الاتفاق الأمريكي الإيراني.. وثيقة جديدة تؤكد فشل الحرب
بقلم ابتسام الشامي
قدمت مذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن وثيقة جديدة على فشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في تحقيق أهدافها، بل ذهبت في بنودها أبعد في تأكيد أن نتائج الحرب تعيد رسم المشهد السياسي في المنطقة بما يقوض حضور الولايات المتحدة ونفوذها في منطقة غرب آسيا.
أمريكا نحو الأفول
قبيل نحو عشرة أيام من بداية العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، علّق الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي على ادّعاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن جيشه “هو الأقوى في العالم”، بالقول “حتى أقوى جيش في العالم، أحياناً قد يتعرض للصفع بشدة، لهزيمة ساحقة لدرجة أنه لا يستطيع النهوض”، كان ذلك استشراف مبكر لنتائج حرب سيكون الإمام الشهيد أول ضحاياها، لكن خواتيمها أثبتت ما كان قد قرأ مؤشراته منذ مطلع القرن الجديد، عندما وصف أمريكا وهي في ذروة قوتها المعبّر عنها باجتياحَي أفغانستان والعراق، بأنها جبل من جليد بدأ في الذوبان في العراق.
كلام القائد الشهيد المنطلق من قراءة معمقة لمسار انحدار الولايات المتحدة الأمريكية المتعدد الأبعاد، وصولاً إلى حديثه في السنوات الأخيرة من عمره الشريف عن أفولها، كان العدوان الذي استشهد في ساعاته الأولى، أحد مصاديقه. فحرب الأربعين يوماً التي خططت الغرف السوداء في واشنطن وتل ابيب لأن تكون ضربة قاصمة لنظام الجمهورية الإسلامية، لم تفشل في تحقيق هذا الهدف فحسب، بل وضعت مكانة الولايات المتحدة ونفوذها في منطقة غرب آسيا في دائرة التهديد الوجودي.
وبعيداً عن أكاذيب الرئيس الأمريكي بشأن نتائج الحرب، وما دأب على تكراره عن “استماتة” الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتوقيع اتفاق بعد “تدمير” مقدراتها الصاروخية وقوتها البحرية وبرنامجها النووي، جاءت مذكرة التفاهم التي وقعها عن بعد ترامب ونظيره الإيراني د. مسعود بزشكيان، لتدحض ادعاءات الرئيس الأمريكي، من جهة وتؤكد بالنص المكتوب انتصار الجمهورية الإسلامية في المعركة السياسية بوصفها انعكاساً طبيعياً لنتائج الميدان، وهو ما أقر به الخبراء والمحللون السياسيون، وترك خيبة أمل في أوساط حلفاء أمريكا في المنطقة وفي مقدمهم الكيان الصهيوني، والدول الأخرى التي رهنت قرارها السياسي لواشنطن وارتضت ان تكون بيدقا في حرب ليست حربها.
في هذا السياق، أجمعت تحليلات الصحف الغربية في قراءتها لمذكرة التفاهم، على تراجع الإدارة الأمريكية بصورة كبيرة عن أهدافها المعلنة مع بداية الحرب، في مقابل نجاح إيران في الحصول على متنفس اقتصادي واسع من دون تقديم تنازلات جوهرية وفورية بشأن برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
وربطاً بهذا الاستنتاج، تشير نيويورك تايمز إلى أن الاتفاق يمنح إيران “شريان حياة اقتصادياً” عبر رفع الحصار البحري الأمريكي عن موانئها والسماح مجدداً بتصدير النفط قبل التوصل إلى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي. وفي حديثها للصحيفة تعليقا على الاتفاق، ترى الباحثة نيكول غرايفسكي، المتخصصة في السياسة الخارجية الإيرانية، أن “المذكرة تبدو في مجملها لمصلحة إيران”، إذ تحصل طهران على “مسار لتخفيف العقوبات واستعادة صادرات النفط والحصول على فوائد اقتصادية وخفض الضغوط العسكرية، مقابل التزامات نووية محدودة نسبيا”.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن استئناف صادرات النفط قد يضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، ما يخفف الضغط على الموازنة العامة ويعزز قيمة الريال الإيراني.
بدورها ترى صحيفة الغارديان البريطانية أن الاتفاق يمثل “اعترافاً بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحقق ما أرادت تحقيقه عبر الحرب”، إذ كانت منذ عام 2025 تشترط وقف التخصيب المحلي ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران وإغلاق منشآت التخصيب الجديدة. أما اليوم، فقد اعترف ترامب بحق إيران في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، مع الاكتفاء بخفض نسبة التخصيب إلى 3.67٪ تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أن رفع القيود النفطية سيستلزم – عملياً – تخفيف القيود المصرفية والتأمينية واللوجستية المرتبطة بالتجارة الإيرانية.
من جهتها، تتساءل هيئة تحرير واشنطن بوست: “هل انتهت حرب إيران حقاً؟”، معتبرة أن الحصيلة النهائية جاءت أقل من الأهداف الأمريكية. فالحرب لم تنهِ القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، إذ تشير تقارير استخباراتية مسربة إلى احتفاظ طهران بنحو 70٪ من ترسانتها الصاروخية السابقة، بينما بقيت أطراف حليفة مثل حزب الله والحوثيين قائمة. وفي المقابل، تضيف الصحيفة، دفعت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً في أرواح جنودها، فضلاً عن استنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية بصورة كبيرة. وارتفاع التضخم الأمريكي إلى 4.2٪.
وتضيف الصحيفة إلى الخسائر المادية للولايات المتحدة الأمريكية، خسائرها السياسية، إذ “أثرت الحرب أيضاً في علاقات واشنطن بحلفائها الأوروبيين والخليجيين.
أما من جانب إيران، فقد حصلت بحسب واشنطن بوست على حزمة واسعة من المكاسب، بينها رفع الحصار البحري واستئناف تصدير النفط والإفراج عن أصول بقيمة 24 مليار دولار والمشاركة في صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار.
أما مجلة الإيكونيميست فترى أن ترامب “يراهن على أن إيران تريد المال أكثر من النفوذ”، معتبرة أن الاتفاق يقوم على مبدأ “الجزرة دون العصا”. وتقول المجلة إن الرئيس ترامب تخلى عن معظم أهداف الحرب، فلا تغيير للنظام الإيراني، ولا قيود على الصواريخ الباليستية، ولا إنهاء لدعم طهران لحلفائها الإقليميين.
وإذ أوضحت المجلة البريطانية أن القادة الإيرانيين “لا يثقون بالولايات المتحدة”، كما أن البرنامج النووي يمنحهم مكانة سياسية وضمانة ردع استراتيجية، فإنها خلصت إلى أن ترامب يكرر خطأه الأساسي، قائلة: إن “القاعدة الأولى في الدبلوماسية هي ألا تفترض أن خصمك يفكر بالطريقة نفسها التي تفكر بها أنت”.
أسباب اضطرار الولايات المتحدة إلى توقيع التفاهم:
بنود الاتفاق التي عززت الموقف الإيراني، طرحت علامات استفهام كبرى حول الأسباب الدافعة لموافقة الولايات المتحدة الأمريكية عليها، وهو ما فسره الخبراء السياسيون بالهزيمة العسكرية التي مني بها الجيش الأمريكي وشريكه الإسرائيلي، فضلاً عن افتقاد كل من واشنطن وتل أبيب خطة لإنهاء الحرب.
في هذا الإطار، انتقد الكاتب الأمريكي دبليو جيه هينيغان أداء الولايات المتحدة في حربها على إيران وقال إن “تلك العملية كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية وأفضت إلى هزيمة استراتيجية، على الرغم من التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل الذي أظهرته واشنطن في ساحة المعركة”. وفي مقالة له في صحيفة نيويورك تايمز، يقول الكاتب المتخصص في شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية إن “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن بعد أيام قليلة من بدء الحرب أن الولايات المتحدة باتت على وشك تحقيق نصر حاسم، لكن النتائج التي ظهرت بعد ثلاثة أشهر جاءت بعيدة عن الأهداف المعلنة”.
ويعزو الكاتب الهزيمة الاستراتيجية إلى أن ترامب خاض حرباً ضد خصم لم يكن بحاجة إلى تحقيق نصر عسكري كامل، بل كان يكفيه الصمود، كما اختار التحالف مع إسرائيل التي كانت تمتلك أهدافاً مختلفة تقوم على الحفاظ على تفوقها الإقليمي أكثر من السعي إلى إنهاء الصراع. ويرى أن واشنطن انتهت إلى قبول هدنة هشة مشروطة بدلاً من “الاستسلام غير المشروط” الذي طالب به ترامب، الأمر الذي كشف نقاط ضعف جوهرية في القاعدة الصناعية العسكرية الأمريكية، وأثار مخاوف متزايدة بشأن جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة خصوم أكبر مستقبلاً.
وإذ يشير الكاتب إلى أن الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة باتوا يطرحون تساؤلات متزايدة حول جدوى استضافة القوات الأمريكية بعد تعرض قواعد وسفارات ومنشآت أمريكية عديدة لهجمات إيرانية انتقامية، يقول إن الحرب سلطا الضوء على مشكلة أخرى تتعلق بالاعتماد المفرط على أسلحة متطورة وباهظة الثمن تحتاج إلى وقت طويل لإعادة إنتاجها، إذ أقرّ وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن تعويض المخزونات المستهلكة قد يستغرق أشهراً وربما سنوات.
خاتمة
افتتاحية بعنوان “أمريكا خسرت حربها مع إيران”، تقول صحيفة “الإندبندنت” إن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران لا يعني أن الولايات المتحدة خرجت منتصرة، إذ ترى الصحيفة أن تدخل دونالد ترامب في الشرق الأوسط ربما ترك النظام الإيراني أقوى مما كان عليه قبل النزاع.
