دوليات

الحرب على إيران متواصلة، والمأزق الأمريكي يتعمق

بقلم ابتسام الشامي

قيود تمنع توسيع الحرب

أعادت زيارة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تسليط الضوء على نتائج الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتأثيرها في علاقات الحليفين، في ضوء ما بدا تبايناً في مقاربة مستقبلها، بعدما تمكنت طهران من إسقاط أهداف الحرب ووضع صانع قرارها في مأزق يصعب الخروج منه من دون أثمان باهظة سواء في المكانة والسمعة، أو في الأكلاف البشرية والاقتصادية، وهي أثمان يحاذر الرئيس الأمريكي حتى الآن دفعها، محاولاً الالتفاف عليها بعمليات عسكرية تبقى دون سقف الحرب الواسعة من دون تقفل في الوقت نفسه باب التفاوض السياسي.

علماً أن خيار توسيع الحرب الذي يهدد به ترامب يفقد معناه في ظل تراجع القدرة الأمريكية من الناحية العسكرية على السير به وفق ما تقر به المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها. في هذا السياق أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرجأ خططاً لتصعيد الحملة العسكرية ضد إيران، خشية استنزاف مخزونات صواريخ باتريوت الاعتراضية وغيرها من ذخائر الدفاع الجوي. وذكرت الصحيفة أن ترامب قد أرجأ، على الأقل في الوقت الراهن، خطط تصعيد الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران بشكل حاد، وذلك خشية أن يؤدي توسيع نطاق الحرب إلى استنزاف خطير للمخزونات المتناقصة أصلاً في المستودعات من صواريخ باتريوت الاعتراضية وغيرها من الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي التابعة للبنتاغون في الشرق الأوسط. ووفقاً للصحيفة، جاء قرار تأجيل تكثيف الضربات عقب اجتماع ترامب مع مستشاريه وكبار المسؤولين الحكوميين يوم الجمعة الماضي. وبحسب الصحيفة الأمريكية نفسها فإن “رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، حذر سراً من إمكانية استئناف العمليات، لكنه أكد أن ذلك سيؤدي إلى استنزاف خطير لمخزونات الصواريخ الاعتراضية”.

وأوضحت الصحيفة أن “معظم المقربين من ترامب لم يعتبروا خطة التصعيد حكيمة”، فيما قال مسؤول أمريكي إن “الضربات تأتي بنتائج عكسية، إذ تبقي إيران متماسكة وتمكن القادة الإيرانيين من تركيز الاهتمام على التهديد الخارجي ومواجهته”.

مخاوف من الحرب الاقليمية

الذهاب إلى توسيع الحرب في ظل نقص المخزون الاستراتيجي الأمريكي من الأسلحة الهجومية والدفاعية، تزداد خطورته مع مؤشرات اتساع رقعة النار في المنطقة، بمعنى أن تتحول إلى حرب إقليمية، وهو ما حذرت منه صحيفة الإندبندنت البريطانية، التي رأت أن “الحرب عبر الشرق الأوسط، أصبحت مُهددة بالتحول إلى صراع إقليمي مع دخول القتال بين الولايات المتحدة وإيران شهره السادس”. مشيرة إلى أن “نتيجة الضربات العسكرية الأمريكية والرد الإيراني تأثرت عدة دول بضرباتٍ إيرانية انتقامية عبر الخليج، في وقت أدى فيه الحصار الأمريكي الإيراني لمضيق هرمز إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ما أثر في الاقتصاد العالمي”.

وذكرت الصحيفة أن “من ضمن الدول التي تورطت في الصراع، دول الخليج، فقد شنّت إيران هجمات عسكرية في أنحاء متفرقة من الخليج بعد أن ردّت بهجمات على قواعد أمريكية في المنطقة وتأثرت كل من البحرين والكويت وقطر والسعودية وعُمان والإمارات، واستُهدفت محطات تحلية المياه ومصافي النفط والموانئ ومحطات توليد الطاقة والمطارات والمواقع العسكرية الأمريكية، ويبدو أن الإمارات كانت الأكثر تضرراً، حيث أطلقت إيران نحو 3000 طائرة مسيّرة وصاروخ على أراضيها منذ شباط”.

العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

فشل الحرب في تحقيق أهدافها بفعل صمود إيران وتحويلها العدوان إلى مأزق للولايات المتحدة الأمريكية ووكلائها في المنطقة، لم تقتصر تداعياته على الجانب العسكري والاقتصادي فحسب وإنما انسحب أيضاً على الجانب السياسي، وتحديداً على علاقات واشنطن بتل ابيب، مع تنامي الاعتقاد في الأوساط الأمريكية بأن نتنياهو ورّط ترامب في حرب غير مضمونة النتائج. وفكرة التوريط هذه بدت حاضرة في زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض، الذي سبقه إليه الحديث عن افتراق في مقاربة مستقبل الحرب، وهو ما لم تبدده الابتسامات التي تبادلها الضيف والمضيف. وعلى الرغم مما أبداه الإعلام الأمريكي من إجماع بأن لقاء ترامب نتنياهو أظهر توافقا في الهدف الاستراتيجي المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلا أنه كشف أيضاً عن تباينات متزايدة بشأن كيفية إدارة الحرب التي دخلت شهرها الخامس. وفي هذا الإطار ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن اللقاء جرى في وقت يسعى فيه الزعيمان إلى احتواء الفجوة الآخذة في الاتساع بينهما حول كيفية إدارة الحرب في إيران، وذلك بعد مرور 5 أشهر من إطلاقهما معاً جهوداً لإسقاط النظام هناك، “فالحرب التي كان يُفترض أن تستمر أسابيع قليلة، تحوّلت إلى صراع طويل الأمد، بينما واصل ترامب البحث عن مخرج منها”. وتشير الصحيفة الأمريكية إلى أن الحرب لم تفشل في إسقاط النظام الإيراني فحسب وإنما “عززت المتشددين داخله”، وفي المقابل، أصبح الرئيس ترامب وفق صحيفة واشنطن بوست “أكثر ميلاً للبحث عن مخرج دبلوماسي، بعدما تبين أن إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار لم يكن بالسهولة التي افترضتها التقديرات الأولية”.

بدورها تقول صحيفة وول ستريت جورنال، إن “التصريحات الإيجابية بين ترامب ونتنياهو، لم تبدد الانطباع بأن العلاقة تمر بمرحلة أكثر تعقيداً مقارنة بالأشهر الأولى للحرب”، مشيرة إلى أن “عقد الاجتماع نفسه لم يكن محسوماً إلا في الأيام الأخيرة، بعدما طالبت الإدارة الأمريكية إسرائيل باتخاذ خطوات تثبت جديتها في دعم جهود السلام التي ترعاها واشنطن في كل من لبنان وقطاع غزة”. وبحسب الصحيفة، فإن من بين المؤشرات التي عكست فتوراً نسبياً في العلاقة بين الرجلين “امتعاض ترامب من إعلان نتنياهو عزمه عرض معلومات استخباراتية تتعلق بمنشأة جبل الفأس الإيرانية، حيث قال ترامب في مقابلة مع قناة فوكس نيوز إنه كان يفضّل أن يطلعه نتنياهو على تلك المعلومات مباشرة بدلاً من الإعلان عنها إعلامياً، مضيفاً أن الموقع ليس مشكلة كبيرة”، في إشارة فسرها مراقبون على أنها تقليل من أهمية الرواية الإسرائيلية بشأن الحاجة إلى تصعيد جديد. وتشير الصحيفة إلى أن ترامب أصبح أكثر استعداداً لإظهار خلافاته مع نتنياهو بصورة علنية، وهو تطور يختلف عن طبيعة العلاقة التي جمعت الرجلين في بداية الحرب، عندما نجح نتنياهو في إقناع الرئيس الأمريكي بأن الهجوم على إيران قد يصنع إنجازاً تاريخياً للإدارة الأمريكية.

وفي سياق متصل، تقول صحيفة واشنطن بوست إن “الحرب الممتدة غيّرت كثيراً من الحسابات داخل البيت الأبيض، إذ يشعر ترامب بإحباط متزايد لأن النظام الإيراني أثبت قدرة على الصمود، كما أن الضربات الإسرائيلية الأولى أزاحت شخصيات كانت واشنطن ترى أنها قد تمثل بدائل أكثر اعتدالاً داخل المؤسسة الإيرانية”.

وترى الصحيفة أن الضغوط الانتخابية تدفع ترامب إلى البحث عن تسوية سياسية تقلل من الكلفة الاقتصادية للحرب، في حين يخوض نتنياهو أيضاً معركة انتخابية داخلية مقررة في تشرين الأول، تعتمد بدرجة كبيرة على صورته باعتباره الزعيم القادر على الحفاظ على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة.

وحول زيارة نتنياهو إلى البيت الابيض، لاحظت صحيفة وول ستريت جورنال أن نتنياهو “وصل إلى واشنطن وهو أقل نفوذاً مما كان عليه خلال زياراته السابقة، بعدما تراجعت مكانته داخل الأوساط السياسية الأمريكية، سواء بين الديمقراطيين أو حتى داخل الحزب الجمهوري”. مشيرة إلى أن وفاة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي كان يمثل أحد أبرز الداعمين لـ “إسرائيل” داخل الحزب الجمهوري، حرمت نتنياهو من شخصية لعبت دور الوسيط مع ترامب طوال سنوات. كما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي انتقادات متزايدة داخل الولايات المتحدة بسبب استمرار الحرب، إلى جانب ملفات غزة ولبنان، وهو ما انعكس في تصاعد الأصوات المطالبة بإعادة تقييم الدعم الأمريكي لـ “إسرائيل”.

بدوره تناول موقع بوليتيكو الإخباري زيارة نتنياهو من زاوية تنامي قلق تيار “أمريكا أولاً” داخل الحزب الجمهوري من احتمال أن يؤدي اللقاء إلى جر الولايات المتحدة نحو انخراط عسكري أوسع في الحرب. ونقل الموقع عن ستيف بانون أحد أبرز رموز التيار، قوله إن “كثيراً من أنصار ترامب يشعرون بالغضب من استمرار تأثير نتنياهو في السياسة الأمريكية”، معتبراً أن زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكررة للبيت الأبيض لا تخدم شعار “أمريكا أولاً”. ويشير الموقع في تقريره إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب بسبب آثارها الاقتصادية، وهو ما يجعل الملف الإيراني حاضراً بقوة في حسابات الانتخابات الأمريكية المقبلة.

خاتمة

بينما تتواصل الحرب على إيران بشكل أو بآخر، تتواصل تداعياتها الثقيلة على البيت الأبيض، وعلاقة ساكنه برئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، في وقت يزداد فيه الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة حدة، بين من يرى في علاقة واشنطن بتل أبيب ذخراً استراتيجياً يجب المحافظة عليها ومن يرى فيها عبئاً ثقيلاً يجب التخفف منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *