نَتَنياهو بَينَ خَسَارة السُّلطة ومَأزِق الحَرب.. وطَهران في قَلبِ مُعادَلةِ التَّسوية الإِقليمية
بقلم زينب عدنان زراقط
قبل الحديث عن تحركات عسكرية أو هجوم إسرائيلي أو أمريكي محتمل، قبل الانتخابات أو بعدها، وعن مَن سيربح ومَن سيخسر، فلنترك جانباً كل هذا التهويل والترهيب؛ فسواء كان نتنياهو أو ترامب أو غيرهما، فهم جميعاً “طبول” للنهج ذاته، وإن اختلفت الوجوه والأساليب.
والأجدر بالتوقف عنده هو الكلفة الاقتصادية الباهظة لإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب معاً، وما يترتب عليه من تداعيات تطال أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وتهدد أمن الاتصالات الدولية وحركة البيانات عبر الكابلات البحرية، فضلاً عن تعطّل شبكات التواصل وخدمات الذكاء الاصطناعي التي بات الغرب يعتمد عليها في منظوماته الاستخبارية وعملياته العسكرية، وما قد يفرضه ذلك من تحديات استراتيجية وتقنية يصعب احتواؤها.
ولعلّ ما يؤكد حجم القلق الإقليمي من أي حماقة عسكرية إضافية هو تحرّك ما يُسمّى بـ “حلف مكة” نحو طهران، بالتزامن مع رسائل أمريكية تدفع باتجاه إعادة فتح قنوات التفاوض مع إيران، في مسعى لاحتواء الأزمات الإقليمية وتجنّب مواجهة واسعة. ويعكس هذا التزامن إدراكاً متزايداً بأن كلفة الحرب باتت تتجاوز قدرة مطلقي التهديدات على تحمّل تبعاتها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية.
أما أبرز نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فتتمثل في تعمّق حالة التَّشتت والانقسام داخل المشهد السياسي، وتصاعد المعارضة لنتنياهو، بالتوازي مع تباينات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية بشأن إدارة المرحلة المقبلة. وفي ظل هذا الانقسام، يصبح اتخاذ قرار بشنّ عمل عسكري واسع، من دون استراتيجية محكمة وأهداف قابلة للتحقيق، مغامرة قد لا تفضي إلا إلى مزيد من الاستنزاف والخسائر والدمار، بدلاً من استعادة الردع أو تحقيق انجاز عسكري.
فهل تنجح أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية في كبح اندفاعة نتنياهو العسكرية، أم تدفعه ضغوط السلطة والمساءلة إلى التصعيد، فيما تتحرك الدول العربية المنضوية ضمن ما يُسمّى “حلف مكة” نحو طهران، بالتوازي مع مساعي واشنطن لإعادة فتح قنوات التفاوض مع إيران واحتواء أزمات المنطقة؟
أولاً: أزمة القيادة الإسرائيلية ومأزق تشكيل الحكومة بعد الانتخابات
لا تنتهي المعركة الإسرائيلية بإعلان النتائج، بل تبدأ بعدها معركة تشكيل الحكومة، التي يمنح القانون مرشحها المكلّف 28 يوماً، قابلة للتمديد 14 يوماً إضافياً. وفي حال فشل المحاولة، يمكن تكليف مرشح آخر، فيما تواصل حكومة نتنياهو تصريف الأعمال إلى حين أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية.
وتكمن العقدة الأساسية في صعوبة تأمين أغلبية برلمانية تبلغ 61 مقعداً، في ظل تشتت الأصوات بين المعسكرات المتنافسة، والدور الذي قد تؤديه القائمة العربية في ترجيح موازين القوى. فنتنياهو، إذا عجز عن تأمين الأغلبية، سيضطر إلى البحث عن أصوات إضافية أو تفاهمات مع أطراف من خارج معسكره، بينما قد يجد آيزنكوت نفسه أمام ضرورة الاستعانة بالأحزاب العربية أو الحصول على دعمها البرلماني. غير أن هذا الخيار يصطدم برفض بن غفير، حليف نتنياهو، لأي شراكة مع الأحزاب العربية، فيما يعارض ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” المعارض لنتنياهو، إشراكها في الحكومة. وهكذا، لا تتوقف الأزمة عند عدد المقاعد التي يحصدها كل معسكر، بل عند قدرته على تحويلها إلى أغلبية قابلة للحكم، ما يجعل تشكيل الحكومة اختباراً للتوازنات والتحالفات بقدر ما هو اختبار لنتائج الانتخابات.
وتكشف تجربة عام 2019 خطورة الانسداد السياسي؛ إذ فشل نتنياهو في تشكيل حكومة بعد انتخابات أبريل، ما أدى إلى انتخابات جديدة في سبتمبر، واستمرت الأزمة حتى تشكيل حكومة وحدة في مايو 2020. وخلال هذه الفترة، واصلت الحكومة الانتقالية إدارة الملفات الأمنية والعسكرية، وشهدت المنطقة عمليات إسرائيلية في سوريا وتصعيداً واسعاً في قطاع غزة. وتؤكد هذه السابقة أن تعثّر تشكيل الحكومة لا يعني توقف العمليات العسكرية؛ إذ يحتفظ نتنياهو، خلال فترة تصريف الأعمال، بصلاحيات تنفيذية وأمنية، وإن كانت قراراته خاضعة لاعتبارات قانونية وسياسية تفرض التحفظ. وبالتالي، فإن خسارته الانتخابات لا تعني زوال صلاحياته فوراً، ولا تستبعد التصعيد العسكري قبل انتقال السلطة إلى حكومة جديدة.
ثانياً: حدود التصعيد العسكري ومستقبل نتنياهو السياسي والقضائي
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل احتمالات التصعيد عن الاستنزاف العسكري والاقتصادي الذي تواجهه إسرائيل، وعن مخاطر اتساع المواجهة لتشمل إيران ودول الخليج ولبنان واليمن. فالتفوق الجوي والتكنولوجي لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، خصوصاً إذا امتدت تداعيات الحرب إلى منشآت الطاقة والكهرباء وتحلية المياه والملاحة في مضيق هرمز، بما يرفع كلفتها على إسرائيل والولايات المتحدة ودول المنطقة. ومن هنا، قد تشكل المرحلة التي تلي الانتخابات فرصة لتسريع المساعي الدبلوماسية، إذا أدركت الأطراف أن كلفة الحرب تتجاوز مكاسبها المحتملة، لكن ذلك لا يستبعد التصعيد، خصوصاً إذا حاولت القيادة الإسرائيلية استعادة الردع بفرض وقائع عسكرية جديدة.
أما خروج نتنياهو من السلطة، إن تحقق، فلا يعني نهاية النهج الصهيوني القائم على الاحتلال والاستيطان ورفض الحقوق الفلسطينية؛ فالاختلاف بين القيادات الإسرائيلية يتعلق أساساً بأسلوب إدارة هذا المشروع. لكنه قد يفتح الباب أمام محاكمات الفساد التي يواجهها، والمساءلة السياسية عن إخفاقات السابع من أكتوبر 2023.
وهنا تبرز المقارنة مع المرشح اليميني البرازيلي “فلافيو بولسونارو”، الذي خسر الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس البرازيلي الحالي “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”، قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة على الرغم من صدور أمر قضائي بتسليم جوازات سفره، وسط تحقيقات تتعلق بشبهات فساد وغسل أموال ينفي ارتكابها. وجاءت خسارته على الرغم من الدعم السياسي الذي حظي به من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودوائر أمريكية مؤيدة له. وبالقياس إلى نتنياهو، فإن خسارة السلطة قد تضعه أمام استحقاقات قضائية وسياسية ثقيلة، على خلفية قضايا الفساد وإخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وتفتح الباب أمام التساؤل عما إذا كان سيواجه هذه الاستحقاقات، أم سيبحث عن مخرج سياسي أو شخصي لتجنب تداعياتها هو الآخر، أم يلجأ إلى الخيار العسكري باعتباره وسيلة لخلط الأوراق وتأجيل المواجهة مع أزماته الداخلية؟!.
وبالتالي، فإن تعثّر تشكيل الحكومة قد يطيل بقاء نتنياهو في السلطة، ولو بصفة حكومة تصريف أعمال، مع احتفاظه بصلاحيات تنفيذية وأمنية واسعة. غير أن استمرار المماطلة قد يفاقم الانقسامات داخل مؤسسات الحكم والجيش، ولا سيما في ظل الخلافات مع القيادة العسكرية. وعندما يدرك نتنياهو أن السلطة تُنتزع من يده، وأن قضايا الفساد والمساءلة عن إخفاقات السابع من أكتوبر تلاحقه، فقد يجد نفسه أمام مرحلة يشعر فيها بأنه لم يعد لديه ما يخسره، ما يجعل المغامرة العسكرية خياراً وارداً لا يمكن استبعاده. وهنا تكمن خطورة المرحلة الانتقالية، بين انقسامات داخلية متصاعدة ومساعٍ إقليمية لاحتواء الأزمات، يبقى احتمال التصعيد قائماً، حتى مع ارتفاع كلفته العسكرية والسياسية.
ثالثاً: هرولة “حلف مكة” إلى طهران ومخاطر التصعيد الإسرائيلي
وتكتسب هذه المرحلة أهمية إضافية بالتزامن مع الاجتماع اللافت الذي جمع أطرافاً من “تحالف مكة” بمسؤولين إيرانيين في طهران، لبحث ملفات إقليمية وسبل تعزيز الأمن والتعاون، وسط تحركات نحو تسوية محتملة مع الولايات المتحدة. ويطرح هذا التزامن احتمالين، إما استثمار المرحلة في احتواء التصعيد وفتح مسار تفاوضي، أو استغلال نتنياهو ما تبقى له من صلاحيات لفرض وقائع عسكرية قبل رحيله. ولا يمكن الجزم بأي من المسارين، لكن التحركات الدبلوماسية تتيح اختبار فرص التسوية بدلاً من افتراض حتمية الحرب.
يكشف التزامن بين الانتخابات الإسرائيلية وتوجّه أطراف من “تحالف مكة” نحو طهران عن تحوّل في الحسابات الإقليمية، فرضته حدود القوة العسكرية وتفاقم الاستنزاف وارتفاع كلفة المواجهة. فالتشاور بشأن ملفات اليمن ولبنان وفلسطين، بالتوازي مع التحركات نحو تسوية مع واشنطن، يعكس سعياً إلى احتواء الأزمات وإعادة ترتيب التوازنات الأمنية بعيداً عن الارتهان الكامل للحماية الأمريكية. وفي ظل مخاطر اتساع الحرب لتطال الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي، لم يعد التصعيد خياراً بلا ثمن، بل مغامرة قد تتجاوز خسائرها قدرة أطرافها على الاحتمال؛ ما يجعل التحرك نحو طهران مؤشراً على أن البحث عن تسوية إقليمية بات ضرورة تفرضها موازين القوة، لا مجرد خيار دبلوماسي.
وفي النهاية أي مغامرة عسكرية قد يقدم عليها نتنياهو لن تهدد مستقبله السياسي فحسب، بل قد تجرّ الكيان الصهيوني بأكمله إلى تداعيات استراتيجية وأمنية واقتصادية خطيرة، خصوصاً إذا دفعت إلى تنسيق أوسع بين قوى محور المقاومة، من الحرس الثوري الإيراني إلى حزب الله في لبنان، مروراً بحركة أنصار الله في اليمن والحشد الشعبي في العراق، بما يفتح جبهات متعددة ويضع إسرائيل أمام استنزاف يصعب احتواء نتائجه. وفي المقابل، تبرز مؤشرات على سعي واشنطن إلى إعادة فتح مسارات التفاوض مع طهران وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة، في ظل اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، التي تفصلنا عنها ثلاثة أيام، إذ قد تفرض حسابات الداخل الأمريكي ضغوطاً إضافية لتفادي حرب إقليمية باهظة الكلفة.
