فضاءات فكرية

جائزة نوبل واستمرار غياب العرب سيبقى العرب في حضيض الحضارة ما بقي الفرد العربي بلا قيمة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

لكن المسألة التي لا بد من إقرارها هنا هي أن هذا الغرب تمكن من اكتشاف القوانين وإنتاج المعرفة العلمية التي جعلته في موقع الابتكار والتصنيع والتقدم، لكنها ارتبطت أيضاً بمصالح القوة والربح الفاحش فقط.. فالعقل الأداتي الغربي لا يسأل عن العدالة، بل عن الفعالية والتربّح.. ولذلك استُخدم التقدم لاستعمار الشعوب ونهب مواردها كما قلنا، لا لأنه نقيض الحداثة، بل لأنه وجهها الآخر حين يخضعُ ويرتهن لمنطق السوق والهيمنة والرأسمال المادي بلا أية معاني سامية للوجود والحياة.. فالقدرة نفسها التي تبتكر وتطور، هي التي تستعبد وتستغل وتُذل، إن انفصلت عن الأخلاق والقيم..

طبعاً، هذا يجب ألا يثنينا عن نقد حالنا وأحوالنا العربية، وعدم تحميل الآخر فقط مسؤولية تأخرنا وإلقاء اللوم الكامل عليه في تخلفنا الحضاري العلمي.. ولا أتصور أن الإشارة إلى حالة الاهتراء الكبيرة والخلل العريض والواسع في هياكل وأسس واقعنا العربي، أو توصيف حالة سلبية قائمة في أي مكان أو زاوية من مواقع حياتنا، بالأمر الصعب المستصعب.. فالمشكلة ليست فقط في كثرة السلبيات والمشاكل والتحديات المثارة هنا وهناك، وإنما أيضاً في استمرار وجودها واستدامة تحولاتها ونتائجها وآثارها، وعدم وجود إرادة حقيقية وسعي جدي حثيث لدى المسؤولين وأصحاب القرار وصناع السياسات العرب لتداركها ومحاولة احتواء نتائجها وتداعياتها ومخاطرها المستقبلية على أكثر من صعيد، اقتصادي وعلمي وتنموي.. ولذلك من الطبيعي جداً أن يُعاد تسليط الضوء النقدي عليها بشكل وبآخر، وبين الفينة والأخرى، ليس باباً من أبواب جلد الذات، بل سعياً نحو تشخيص صادق وعلاج ناجع، وتقديم رؤية حقيقية للمعالجة الجدية.

مناسبة هذا الحديث هو خبر تناقلته وكالات الأنباء خلال الأسبوع الماضي (وهو الموعد السنوي) لإعلان توزيع جوائز نوبل على الفائزين في مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد وغيرها، والتي كانت نتائجها كما درجت العادة تصبّ في خانة وصالح الباحثين والعلماء من غير العرب والمسلمين، ممن يعملون في الأكاديميات والجامعات الغربية عموماً في كل من أمريكا وأوروبا. وهنا يبرز السؤال النقدي المطروح، الذي قد يظنه البعض نوعاً من الجلد غير المبرر للذات الجماعية: لماذا هذا الغياب العربي الكامل عن المواقع العلمية الدولية، والذي لم نرى فيه على عقود طويلة سوى باحث عربي واحد درس ودرّس في جامعات الغرب، وهو أحمد زويل عالم الكيمياء الحيوية المصري المعروف؟! وأين يكمن جذر العطالة في تراجعنا وانكفائنا عن سيرورة التحولات البحثية العلمية الدولية؟ فهل السبب ثقافي حضاري أم سياسي اقتصادي طارئ؟!..

في الواقع، هناك كثير من الناس، وبعضهم مفكرون كبار، يلقون باللوم – في هذا المجال – على طبيعة العقلية العربية التي هي – كما يزعمون – عقلية نشأتْ وتربّت على الخضوع والتبعية، حيث يقولون بأن العرب هم بالأساس أقوام بعقول اتباعية غير علمية، وغير اكتشافية، بالتالي لا يمكن لها أن تبدع وتنتج أشياء وابتكارات جديدة علمية بالذات..!!.

طبعاً أنا لستُ مع هؤلاء، لأن نظرتهم نظرة عنصرية تصنيفية، وهي رؤية غير صحيحة علمياً وتاريخياً.. فالعقل العربي أنتج حضارة علمية كبرى في العصر الذهبي، أسهمت في الرياضيات والطب والفلك والكيمياء، وأغنت غيرها من الحضارات والأمم السالفة ومنها بالمناسبة الأمم الأوروبية التي اعترف كبار علمائها وفلاسفتها بفض حضارة العرب عليهم.. وأما ما يعاني منه العرب اليوم فهو ليس عجزاً فطرياً في العقل، بل تراكم وتكدس لعوامل سياسية واقتصادية وثقافية وتعليمية أعاقت (وما زالت تعيق) نشوء وتفجر حركة الإبداع، واستمرار الإنتاج الحضاري الثمين.. ولا نضيف شيئاً جديداً عندما نقول بأن العقل البشري واحد في قدراته الكامنة، والفرق يكمن فقط في البيئة المحفِّزة والمنهج التعليمي، والحرية الفكرية، والاستثمار في البحث العلمي الرصين والمعياري، وهي شروط لازمة غير متوافرة في بيئتنا السياسية والاجتماعية العربية للأسف، ولهذا عندما تتوفر هذه الشروط، لا شك بأن العربي سيبدع كما يبدع غيره، بدليل نجاح العلماء العرب في المهجر..

والخطورة في الموضوع برمّته، لا تتمثل في مناقشة طبيعة هذا العقل العربي، بل في دراسة (تفكيك وتحليل) عدم وجود مناخات وأجواء علم وبحث علمي صحيح في عالمنا العربي المثقل بالانكسارات والهزائم المستمرة منذ قرون طويلة، ومن عدم وجود قاعدة بحثية أو تقاليد علمية عربية صلبة ومتماسكة حتى الآن، ومن عدم وجود تنسيق عربي علمي فعال حتى الآن، ومن عدم وجود إرادة علمية عربية جدية حتى الآن، ومن عدم وجود استراتيجية علمية عربية واضحة المعالم حتى الآن.

يضاف إلى ذلك هشاشة وضعف البنية المؤسساتية والعلمية العربية، وعدم قدرتها العملية على تحقيق أدنى معدلات الاستجابة الفاعلة والمؤثرة للتحديات التقنية الهائلة، ومن نقص مردودية الباحث العربي، وتخاذله عن البحث والعمل العلمي الدقيق، نظراً لقلة تعويضه وحافزه المادي والمعنوي، وقلة المشاركة المنتجة في المؤتمرات الدولية من أجل الاستفادة وتبادل الخبرات والنتائج العلمية، وسرعة تطبيق الاستخلاصات والانتفاع بها.

فالكل عندنا – في عالمنا العربي، للأسف – يستهلك وقته في السياسة العربية الرثة والمتخلفة والبدائية بتياراتها وجماعاتها وشجونها وتعقيداتها وإشكالاتها وتقلباتها وحرتقاتها التي تبدأ مشحونة ولا تنتهي للأسف إلا بإشعال فتن وحروب دموية أهلية وغير أهلية.. وأما الآخر (غير العربي) فتراه يفكر ويعمل ويتحرك وينطلق ويؤسس ويبني ويحقق نتائج ميدانية مفيدة ملموسة (سياسية وغير سياسية) تزيد من قدرة البشرية على تطوير وجودها النوعي العملي في هذه الحياة، حياة اليوم وحياة الغد.

من هنا اعتقادنا بأنَّ ضخامة تلك السلبيات القائمة والمفضية إلى تدني الحالة العلمية العربية عموماً – على الرغم من وجود نتائج طيبة على أكثر من صعيد تظهر فقط عندما يذهب الباحث العربي ليدرس ويبحث في الجامعات الغربية، ليحقق حضوراً قوياً منتجاً – أقول إن كثرة تلك السلبيات التي نحاول تناولها من زاوية النقد، والإشارة المباشرة إلى حجم الأخطاء التي يمكن أن تنتج عنها وتتفشى من خلالها في غير موقع من حياتنا الاجتماعية والعملية والفكرية، ينبغي ألا يجعلنا ندخل في دائرة الإحباط واليأس، بل من المهم دائماً لفت النظر إليها، والتأكيد على أنه ليس لنا من غاية في طرحنا لها، سوى إظهار مدى خطورتها المستقبلية على حياتنا، والمساهمة الحقيقية -مع من هم في سدة القرار والمسؤولية العملية- في ضرورة إيجاد حلول عملية واقعية لها. فالتبرير ليس من شيمنا، كما أن جلد الذات ليس من أهدافنا.

وفي العصر الراهن، الذي يتسم بثورة معلوماتية هائلة وتقنيات ذكاء اصطناعي متسارعة، تتضاعف خطورة هذا الغياب العربي وتتعمق جذوره أكثر فأكثر للأسف.. إذ بينما تتسابق دول العالم على الاستثمار في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، لا يزال العالم العربي يراوح مكانه في كثير من المجالات، بل يتراجع في بعضها.. فقد أصبحت المعرفة اليوم هي المحرك الأساسي للاقتصاد والقوة والنفوذ، ومن لا يملك مفاتيحها يجد نفسه على هامش التاريخ، مستهلكاً لا منتجاً، وتابعاً لا رائداً.

إن الثورة الصناعية الرابعة، بما تحمله من فرص وتحديات، تضع العالم العربي أمام اختبار وجودي حقيقي. فالذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، كلها مجالات يمكن أن تكون بوابة للنهوض أو سبباً لمزيد من التخلف. والسؤال: هل يمتلك العرب الإرادة والرؤية والاستراتيجية للانخراط في هذه الثورة بفاعلية؟! أم أنهم سيكتفون بدور المتلقي السلبي الذي يستهلك ما ينتجه الآخرون دون أن يضيف شيئاً؟!.

في الواقع، لا توجد إجابات نهائية، ولكن العرب يعانون ويتوجعون، وهم يشعرون في عمق أنفسهم أنهم مهزومون حضارياً.. والأسباب كثيرة ولا شك.. إذ لا يمكن فهم هذه الأزمة دون الغوص فيها، فالأسباب السياسية والثقافية والاجتماعية التاريخية فاعلة وحاكمة.. والمجتمعات العربية ما زالت -في كثير من الأحيان- مرتهنة وأسيرة لثقافة الوجاهة والاستهلاك، وثقافة الحفظ والتلقين بدل الإبداع والتفكير النقدي. والنظام التعليمي العربي – على الرغم من بعض المحاولات الإصلاحية التي جرت عليه – لا يزال عاجزاً عن إنتاج أجيال قادرة على المنافسة العالمية في اختصاصات علمية محددة.. فهو يركز على الحفظ والتلقين بدل تنمية مهارات البحث والتحليل والابتكار، ويخرّج أعداداً هائلة من الخريجين الذين يفتقرون إلى المهارات المطلوبة في سوق العمل الحديث.

كما أن العقل العربي يظل – في كثير من الأحيان – أسيراً للثقافة الاستهلاكية التي تفضّل الحلول الجاهزة والسريعة على البحث العلمي الدقيق، وضرورة الصبر عليه في مقدماته ونتائجه.. حيث يظل الفرد العربي بلا قيمة حقيقية في مجتمعه، حيث تسود المحسوبية والوساطة والولاءات الضيقة بدل الكفاءة والجدارة.. وهذا ما يجعل الطاقات العربية الهائلة تهاجر إلى الغرب حيث تجد التقدير والدعم والبيئة العلمية المناسبة.

طبعاً هناك أسباب سياسية واقتصادية أيضاً.. حيث لا يزال العالم العربي يعاني من عدم الاستقرار السياسي، وهيمنة نظم مغلقة بثقافتها وسياساتها، ومنع الإصلاح الداخلي.. كما ويعاني من استمرار الصراعات والحروب الداخلية والخارجية التي تستهلك الموارد والطاقات وتستنزف الثروات لصالح قوى أخرى خارجية تتحكم بها في كثير من الأحيان، وتهيمن على قرارها السيادي المصيري.. وهنا يأتي الإنفاق على التسليح والعسكرة ليكون كبيراً جداً، بل أعلى بكثير جداً من الإنفاق على التنمية والبحث العلمي والتعليم المهني المهاراتي.. ولا تزال معظم الدول العربية تعتمد على الريع النفطي أو المساعدات الخارجية بدل بناء اقتصاد معرفي منتج ومستدام.

وفوق ذلك، لا يوجد تنسيق عربي علمي فعال، ولا استراتيجية عربية موحدة للبحث العلمي والتطوير. فكل دولة تعمل في جزيرة منعزلة، وتكرر جهود الأخرى دون تنسيق أو تكامل. وهذا ما يجعل الميزانيات الضخمة التي تُنفق على البحث العلمي في بعض الدول العربية – مثل السعودية والإمارات وقطر – لا تحقق النتائج المرجوة، لأنها تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية والتكامل الإقليمي. ولا يمكننا أيضاً إغفال دور الإعلام والثقافة العامة في تعميق هذه الأزمة. فالإعلام العربي، في كثير من الأحيان، يركز على الأخبار السياسية والترفيهية والرياضية، ولا يعطي العلم والباحثين والعلماء المساحة التي يستحقونها. ولا تزال صورة العالم والباحث في الثقافة العامة العربية صورة باهتة، إن لم تكن سلبية في بعض الأحيان. ويظل الشباب العربي، في كثير من الأحيان، يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم أو فناناً أو رجل أعمال، أكثر مما يحلم بأن يصبح عالماً أو باحثاً أو مخترعاً.

من هنا يجب أن يكون التوجه هو نحو استراتيجية عربية للنهوض العلمي.. حيث أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب استراتيجية عربية شاملة للنهوض العلمي، تقوم على عدة ركائز أساسية، يأتي في مقدمتها إصلاح السياسة العربية، ومن ثم:

  1. إصلاح التعليم:

إذْ لا يمكن بناء مجتمع معرفي دون إصلاح جذري للنظام التعليمي العربي، ينتقل من الحفظ والتلقين إلى التفكير النقدي والإبداع والبحث العلمي. ويجب أن يبدأ هذا الإصلاح من المراحل الأولى، وأن يمتد إلى التعليم العالي والدراسات العليا.

  • الاستثمار في البحث العلمي:

حيث يجب أن تخصص الدول العربية نسبة معقولة من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث العلمي والتطوير، وأن تنشئ مراكز بحثية متقدمة، وأن توفر البيئة المادية والمعنوية المناسبة للباحثين.

  • التكامل العربي:

فلا يمكن لأية دولة عربية بمفردها أن تحقق النهوض العلمي المنشود. فالتكامل العربي في مجال البحث العلمي والتطوير أصبح ضرورة حتمية، من خلال إنشاء شبكات بحثية عربية، وتبادل الخبرات والنتائج، وتنسيق الجهود والميزانيات.

  • ربط البحث العلمي بالتنمية:

وهنا يجب أن يكون البحثُ العلمي العربي مرتبطاً بالاحتياجات التنموية الفعلية للمجتمع، وأن يساهم في حل المشاكل العملية التي تواجه العالم العربي، في مجالات الصحة والزراعة والطاقة والمياه والبيئة.

  • تغيير الثقافة العامة:

يجب أن نعمل على تغيير الثقافة العامة العربية لتقدير العلم والعلماء، وأن نعطي الباحثين والعلماء المكانة الاجتماعية التي يستحقونها، وأن نشجع الشباب على الانخراط في مجالات العلم والبحث.

وعلى الرغم من كل هذه التحديات، لا يجب أن نستسلم لليأس والإحباط. فهناك نماذج عربية مشرقة في مجال البحث العلمي، وهناك طاقات عربية هائلة تنتظر الفرصة للانطلاق. والعالم العربي، بتاريخه العريق وحضارته العظيمة، قادر على النهوض من جديد إذا توفرت الإرادة والرؤية والقيادة.

إن جائزة نوبل ليست غاية في حد ذاتها، بل هي مؤشر على وجود بيئة علمية منتجة.. والمطلوب ليس الحصول على الجوائز، بل بناء مجتمع معرفي عربي قادر على الإبداع والابتكار والمنافسة العالمية. وهذا يتطلب جهداً جماعياً وعربياً شاملاً، وإرادة سياسية حقيقية، وتغييراً ثقافياً عميقاً.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيبقى العرب في حضيض الحضارة ما بقي الفرد العربي بلا قيمة حقيقية كذات حرة فاعلة؟! أم أنهم سيجدون طريقهم إلى النهوض والعلم والحضارة؟ الإجابة تكمن في أيدينا جميعاً أفراداً ومجتمعات وحكومات، وفي مدى قدرتنا على تجاوز السلبيات، وبناء المستقبل الذي نستحقه بأيادينا ووعينا ومسؤولياتنا الجماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *