليورانيوم بالنيجر.
يُعَزِّزُ تخلِّي الدول الغربية عن الطاقة الروسية حاجتها إلى يورانيوم النيجر بديلاً لإنتاج الكهرباء، ويضع ذلك فرنسا في مكانةٍ استثنائيةٍ داخل أوروبا بفضل هيمنتها على يورانيوم النيجر. لذلك، من المستبعد أن تتصرف فرنسا كما تصرفتْ في مالي حين قرَّرَتْ الانسحاب عقب الانقلاب العسكري، في 24 مايو/أيار 2021، بل إنَّ مصلحتها الحيوية تقضي بالبقاء، مع مراعاة الشرعية السياسية التي لا تعترف بالانقلابات حتى لا تتصادم مع الإيكواس ولا تستغله المعارضة الفرنسية لتصعيد انتقاداتها لسياسات الرئيس، إيمانويل ماكرون.
النيجر، الدولة التي احتلتْ موقعاً جغرافياً مركزياً في ما يعرف بمنطقة الساحلِ الإفريقي، الممتدةِ من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً، تمتازُ بثرواتها الطبيعية، التي ترفعُ منسوبَ الصراعِ عليها، ومن أهم تلك الثرواتِ، اليورانيوم، الذي كان مقَدَّراً أن تكون النيجر ثاني منتج له في العالم عام 2014. هذا فضلاً عن الفحم وخام الحديد والقصدير والفوسفات والجبس والملح والنفط، وهي ثروات إستراتيجية في عالم الصناعات الحديثة والمتطورة.
كانت النيجر ينظر إليها على أنَّها حصنٌ أكثر أماناً مؤيداً للغرب في منطقة الساحل المضطربة، كونها أكثر ارتباطاً بواشنطن وباريس من جيرانها، وأرض انطلاق فعالة لعمليات مكافحة الإرهاب الإقليمية. غير أنَّ المفاجأة جاءت من المجلس العسكري بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس الحرس الرئاسي في النيجر، الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم في 26 تموز/ يوليو2023، وعلَّقَ دستور النيجر، واعتقل المئات من المعارضين السياسيين المحتملين. فالانقلاب في النيجر لا يتعلق بمصالح أو أجندات القوى الاستعمارية الغربية، ولكنَّه ناجمٌ عن خلافاتٍ سياسيةٍ داخل ديمقراطيةٍ هشَّةٍ، حيث تحولتْ الأزمةُ المستمرةُ بشكلٍ ثابتٍ إلى حَرِيقٍ جِيُوسِياسيٍّ.
وتُعَدُّ زيارة، رئيس النيجر إلى الجزائر، الأولى من نوعها للرئيس عبد الرحمن تياني خارج تكتل دول الساحل (النيجر، بوركينافاسو ومالي)، منذ وصوله إلى الحكم بعد إزاحته للرئيس السابق محمد بازوم. ووفق ما كتبته صحيفة “الوطن” الجزائرية في عدد الأحد 15 فبراير 2026، “لم تكن النيجر، وهي تعاني تحت وطأة الضغوط الأمنية، لتستغني طويلاً عن الشراكة مع الجزائر التي تعد طرفاً فاعلاً في التوازن الإقليمي”.
ثانياً: الشراكة الاقتصادية
هناك مصالح اقتصادية مشتركة بين الجزائر والنيجر، حيث تم تجديد عقب زيارة وزير المحروقات الجزائري محمد عرقاب إلى نيامي عاصمة النيجر، في 26 يناير /كانون الثاني 2026، الالتزام بتعميق التعاون في مجال الطاقة، خصوصاً في رقعة كافرا النفطية، شمال شرقي النيجر، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، حسب بيان حكومي جزائري. ويُعَدُّ مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يمتد على مسافة 4200 كيلومتر ليربط حقول نيجيريا بالسواحل الجزائرية عبر النيجر، حجر الزاوية في الشراكة الاستراتيجية الاقتصادية بين البلدين.
وبدأ المشروع، الذي قُدرت تكلفته بنحو 13 مليار دولار وبسعة سنوية تبلغ 30 مليار متر مكعب، يتحول إلى واقع ملموس بعد توقيع اتفاقيات بين شركة “سوناطراك” الجزائرية للمحروقات و”سونيديب” النيجرية لتخزين مواد الطاقة في بداية 2025 لإعادة مراجعة وتحليل المشروع بناء على معطيات جديدة تخص تكلفة وواقع السوق والتمويلات.وتشير المعطيات إلى إنجاز قرابة 60% من مسار الأنبوب، معظمه في الجزائر ونيجيريا؛ ما يجعل النيجر الحلقة الأساسية المتبقية.
لا يقتصر التقارب مع النيجر على قطاع الطاقة فحسب؛ فقد هيّئت الجزائر، منذ 2022، قانوناً لمناطق التبادل التجاري الحرِّ عبر الحدود، مع دول الجوار، ويمكن بعث هذه المنطقة مع النيجر كما هو الحال مع موريتانيا، في الوقت الراهن. وفي ظل المشكلات التي يواجهها اقتصاد النيجر، مع بعض دول غرب إفريقيا، خصوصاً بنين، تشكل الجزائر نافذة لوصول السلع والمواد الحيوية، لاسيما في شهر رمضان. ووفق متابعات صحافية لزيارة رئيس النيجر؛ فالبلدان يتشاركان حدوداً بطول 950 كيلومتراً، ويُعد تأمين هذا الفضاء ومكافحة الجماعات الإرهابية، وإعادة فتح المحاور التجارية مثل الطريق العابر للصحراء، ركائز أساسية لاستقرار المنطقة.
الجزائر وتعزير الشراكة الاستراتيجية في محيطها الإقليمي
تقوم السياسة الخارجية الجزائرية على توظيف أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والتنموية لتعزيز الاستقرار في جوارها الإقليمي، ولا سيما في فضاء الساحل الإفريقي، على مقاربات واقعية ومتوازنة في إدارة علاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف. وفي هذا السياق، تندرج التحركات الدبلوماسية الجزائرية ضمن رؤية استراتيجية قوامها احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتعزيز التعاون القائم على المصالح المشتركة.
فقد استغلت الدبلوماسية الجزائرية إعلان “تحالف دول الساحل” الذي يَضُّمُ كلاً من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) التي تضُّمُ 15 عضواً من بلدان غرب إفريقيا، في 28يناير/كانون الثاني 2024، إِذْ جاء هذا الانسحاب نتيجة لخضوع المنظمة لتأثير بعض القوى الأجنبية التي تعملُ ضدَّ أهداف المجموعة ومبادئها العظيمة التي تأسست من أجلها.
ويرى الخبراء أنَّ الانسحاب من المجموعة له أهداف سياسية خارجية تتمثل في تعزيز الوجود الروسي في المنطقة، وأهداف داخلية أهمها رفع الرصيد الشعبي من خلال اللعب على وتر الخطاب السياسي الشعبي المناهض للنفوذ الإمبريالي الغربي. كما أنَّ انسحاب الدول الثلاث من إيكواس بعد 49 عاماً من العمل المشترك جاء نتيجة لخروج المنظمة عن مسارها التضامني والتعاوني إلى أداة تستغلها بعض الدول الإمبريالية الأوروبية والأمريكية أو الدول الإفريقية التابعة للغرب للتضييق على دول أخرى.
الشراكة مع موريتانيا
تعد موريتانيا شريكاً استراتيجياً للجزائر في بعدها المغاربي والإفريقي وقد شهدت العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة ديناميكية متصاعدة، تجسدت في تكثيف المشاورات السياسية وتوسيع التعاون الاقتصادي. ويأتي مشروع طريق الزويرات ضمن هذا الإطار باعتباره استثماراً هيكلياً يهدف إلى تعزيز الربط البري وتسهيل المبادلات التجارية، بما يخدم التنمية في المناطق الحدودية ويكرّس التكامل الاقتصادي ويندرج هذا المشروع في سياق رؤية تنموية بعيدة المدى تعزز الاندماج الإقليمي وتدعم الاستقرار عبر التنمية المشتركة.
خاتمة
تعبر العودة التدريجية للعلاقات الطبيعية بين الجزائر ودول الساحل الإفريقي، عن رغبة مشتركة فرضتها عوامل مختلفة، منها بعض الإكراهات ذات الصلة بالجغرافيا، تجعل من دول الساحل لا تستطيع الاستمرار في حالة الأزمة مع الجزائر، ولا الجزائر أيضا كون الساحل يمثل انشغالا مركزيا بالنسبة للأمن القومي الجزائري.
وفي هذا السياق، تُعَدُّ استعادة العلاقات الجزائرية – النيجرية خطوة مهمة واستراتيجية، لا سيما أن النيجر ودول الساحل تشكل الحديقة الخلفية للجزائر، ولما كانت الجزائر تواجه تحديات إقليمية ودولية، فهي تحتاج إلى النيجر لضمان الأمن الإقليمي، نظراً لارتباط النيجر بملف السودان وليبيا وقضايا عرب الصحراء، التي تسعى الإمارات وبعض الجهات الدولية لاستغلالها لإضعاف استقرار المنطقة.
وفيما ينْحُو العالم نحو نظامٍ عالميٍّ جديدٍ متعدد الأقطاب، تعيدُ فيه الدول والقوى الدولية تعريف مكانتها، وتحديد علاقاتها، بدَا أنَّ هناك اتجاهاً إفريقيا متنامياً يطرح أسئلة المكانة في عالم متحولٍ، ولعلَّ الانقلابات التي توالت في عددٍ من الدول الإفريقية منذ عام 2020 تلامس تلك التطلعات، وتحاول ترجمتها في طرد المستعمرين القدامى من جهة، وفي المزيد من الانفتاح على قوى دوليةٍ مؤثرةٍ في صناعة التحولات الجارية على مستوى العالم وفي مقدمها الصين وروسيا.
وجاءت الانقلابات التي هزّتْ دول مالي وبوركينا فاسو، والنيجر خلال السنوات 2020ولغاية 2023، كثورةٍ تحرُّرِيةٍ جديدةٍ لطرد الاستعمار الفرنسي الجديد في غرب إفريقيا، وكنتيجةٍ لسياسات فرنسا الفوقية والأبوية وعدم نجاعة إستراتيجيتها وفاعليّتها في التأثير في العمق الإفريقي.
لقد أصبحت فرنسا تجني راهناً ثمار حصادها المُرِّ لسياسة “إفريقيا الفرنسية” التي لا ترافقها إستراتيجيات أخرى لتوأمة سياساتها مع متطلبات شعوبها، ولو نزراً يسيراً يستجيبُ لمطالب تلك الشعوب، بينما تعتمد الجزائر مقاربة الشراكة المتكافئة التي تسعى إلى تحقيق مصالح مشتركة وتعزيز الأمن الجماعي مع دول الساحل الإفريقي. وبذلك، تؤكد الجزائر تموقعها كفاعل إقليمي مسؤول، يسعى إلى الإسهام في بناء فضاء ساحلي أكثر استقراراً واندماجاً، في إطار احترام السيادة الوطنية وتعزيز التعاون الإقليمي المستدام.
