هامش ثقافي

النماء المعرفي.. ومعرفة الله

بقلم غسان عبد الله

ولا يظل ذلك الشخص الغرائزي، أو الأناني، أو المتحزّب الغالي لفكرة، أو المولع بركوب الموجات، بل هو باحث ناقد، متسلسل في أفكاره بمنطق، مطرد في حقله العلمي بمنهج، ووقته عامر بما يغذي العقل وينعش الروح، فهو في واد والناس في واد لا يلتقيهم إلا على خير وفي خير ولا يصدر منه إلا الخير، وهذا هو النماء المعرفي الحقيقي والذي يتواطأ فيه الحال والمقال والعلم والعمل باتزان، ونعلم اليوم أن المعارف والعلوم تتجدد بشكل سريع مذهل فما كنا نعلمه قبل عشر سنوات تغير 70% منه الآن كما يقال، ولا أدري على ماذا اعتمد من يطلق مثل هذه النسب ولكن لعلّه التقريب وبالفعل فالعلوم تتجدد سريعاً..

وهكذا فالواقف على رسوم قديمة، أو محطات علمية عتيقة نقول له: قم وانهض وانفض عنك غبار السنين فالمعرفة قد جاوزتك منذ زمن بعيد وأنت تلوك مقولات وتجتر معلومات عفا عليها الدهر، وعليه فأنت مطالب بالتأسيس الجيد للحقل المعرفي محل اهتمامك وموضع درسك، وبعد إحكام الأصول التفريع عليها بقواعد منضبطة بمنهج علمي، مع متابعة كل جديد وإصدار وفتح علمي في مجالك، ولا تكتفي بذلك فإن العلوم والمعارف اليوم في حالة من التقارب والتداخل لم يشهدها الوعاء العلمي من قبل إلا في بواكير نشوئها، فلا بد من التعرف على العلوم المقاربة لمجالك والتي تحتاجها أحياناً في بحثك ولن تتمكن من الإضافة الحقيقية للعلم الذي تدرسه إلا بإطلالة على العلوم المساعدة الأخرى، فإذا كانت العلوم تتداخل ويحتاج بعضها بعضاً لأن الزمن تغير وتداخل وتعقّد وسيعود كما بدأ فكيف تروم التجديد والإضافة وأنت لا تحسن سوى المجال الذي تخصصت فيه، وبالفعل لماذا لا تفكر في الإضافة للعلم الذي تدرسه أو وضع مقدمة للتجديد فيه أو بذر فكرة يأتي من يسقيها يوماً ما؟!، ولو تصورنا أن كل بارز في فن من الفنون اليوم أعطى فكرة واحدة ثم جمعت تلك الأفكار في (بنك فكري) وعُمل عليها في المؤسسات الفكرية والأكاديميات العلمية على حسب مجالها واهتمامها لفتحنا آفاقاً أوسع في كل علم، فمن أين تبدأ في نموك المعرفي؟.

النماء المعرفي يبدأ بالنفس وفقه النفس وخصائص النفس وخصائص نفسك أنت، وكذلك معرفة الناس والمجتمع والبيئة المحيطة وخصائص الجيل، والموازنة بين الأجيال وأنماط الشخصيات المختلفة خصوصاً القرابات والجيران وزملاء العمل وقرناء التخصص وشريك الحياة والفروق الفردية بين الأبناء، وللأسف فإن الكثير منا توقف على معلومات نفسية قديمة وقواعد تربوية سابقة ونظرات في الاجتماع التقطها في تاريخه القرائي ولم يضف إليها شيئاً ذا بال في الآونة الأخيرة، وأي (آونة) لقد تحولت حياتنا الفردية والاجتماعية إلى (آونة) متكررة متغيرة متقلبة بسرعة وسرعة شديدة أيضاً، فالمطلوب اليوم هو اقتطاع جزء من الجهد والوقت المبذول في التنمية المعرفية لأخذ دورات ومتابعة إصدارات ودراسات تتعلق بما مر مع عدم إغفال الانخراط العفوي مع الفئات السابقة (القرابات – الجيران – زملاء العمل – قرناء التخصص – شريك الحياة – الأبناء)، والانفتاح على هذه الفئات بشروطها هي لا بشروطك أنت لأنها لن تعطيك لا أقول أجمل ما لديها، بل أقول لن تعطيك ما لديها سواء كان جميلاً أم قبيحاً إلا بذلك، فتتعاطى مع المجتمع بقلب وعقل جديدَيْن لا لتقنع الناس بما لديك بل لتبادل الفهم بينكما وهذ يكفي، وليكن شعارك وشعارهم (لا تقنعني فقط افهمني) لأنه إن كان ما لديك جدير بالاحتذاء فسيتسرب منك إليهم وتسرق طباعهم من طبعك بشكل سلس ولكن برسوخ، فالأفعال أعلى صوتاً من الأقوال، ولن تكون فاعلاً مخلصاً نافعاً لنفسك ولغيرك إلا إذا كانت علاقتك بالله قوية فكيف يكون ذلك؟.

نقول بكل ثقة إن أي نماء معرفي لا يسبقه معرفة العبد ربه فهو نماء ناقص مذموم، وأي نماء معرفي ولو تضاءل مع معرفة العبد ربه فهو ممدوح زاكٍ، ولا نقصد بالمعرفة هنا المعرفة المجردة فإن إبليس يعرف ربه وفرعون تستيقن نفسه ذلك وإن جحد، وإنما المقصود معرفة الله الجميل الجليل الجبار الجواد، ومن المحزن أن يعيش كثير من الناس على هذه الأرض وهو ضال عن معرفة الله تائه في ظلمات الكون وغمرات الدنيا وتقلبات الحياة، إنه مثل الجمل تجري عليه المقادير وهو لا يدري لماذا أُطلق ولماذا قُيِّد، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، الروح شفافة والقلب على الفطرة والوحي السماوي نور يضيء جنبات النفس فيستنير الفكر وتصح التصورات ويسلم القلب من درن الشهوات ودور الشبهات، فيأنس العبد بمعرفة ربه ويقطع الحياة سيراً حثيثاً شوقاً لمولاه الذي خلقه ولم يره ويكون مباركاً على نفسه وعلى غيره فيفيض بالعطاء حيثما حل وارتحل، فإذا عرفت الله بالقوة عرفت نفسك بالضعف، وإذا عرفت الله بالغنى عرفت نفسك بالفقر، وإذا عرفت الله بالقدرة عرفت نفسك بالعجز، وهكذا تبذل ما تستطيع من الأسباب وتوكل الأمر لله في طمأنينة وراحة بال، وتعايش ليالي وضيئة تتأمل قمر الإيمان في حال يعجز الحرف عن وصفها والمجال لا يتسع هنا لهذا المعنى!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *