إقليميات

الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا والخلافات حول ترسيم الحدود في شرق المتوسط

بقلم توفيق المديني

وأعاد أيضاً الخلافات مجدَّداً حول ترسيم الحدود في شرق المتوسط إلى الواجهة، وسط تساؤلات بشأن كيفية موازنة مصر بين تحفظاتها القانونية والحفاظ على علاقاتها المتنامية مع أنقرة.

وجاء التصويت بعد تغيير رئاسة المجلس وانتخاب الصالحين عبد النبي خلفاً لعقيلة صالح، الذي قاد البرلمان نحو 12 عاماً، وعارض الاتفاقية التي وقعتها حكومة الوفاق الوطني السابقة في طرابلس مع أنقرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، عندما كانت قوات خليفة حفتر، المسيطرة على شرق ليبيا، تخوض حرباً للسيطرة على العاصمة. وتزامن توقيع الاتفاق البحري مع تفاهم عسكري أتاح تدخّلاً تركيّاً ساهم في وقف تقدّم قوات حفتر وإنهاء معركة طرابلس سنة 2020. وأصبحت تركيا، منذ ذلك الوقت، حليفاً أساسياً لحكومة الوفاق الوطني التي تحكم في الغرب الليبي، بينما تعامل معها معسكر الشرق الذي يفوده اللواء المتقاعد حليفة حفتر كقوةً تدخّلت عسكرياً ضده.

لذلك تحمل هذه الخطوة دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، لأنها تعكس تحوّلاً في موازين القوة داخل ليبيا، وفي موقع تركيا من الصراع الليبي، وفي الحسابات الإقليمية المتعلقة بشرق البحر المتوسط. وبينما أنهت هذه الخطوة 7 سنوات من الجمود الليبي الداخلي حول الاتفاقية الموقعة عام 2019، فجّرت في المقابل موجة اعتراضات إقليمية وأوروبية حادة، لتدشن مرحلة جديدة من التدافع الدبلوماسي المعقد حول حقوق السيادة وموارد الطاقة الشائكة.

تركيا والهيمنة الإقليمية على ليبيا

منذ أن وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع رئيس حكومة الوفاق الليبية التي كان يرأسها فايز السراج، مذكرتَيْ التفاهم، البحرية – الأمنية – العسكرية، في نهاية شهر نوفمبر 2019، أصبحت تركيا اللاعب المحوري في الأزمة الليبية الراهنة إلى درجة أنَّ طيفاً من المتابعين بات يتحدث عن وصاية تركية على ليبيا.

وشهدت التطورات الأخيرة للملف الليبي بشقيه العسكري والسياسي الناتجة عن سيطرة قوات حكومة الوفاق على قاعدة الوطية الجوية، تأكيداً على استراتيجية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتمثلة في تحقيق أطماعه وأحقية بلاده في غاز شرقي المتوسط وعدم التفريط في مصالح تركيا في ليبيا أكثر من ذلك، كما ذكر أردوغان بدعمه لحكومة الوفاق واستعداده لإرسال الأسلحة وحتى إرسال قوات عسكرية في حال طلبت طرابلس، والدخول عسكرياً مباشرة في المعارك الجارية حول العاصمة طرابلس الغرب.

مع مصادقة البرلمان الليبي على هذا الاتفاق القديم – الجديد، تحصل تركيا، في المقابل، على مكسب استراتيجي كبير، فقد ظلت الاتفاقية البحرية التي وقعتها مع حكومة طرابلس في سنة 2019 موضع اعتراض، بسبب غياب موافقة البرلمان الليبي الذي كان يترأسه صالح عقيلة، فضلاً عن النزاع المتعلق بترسيم المناطق البحرية في شرق المتوسط. ويمنح تصويت البرلمان الليبي أنقرة دعماً مؤسّسياً ليبياً إضافياً، ويضعف الاعتراض المرتبط بالانقسام الداخلي حول الاتفاقية، لكنه لا ينهي الخلاف القانوني مع اليونان وقبرص ومصر، ولا يحسم حقوق الأطراف الثالثة في المناطق البحرية المتنازع عليها. حيث عبرت الخارجية اليونانية عن رفضها الاتفاقية، مؤكّدة تمسّكها بسيادتها.

تتجاوز أهمية الاتفاقية مسألة التنقيب عن الغاز والنفط، فهي تدخل ضمن التنافس على رسم مناطق النفوذ البحري وطرق الطاقة والمواصلات في المتوسّط، وتمنح تركيا موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة التصورات اليونانية والقبرصية لترسيم الحدود، وأيضاً في مواجهة المصالح الاسرائيلية الأوروبية المتعلقة بحركة وإمدادات الغاز. كما تمنح ليبيا فرصة لتعزيز موقعها في هذه المعادلات، شريطة أن تتحول الاتفاقية إلى جزءٍ من سياسة بحرية وطنية واضحة، لا إلى امتداد لمصالح القوى المتنافسة على السلطة داخل البلاد.

أهمية الانفتاح التركي على معسكر الشرق الليبي بقيادة صدام حفتر

بعد أن استقرّت خطوط النفوذ بين الشرق والغرب، وتراجعت احتمالات الحسم العسكري بين حكومة طرابلس وحكومة بنغازي، أدركت تركيا أن حماية مصالحها الطويلة في ليبيا تقتضي الانفتاح على معسكر حفتر، خصوصاً مع صدّام حفتر، نجل خليفة حفتر، وأحد أبرز قادة المنظومة العسكرية في الشرق، الذي يسيطر على مساحاتٍ واسعة من البلاد، وعلى مناطق رئيسية لإنتاج النفط. فتحسنت العلاقات بنحو مطرد في السنوات القليلة الماضية، إذ يقوم مسؤولون أتراك بزيارات منتظمة إلى بنغازي، التي يتخذها حفتر مقرا، ويستثمرون بكثافة في قطاع البناء وقطاعات أخرى.

وفي ضوء صعود نجم صدام حفتر في فضاء السياسة الليبية، ولدى الولايات المتحدة، بدأ قادة الشرق ينظرون إلى تركيا قوةً إقليميةً يصعب تجاوزها، ويمكن أن توفر لهم علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية، تتجاوز ارتباطاتهم التقليدية بمصر والإمارات وروسيا. ويعكس صعود صدّام حفتر في نسج العلاقات مع تركيا رغبة معسكر حفتر في توسيع اعتراف القوى الإقليمية به، وفي بناء علاقاتٍ تساعده على تثبيت موقعه في أي ترتيبات سياسية مقبلة، لا سيما طموح حفتر لرئاسة الدولة الليبية.

من هذه الزاوية، يصعب فصل المصادقة على الاتفاقية عن التغيير الأخير في رئاسة مجلس النواب. فقد ظل عقيلة صالح طوال سنوات أحد أبرز وجوه المعارضة السياسية والقانونية للتفاهم البحري مع تركيا، بينما ارتبط اسم خلفه الصالحين عبد النبي بعلاقات برلمانية سابقة مع أنقرة. ويوحي تتابع الحدثين بأن موازين القوة داخل معسكر الشرق تغيرت بما سمح بتمرير قرار كان متعذراً طوال سنوات.

ويشير هذا إلى تراجع قدرة رئاسة البرلمان على لعب دور مستقل عن التوازنات التي تصنعها القيادة العسكرية في الشرق. فقد احتفظ عقيلة صالح خلال سنوات الانقسام بهامش سياسي مكّنه من التفاوض باسم المؤسسة التشريعية، ومن تعطيل بعض التفاهمات أو تعديلها. أما التطور الأخير فيوحي بأن الأولوية أصبحت لتكييف القرارات البرلمانية مع الخيارات الاستراتيجية الجديدة لمعسكر الشرق. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن المصادقة على الاتفاقية لم تأت نتيجة تسوية سياسية شاملة بين الليبيين، وإنما ضمن إعادة ترتيب للعلاقات بين مراكز القوة القائمة.

موقف مصر من الاتفاق

كانت مصر من أبرز الداعمين لمعسكر خليفة حفتر المسيطر على الشرق خلال حرب طرابلس، وعارضت الاتفاقية التركية الليبية، لكنها طورت في السنوات الأخيرة اتصالاتها مع أنقرة. وتجد نفسها اليوم أمام حليف ليبي تقليدي يوسع علاقاته مع تركيا ويصادق على اتفاقية سبق أن اعترضت عليها.

ويستند الرفض المصري – وفق قراءة مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير فوزي العشماوي – إلى اعتبارات سيادية وقانونية، إذ تعتبر القاهرة التصديق “باطلا ولا ينتج أي آثار قانونية” لمساسه المباشر بجرفها القاري ومنطقتها الاقتصادية الخالصة. وحسب حديث العشماوي فإنَّ هذا الاتفاق يتعارض مع اتفاقيات الترسيم التي أبرمتها مع قبرص واليونان عام 2020، ويتجاهل خطوة ترسيمها الحدودي الأحادي مع ليبيا، بحسب تقرير لـ “الجزيرة نت”. لكنّ ردة الفعل المصرية الحادة ترتبط أيضا بتحولات المشهد الليبي الداخلي، إذ يوضح المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن الخطوة جاءت مفاجئة للقاهرة لتزامنها مع إسقاط رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، الذي عُدّ حليفا موثوقا لمصر، لتقَر الاتفاقية في أول جلسة للبرلمان برئاسته الجديدة، وبإجماع ليبي نادر بين معسكري الشرق والغرب (طرابلس وبنغازي).

دول عربية تنضم إلى موقف اليونان الرافض للاتفاق التركي

انضمت مصر والبحرين والإمارات إلى اليونان في التنديد بالاتفاق البحري الذي وقعته تركيا مع ليبيا، ووصفت الدول الاتفاق بأنَّه تهديد للأمن الإقليمي والنظام القانوني الدولي، وذلك في إطار نزاع ‌طويل الأمد بشأن الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط.

وقال وزير الخارجية اليوناني يورجوس ييرابيتريتيس في بيان مشترك لليونان والدول العربية الثلاث أمام الأمم المتحدة في نيويورك يوم الإثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إنَّ الاتفاق البحري يثير “مخاوف جدية إزاء الأمن والاستقرار الإقليميين” وقد يشكل سابقة سيئة بالسماح “للترتيبات الثنائية التعسفية” بتقويض قواعد القانون الدولي الراسخة.

ومنذ التوصل إلى الاتفاق الليبي التركي عام 2019، منحت اليونان تحالف شركات بقيادة شركة (شيفرون) ترخيصا للتنقيب عن الغاز قبالة جزيرة كريت، وسعت إلى ‌إبرام اتفاق منفصل مع ليبيا بشأن تعيين حدودهما البحرية. وقال ييرابيتريتيس إن أثينا مستعدة لمواصلة هذه الجهود، ودعا ليبيا ‌إلى تعزيز العلاقات الجيدة مع جيرانها بما يتماشى مع القواعد البحرية في إطار عملية الانتقال السياسي.

موقف الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل” من الاتفاق التركي – الليبي

تمسكت اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي ببطلان الاتفاق استناداً إلى أن الجزر اليونانية تقطع الامتداد البحري بين تركيا وليبيا، واعتمادا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار1982، التي لم تنضم إليها أنقرة، وهو ما واجهته الأخيرة بانتقاد الموقف الأوروبي بوصفه “غير بناء” ويكتفي بتبني الرواية اليونانية.

وتؤكد هذه التحركات المتقابلة أن التصعيد الراهن يمثل – كما يقول المحللون – جولة متقدمة لرفع سقوف التفاوض وتحصين المواقع القانونية والسياسية، إذ يدرك الفاعلون أن استخراج ثروات شرق المتوسط يستحيل في بيئة متوترة، مما يجعل التسوية الإقليمية الشاملة عبر طاولة الحوار خيارا حتميا مؤجلا.

أهمية ليبيا في الإستراتيجية التركية

عادت القضية الليبية، إلى الأجندة التركية من جديد، إذ تُعَدُّ ليبيا قريبة جدا بالنسبة لتركيا، وحتى لو كانت بعيدة جغرافيا. وكان أول جندي تركي، وصل إلى ليبيا في عهد الإمبراطورية العثمانية خلال عهد السلطان سليمان القانوني في أوائل القرن السادس عشر، إذ يشير الخبراء إلى أنَّ البلد الأفريقي اكتسب أهمية استراتيجية في أمن البحر الأبيض المتوسط منذ ذلك التاريخ. وأشارت إلى أن تركيا لا تنكر دعمها للحكومة الشرعية في ليبيا، كما أن الارتباط التاريخي بين البلدين هو أحد أهم الأسباب الرئيسية لهذا الدعم. أما السبب الأخر، فيكمن بالمصالح الاستراتيجية التركية في ليبيا، من حيث الأمن القومي لها. فقد اكتسبت ليبيا بعدا استراتيجيا في البحر الأبيض المتوسط، ليس فقط بالبعد الاجتماعي والتجاري وحسب، بل وأيضا بأمن الطاقة.

وإذا كانت اليونان وقبرص اليونانية، ومصر و”إسرائيل” خططت لحصر تركيا في خليج أنطاليا في البحر الأبيض المتوسط، فإنَّ توقيع الاتفاقية البحرية مع ليبيا بعد مصادقة البرلمان الليبي عليها مؤخراً، يمنح أنقرة دعماً مؤسّسياً ليبياً إضافياً، ويضعف الاعتراض المرتبط بالانقسام الداخلي حول الاتفاقية، لكنه لا ينهي الخلاف القانوني مع اليونان وقبرص ومصر، ولا يحسم حقوق الأطراف الثالثة في المناطق البحرية المتنازع عليها. حيث عبرت الخارجية اليونانية عن رفضها الاتفاقية، مؤكّدة تمسّكها بسيادتها.

تتجاوز أهمية الاتفاقية مسألة التنقيب عن الغاز والنفط، فهي تدخل ضمن التنافس على رسم مناطق النفوذ البحري وطرق الطاقة والمواصلات في المتوسّط، وتمنح تركيا موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة التصورات اليونانية والقبرصية لترسيم الحدود، وأيضاً في مواجهة المصالح الاسرائيلية الأوروبية المتعلقة بحركة وإمدادات الغاز. كما تمنح ليبيا فرصة لتعزيز موقعها في هذه المعادلات، شريطة أن تتحول الاتفاقية إلى جزءٍ من سياسة بحرية وطنية واضحة، لا إلى امتداد لمصالح القوى المتنافسة على السلطة داخل البلاد.

خاتمة

لقد تحولت ليبيا الى ساحة حرب إقليمية لا تقف عند حدود البلاد، بل ستكون لها تداعيات عسكرية و سياسية وجيو/استراتيجية خطيرة في كل منطقة الشمال الإفريقي، وشرق البحر الأبيض المتوسط، بسبب تحول ليبيا على مدى السنوات الأخيرة الى مركز استقطاب للجماعات الإرهابية (21 تنظيماً إرهابياً) وانتشار السلاح (42 مليون قطعة سلاح)، ووجود حوالي مليون مهاجر غير شرعي وغياب السيطرة على الحدود الجنوبية مع دول الساحل الإفريقي، والغربية مع تونس والجزائر، وهشاشة الوضع الأمني في أكثر من دولة مجاورة، بالإضافة إلى الخلاف والانقسام بين دول الجوار من أزمة ليبيا وانقسام دول الاتحاد الأوروبي وثبوت التدخل الروسي.

ويأتي اجتماع وزراء خارجية الجزائر وتونس ومصر، الذي انعقد في العاصمة الجزائرية يوم الأحد 25أكتوبر/تشرين الأول 2026، بشأن ليبيا، للتأكيد على تقاطع مواقف السياسة الخارجية للبلدان الثلاثة بشأن الأزمة الليبية، وتبنيها موقفاً موحداً يقوم على مواصلة التشاور والتباحث والتمسك بالدور المركزي لدول الجوار في دعم المسار السياسي الليبي والدفع نحو إيجاد حلول جذرية وعاجلة للأزمة التي تعيشها ليبيا، وفق حل ليبي-ليبي خالص وتحت رعاية أممية.

كما يأتي هذا الاجتماع أيضاً في مرحلة يشهد فيها الوضع في ليبيا تأزماً وتفاقماً للأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وفي سياق حرص دول الجوار الثلاث على الدفع نحو حلحلة هذه الأزمة وما تشكله من خطر يهدد وحدة الدولة وأمنها واستقرارها، لا سيما في ظل تعدد روابط التعاون والمصالح المشتركة التي تربط دول الجوار الثلاث بليبيا، وما للأزمة الداخلية الليبية من تداعيات على هذه البلدان التي تمتد جغرافيتها على شمال إفريقيا وجنوب حوض البحر الأبيض المتوسط.

وتكمن أهمية هذه الآلية الثلاثية في دعمها المسار السياسي الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، والتمسك بدعم الجهود الأممية والمساعي الدولية الرامية إلى تيسير العملية السياسية، بهدف تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، حرة ونزيهة، وفق إطار دستوري وقانوني متوافق عليه، بما يفضي إلى إنهاء كامل للمراحل الانتقالية التي أصبحت أمرا واقعا يزيد في تعميق الأزمة واستفحالها، وينتج عن هذه الانتخابات مؤسسات دستورية شرعية موحدة وقوية ومستقرة، من شأنها أن تضع حدّاً لحالة الانقسام المؤسساتي القائمة في ليبيا منذ عقد ونيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *