“اتفاقيات أبراهام” وصناعة العنف: كيف تحوّل المال العربي إلى رافعة للمجمّع العسكري “الإسرائيلي”؟
بقلم د. محمد الايوبي
حين تُناقش الحروب التي تشنّها “إسرائيل” في المنطقة، ينصبّ الاهتمام عادة على طبيعة الدعم الأمريكي والغربي الذي يوفّر لها الحماية السياسية والغطاء العسكري والموارد المالية اللازمة للاستمرار.
غير أنّ التركيز الحصري على هذا البعد، على أهميته، يحجب تحولاً جوهرياً شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، يتمثّل في اندماج بعض الدول العربية المطبّعة في المنظومة الاقتصادية والأمنية التي تغذّي المجمّع الصناعي العسكري “الإسرائيلي”.
فمنذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، لم يعد التطبيع مجرد مسار دبلوماسي أو تبادل اقتصادي محدود، بل أصبح جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل البنية الأمنية للشرق الأوسط، بما يسمح بدمج “إسرائيل” في النظام الإقليمي بوصفها مركزاً تكنولوجياً وعسكرياً متقدماً. وفي هذا السياق، تحوّلت بعض الدول العربية إلى أسواق رئيسية للصناعات الدفاعية “الإسرائيلية”، الأمر الذي جعلها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شريكاً في تمويل وتعزيز القدرات العسكرية “الإسرائيلية”.
هذه الحقيقة تفرض إعادة صياغة السؤال التقليدي حول مصادر قوة “إسرائيل”؛ فالمسألة لم تعد تقتصر على حجم المساعدات الأمريكية أو على الدعم الغربي غير المشروط، بل تتعلق أيضاً بشبكة إقليمية من العلاقات الأمنية والاقتصادية التي باتت توفّر للصناعات العسكرية “الإسرائيلية” أسواقاً جديدة، ومصادر دخل إضافية، وشرعية سياسية متزايدة.
الحرب بوصفها نموذجاً اقتصادياً
لفهم هذا التحوّل، ينبغي تجاوز الخطاب التقليدي الذي يقدّم الصناعات العسكرية الإسرائيلية بوصفها قطاعاً اقتصادياً مستقلاً. فالواقع يشير إلى وجود علاقة عضوية بين المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” وشركات السلاح الكبرى، حيث تتداخل الدولة والجيش والقطاع الخاص ضمن منظومة واحدة تُنتج العنف وتسوّقه وتستثمر في نتائجه.
في هذا النموذج، لا تُعدّ الحروب استثناءً طارئاً، بل تتحول إلى جزء من دورة اقتصادية متكاملة. فكل عملية عسكرية واسعة النطاق تؤدي إلى اختبار أنظمة جديدة، وجمع بيانات ميدانية، وتطوير تقنيات قتالية، ثم تحويل هذه الخبرات إلى منتجات قابلة للتسويق عالمياً.
ومن هنا، يصبح المدنيون الذين يعيشون تحت القصف جزءاً من عملية إنتاج القيمة الاقتصادية. فغزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، واليمن، وإيران، لا تمثل في الخطاب التسويقي “الإسرائيلي” مجرد ساحات صراع، بل تتحول إلى مختبرات ميدانية لاختبار فعالية الأسلحة والتقنيات العسكرية.
إن عبارة “مجرّب في المعركة”، التي تروّج بها الشركات “الإسرائيلية” منتجاتها، ليست مجرد وصف تقني، بل تمثل نموذجاً اقتصادياً كاملاً يقوم على تحويل الحرب إلى أداة تسويق، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى قيمة مضافة.
الأرقام التي تكشف بنية العلاقة
تكشف بيانات وزارة الدفاع “الإسرائيلية” حجم التحول الذي شهدته صادرات السلاح “الإسرائيلية” خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2025، بلغت صادرات الصناعات الدفاعية “الإسرائيلية” 19.2 مليار دولار، وهو أعلى رقم في تاريخ الكيان الصهيوني، واستمرار للارتفاع القياسي للعام الخامس على التوالي.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الصادرات العسكرية “الإسرائيلية” تضاعفت خلال خمس سنوات، وتضاعفت أربع مرات خلال عقد واحد. كما بلغت قيمة الاتفاقيات الحكومية المباشرة نحو عشرة مليارات دولار، ما يعكس الطبيعة السياسية والاستراتيجية لهذه الصفقات، التي تتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية.
لكن المؤشر الأكثر دلالة يتمثل في الدور المتنامي للدول العربية المطبّعة. ففي عام 2022، استحوذت دول اتفاقيات أبراهام على نحو 24 في المئة من صادرات الدفاع “الإسرائيلية”، بما يعادل ثلاثة مليارات دولار تقريباً. ورغم تراجع هذه النسبة إلى نحو 3 في المئة عام 2023، فإنها عادت للارتفاع إلى 12 في المئة عام 2024.
أما في عام 2025، فقد اعتمدت وزارة الدفاع “الإسرائيلية” تصنيفاً جديداً تحت عنوان “الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، استحوذ على 15 في المئة من إجمالي الصادرات العسكرية “الإسرائيلية”، بما يقارب 2.9 مليار دولار.
ولا يبدو هذا التغيير في التصنيف مسألة إحصائية محضة، بل يعكس محاولة لتخفيف الحساسية السياسية المرتبطة بإبراز حجم التعاون العسكري مع الدول العربية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب على غزة واتساع رقعة المواجهة الإقليمية.
والأكثر دلالة أن حصة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من صادرات السلاح “الإسرائيلية” تجاوزت في عام 2025 حصة الولايات المتحدة نفسها، التي بلغت 13 في المئة من إجمالي المبيعات.
اتفاقيات أبراهام: من التطبيع إلى إعادة هندسة الإقليم
عندما جرى الترويج لاتفاقيات أبراهام، قُدّمت للرأي العام باعتبارها مشروعاً للسلام والتنمية والتعاون الاقتصادي. لكن التطورات اللاحقة كشفت أن البعد الأمني والعسكري كان في صلب هذه الاتفاقيات منذ البداية. فالتطبيع لم يكن فقط تبادل للسفراء أو فتح للأسواق، بل مثّل خطوة أساسية نحو دمج “إسرائيل” في البنية الأمنية الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة.
وقد تعزز هذا المسار مع قرار واشنطن نقل “إسرائيل” إلى نطاق عمل القيادة المركزية الأمريكية، الأمر الذي سهّل التنسيق العسكري والأمني بينها وبين الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة.
ضمن هذا الإطار، أصبحت الإمارات والبحرين والمغرب جزءاً من شبكة تعاون أمني متنامية تشمل تبادل الخبرات والتكنولوجيا وصفقات التسليح والتنسيق الاستخباري.
ويكشف هذا الواقع عن تحول جوهري في طبيعة العلاقات العربية – “الإسرائيلية”. فالتطبيع لم يعد مجرد قرار سياسي، بل أصبح آلية لإعادة توزيع الموارد الاقتصادية والاستثمارات الاستراتيجية بما يخدم تعزيز التفوق العسكري “الإسرائيلي”.
وبذلك، تتحول الأموال العربية إلى عنصر فاعل في تمويل الصناعات التي تنتج الأسلحة المستخدمة في الحروب الإسرائيلية المتواصلة.
من المجزرة إلى السوق
تكمن خصوصية النموذج “الإسرائيلي” في قدرته على تحويل العمليات العسكرية إلى فرص اقتصادية. فبينما تسعى الدول عادة إلى إخفاء الكلفة الإنسانية للحروب، تعمل “إسرائيل” على توظيف نتائجها ميدانياً وتسويقياً. وقد عبّر مسؤولون “إسرائيليون” مراراً عن هذه الحقيقة بصورة مباشرة، حين ربطوا بين نجاح الصادرات العسكرية وبين الأداء القتالي للجيش “الإسرائيلي” في مختلف الجبهات.
فكل غارة جوية، وكل عملية اعتراض صاروخي، وكل تجربة ميدانية لأنظمة المراقبة أو الحرب الإلكترونية، تتحول إلى مادة دعائية تُستخدم لإقناع المشترين المحتملين بفعالية التكنولوجيا “الإسرائيلية”.
هكذا تصبح الحروب، بكل ما تحمله من دمار وتهجير وقتل، جزءاً من استراتيجية تسويق متكاملة. ولا يتعلق الأمر هنا بممارسات استثنائية، بل بمنطق اقتصادي قائم على تحويل العنف إلى سلعة قابلة للتصدير. فكلما اتسعت رقعة العمليات العسكرية “الإسرائيلية”، ازدادت القيمة التجارية للمنتجات العسكرية التي تروّج لها الشركات “الإسرائيلية “في الأسواق العالمية.
المجمّع الصناعي العسكري “الإسرائيلي”
تعتمد “إسرائيل” في هذا النموذج على شبكة متكاملة تضم وزارة الدفاع والجيش وشركات الصناعات العسكرية الكبرى.
وتستحوذ شركات مثل “”إلبيت سيستمز” و”صناعات الفضاء الإسرائيلية” و”رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة” على نحو 90 في المئة من إجمالي صادرات السلاح “الإسرائيلية”. ولا تعمل هذه الشركات بمعزل عن المؤسسة العسكرية، بل تشكّل جزءاً عضوياً من منظومة واحدة تتبادل الموارد والخبرات والتمويل.
وتُعدّ شركة “إلبيت سيستمز” مثالاً واضحاً على هذا النموذج. فقد ارتفعت إيرادات الشركة إلى 7.9 مليار دولار في عام 2025، بينما بلغ حجم طلباتها المستقبلية 28.1 مليار دولار. واللافت أن غالبية هذه الطلبات تأتي من خارج “إسرائيل”، ما يؤكد أن الحروب الإقليمية لم تضعف مكانة الصناعات العسكرية الإسرائيلية، بل عززتها. وقد أقرّ مسؤولو الشركة علناً بأن الطلب على منتجاتها يرتفع كلما توسعت العمليات العسكرية “الإسرائيلية”، وأن الزبائن يفضّلون الأنظمة التي أثبتت فعاليتها في ميادين القتال. بعبارة أخرى، تتحول معاناة الشعوب في المنطقة إلى شهادة جودة تجارية.
التمويل غير المباشر للحرب
قد تجادل بعض الدول المطبّعة بأن صفقات السلاح مع “إسرائيل” تندرج ضمن اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، وأنها لا تمثّل دعماً مباشراً للعمليات العسكرية “الإسرائيلية”. غير أن هذا الفصل بين الاقتصاد والسياسة يتجاهل الطبيعة الخاصة للمجمّع الصناعي العسكري “الإسرائيلي”.
فعائدات صادرات السلاح لا تذهب إلى شركات مستقلة ومنفصلة عن الدولة، بل تُستخدم لتعزيز القاعدة الصناعية التي يعتمد عليها “الجيش الإسرائيلي”، وتمويل الأبحاث والتطوير، وتوسيع القدرة الإنتاجية.
كما أن الحكومة “الإسرائيلية” نفسها تؤكد أن نمو صادرات الدفاع يشكل أحد مصادر دعم بناء القوة العسكرية للجيش. وبالتالي، فإن كل صفقة تسليح جديدة تساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تعزيز القدرات العسكرية “الإسرائيلية”.
ولا يتعلق الأمر بالتمويل فقط، بل أيضاً بمنح الشرعية السياسية والأمنية لنموذج يقوم على تحويل الحروب إلى فرص استثمارية.
ما وراء الخطاب الرسمي
تسعى اتفاقيات أبراهام إلى تقديم نفسها بوصفها مشروعاً للسلام والاستقرار. لكن الأرقام تكشف واقعاً مختلفاً. ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية “الإسرائيلية” في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وإيران، تستمر صادرات السلاح “الإسرائيلية” في تحقيق مستويات قياسية، وتواصل الدول المطبّعة تعزيز علاقاتها الأمنية والعسكرية مع تل أبيب.
وهذا التناقض يكشف الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. فالسلام الحقيقي لا يُقاس بعدد السفارات المفتوحة أو بحجم التبادل التجاري، بل بمدى مساهمته في الحد من العنف وتقليص أسباب الصراع.
أما حين تتحول اتفاقيات السلام إلى أدوات لتعزيز التفوق العسكري لطرف منخرط في حروب متواصلة، فإنها تفقد مضمونها الأخلاقي والسياسي، وتصبح جزءاً من بنية الصراع نفسها. إن القضية، في جوهرها، لا تتعلق فقط بالتطبيع أو بمواقف الحكومات، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكّل اليوم، وبالسؤال الأساسي حول من يملك القوة، ومن يمولها، ومن يدفع ثمنها.
وفي هذا السياق، تبدو الإجابة واضحة: إن الحروب “الإسرائيلية” لا تُموَّل فقط من خلال الدعم الأمريكي والغربي، بل أيضاً عبر شبكة إقليمية من العلاقات الاقتصادية والأمنية التي باتت تجعل بعض الدول العربية شريكاً في تمويل المجمّع العسكري “الإسرائيلي”.
وعندما تتحول المجازر إلى فرصة استثمارية، وتصبح دماء المدنيين أداة لتسويق الأسلحة، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس فقط من يطلق النار، بل أيضاً من يموّلها، ومن يربح منها، ومن يمنحها الشرعية للاستمرار.
