من الاحتكاك إلى الحسم.. كيف يوظف نتنياهو التصعيد في الضفة لخدمة مشروع الضم والانتخابات؟
بقلم د. محمد الايوبي
لم تكن أحداث بلدة تل، جنوب غربي نابلس، الشرارة التي أشعلت التصعيد في الضفة الغربية، بقدر ما كانت اللحظة التي كشفت بوضوح طبيعة المشروع “الإسرائيلي” الجاري تنفيذه منذ أشهر.
فالتصعيد العسكري، واقتحامات المدن والمخيمات، واعتداءات المستوطنين، والتوسع في إنشاء البؤر الاستيطانية، كلها لم تبدأ بعد تلك الأحداث، وإنما كانت قائمة قبلها، ثم جاءت تل لتوفر لحكومة بنيامين نتنياهو الذريعة السياسية والإعلامية لتسريع ما كان مخططاً له أصلاً.
وتشير الأرقام إلى أن الضفة الغربية تعيش واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات. فمنذ مطلع عام 2026، اُستشهد أكثر من 87 فلسطينياً، بينهم 21 على أيدي مستوطنين، فيما أصيب نحو 850 آخرين نتيجة اعتداءات المستوطنين خلال النصف الأول من العام. أما منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد تجاوز عدد الشهداء في الضفة الغربية ألفاً وثلاثة فلسطينيين، بالتزامن مع تسجيل أكثر من 11 ألف اعتداء للمستوطنين خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، ووجود 925 حاجزاً وعائقاً عسكرياً يقطع أوصال المدن والقرى الفلسطينية، فضلاً عن تهجير أكثر من 13 ألف فلسطيني، وهو رقم يفوق مجموع النازحين في الأعوام الأربعة عشر السابقة مجتمعة.
هذه الأرقام لا تصف فقط تصعيد أمني، بل تعكس انتقال “إسرائيل” إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تقوم على الجمع بين القوة العسكرية الرسمية وإرهاب المستوطنين ضمن استراتيجية واحدة، هدفها إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية.
التصعيد سبق أحداث تل
ما كان يوصف سابقاً بـ “هجمات المستوطنين” تحول إلى نمط منظم من الإرهاب المدعوم رسمياً. فوفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تم توثيق أكثر من 1,330 حادثة قام بها مستوطنين “إسرائيليين” في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026 وحده. وهذا الرقم لم يكن ليبلغ هذا المستوى لولا أن هذه الاعتداءات باتت تتم بتغطية عسكرية وشجاعة سياسية.
ففي أعقاب أحداث تل، أضرم مستوطنون النار في مسجدين، أحدهما في قوصرة جنوب نابلس والآخر في كور جنوب طولكرم، وكتبوا على جدران أحدهما: “إراقة الدم اليهودي لا تمر دون ثمن”. وفي مشهد يعكس تحولاً نوعياً، لم تكتفِ هذه الجماعات بحرق الممتلكات والسيارات، بل شرعت في قطع أشجار الزيتون والتين، في حرب ممنهجة ضد الوجود الفلسطيني بكل مقوماته.
حيث باتت هجمات المستوطنين تمثل 55٪ من إصابات الفلسطينيين في الضفة الغربية عام 2026، مع ارتفاع حاد في وتيرتها من هجمة كل ثلاثة أيام عام 2020 إلى أكثر من ثلاث هجمات يومياً عام 2026. وهذا ليس مجرد تصاعد كمي، بل تحول كيفي يعكس دور المستوطنين كـ “ميليشيات” تعمل جنباً إلى جنب مع الجيش، في إطار ما يمكن وصفه بـ “إرهاب الدولة الموازي”.
القراءة المتأنية للمشهد الميداني تظهر أن العمليات العسكرية “الإسرائيلية” لم تكن رد فعل على ما جرى في بلدة تل، بل كانت جزءاً من خطة أوسع استهدفت مدن شمال الضفة الغربية ومخيماتها منذ بداية العام، عبر الاقتحامات المتكررة، وعمليات الاغتيال، وهدم المنازل، وفرض الحصار على التجمعات الفلسطينية.
وجاءت أحداث تل لتمنح حكومة نتنياهو فرصة سياسية لتوسيع هذه العمليات، وربطها بخطاب “محاربة الإرهاب”، بما يسمح بتبرير إجراءات كانت موضوعة سلفاً، وفي مقدمتها تسريع إنشاء البؤر الاستيطانية، وتوسيع المستوطنات القائمة، وتشديد القبضة العسكرية على المناطق الفلسطينية. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا غيرت تل؟ بل: كيف استُخدمت تل لتسريع مشروع كان يسير بالفعل على الأرض؟
من العمليات العسكرية إلى التهجير المنظم
لا يمكن قراءة العمليات العسكرية بمعزل عن عنف المستوطنين. فالطرفان يؤديان وظيفتين مختلفتين داخل المشروع نفسه. فالجيش يفرض السيطرة الأمنية، ويهدم المنازل، ويقيم الحواجز، ويقيد الحركة، فيما يتولى المستوطنون خلق بيئة طاردة للحياة الفلسطينية عبر الاعتداء على السكان، وإحراق الممتلكات، والسيطرة على الأراضي الزراعية، وإقامة البؤر الاستيطانية.
فالعمليات العسكرية لم تعد تقتصر على مخيمات جنين وطولكرم، بل بدأت تمتد تدريجياً نحو وسط الضفة وجنوبها. والأكثر دلالة أن هذه العمليات تزامنت مع سياسة ممنهجة لهدم المنازل وتجريف الأراضي، ما أدى إلى نزوح أكثر من 13,000 فلسطيني، في رقم يتجاوز إجمالي النازحين خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية مجتمعة.
وحذرت مصادر أمنية “إسرائيلية” نفسها من أن سلسلة الأحداث الأخيرة قد “تشعل الأوضاع وتؤدي إلى انفجار شامل”. لكن التحذيرات الأمنية، التي تعرف خطورة الاحتكاك اليومي والمستفز، تصطدم بجدار السياسة الأيديولوجية التي تسعى إلى استغلال الفرصة الذهبية لفرض واقع جديد. وبهذه الآلية المزدوجة يتحول الفلسطيني إلى محاصر من كل الجهات؛ فلا يستطيع الوصول إلى أرضه، ولا حماية منزله، ولا التنقل بحرية، لتصبح الهجرة، بالنسبة لبعض العائلات، خياراً قسرياً تفرضه ظروف الحياة اليومية، لا قراراً طوعياً. ومن هنا، فإن التهجير لا يجري عبر قرارات رسمية تعلنها “الحكومة الإسرائيلية”، وإنما عبر سياسة استنزاف متواصلة تجعل البقاء أكثر كلفة من الرحيل.
البؤر الاستيطانية.. أدوات الضم السريع
إذا كانت العمليات العسكرية تمثل السيف، فإن البؤر الاستيطانية تمثل الإزميل الذي يعيد نحت خريطة الضفة. ففي الأيام القليلة التي أعقبت أحداث تل، أقام مستوطنون أربع بؤر استيطانية جديدة قرب موقع المواجهات، بعضها في مناطق مصنفة “ب” التي يفترض أن تكون خاضعة للإدارة الفلسطينية والأمن المشترك. وهذه ليست ممارسة جديدة، بل نمط متكرر: كل حدث أمني يتحول إلى ذريعة لتوسيع رقعة الاستيطان.
والأكثر إثارة للقلق أن “الحكومة الإسرائيلية” شرعت في تسريع عملية “تسوية أوضاع” البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتحويلها إلى مستوطنات رسمية. وقد أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن بناء 763 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة “عيلي”، في وقت كشفت فيه تقارير عن خطة سرية وافق عليها المجلس الوزاري المصغر في مارس 2026 لإنشاء 34 بؤرة استيطانية جديدة في مختلف أنحاء الضفة.
وفي هذا السياق، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن تسريع إنشاء البؤر الاستيطانية يشكل “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي” وعقبة رئيسية أمام حل الدولتين. لكن التحذيرات الدولية، كما جرت العادة، تبقى حبراً على ورق في مواجهة مشروع إحلالي يسير بسرعة الضوء.
الانتخابات والحاجة إلى التصعيد
يأتي هذا التصعيد أيضاً في سياق داخلي “إسرائيلي” لا يقل أهمية عن السياق الميداني. فمع اقتراب موعد الانتخابات “الإسرائيلية” في 27 أكتوبر 2026، يجد بنيامين نتنياهو، ومعه أحزاب اليمين القومي والديني، أن المنافسة الانتخابية ستكون محكومة بخطاب الأمن والاستيطان أكثر من أي ملف آخر. ولذلك، فإن التوسع في الضفة الغربية، والتشدد تجاه الفلسطينيين، وتحقيق مكاسب استيطانية جديدة، تتحول إلى أدوات لتعزيز الشعبية داخل الشارع اليميني.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش امتداداً لبرنامج سياسي يقوم على فرض السيادة “الإسرائيلية” على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية، وتقليص الوجود الفلسطيني إلى الحد الأدنى.
ولهذا، لم يكن مستغرباً أن تعقب أحداث تل الدعوات إلى إقامة بؤر استيطانية جديدة، وتسريع شرعنة البؤر القائمة، والمطالبة بتغيير التصنيفات الإدارية لبعض المناطق، بما يفتح الباب أمام سيطرة “إسرائيلية” أوسع على الأرض.
وقد كشف محافظ نابلس غسان دغلس حقيقة هذا المشهد عندما قال لصحيفة “جيروزاليم بوست”: “هذا وقت انتخابي لـ “لإسرائيليين”، ونتنياهو وأعضاء حكومته يريدون استرضاء المستوطنين الذين يصوتون لهم”. وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية “تتردد في اتخاذ إجراءات ضد مؤيديها” من المستوطنين المتطرفين، حتى عندما يرتكبون جرائم واضحة.
وهذا يفسر لماذا لم تُسجَّل أي حالة اعتقال لمستوطنين متورطين في هجمات ضد الفلسطينيين، في تناقض صارخ مع الحملة الواسعة ضد الفلسطينيين التي أوقعت عشرات المعتقلين. إنها سياسة “الوجهين” التي تميز حكومة تريد أن تظهر بمظهر الحازمة ضد “الإرهاب” الفلسطيني، بينما تتغاضى عن إرهاب المستوطنين بل وتشجعه.
وقد حذر نحو 600 من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين “الإسرائيليين” السابقين في رسالة مشتركة إلى الرئيس الأمريكي من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى عواقب “أكثر كارثية” مما حدث في 7 أكتوبر 2023. لكن يبدو أن حسابات الانتخابات تطغى على حسابات الأمن القومي، ولو على حساب استقرار المنطقة بأسره.
منطق “أرض أكثر… وعرب أقل”
لا يمكن فهم ما يجري بعيداً عن العقيدة التي تحكم اليمين “الإسرائيلي” اليوم، والقائمة على معادلة واضحة: السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، مع تقليص عدد الفلسطينيين المقيمين عليها.
ومن هنا، يتحول عنف المستوطنين إلى أداة سياسية، لا إلى سلوك فردي، وتصبح العمليات العسكرية غطاءً أمنياً لمشروع استيطاني أوسع، فيما تتكامل القوانين والإجراءات الإدارية مع الوقائع التي تُفرض بالقوة على الأرض.
وهكذا، فإن كل بؤرة استيطانية جديدة، وكل طريق يقطع أوصال القرى، وكل حاجز إضافي، لا يمثل إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل خطوة جديدة في مشروع طويل الأمد يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية.
الفلسطيني… العقبة الأخيرة
وعلى الرغم من اختلال موازين القوة، يبقى الفلسطيني العقبة الأساسية أمام هذا المشروع. فالتجربة التاريخية، منذ نكبة عام 1948، رسخت لدى الفلسطيني قناعة بأن مغادرة الأرض تعني خسارتها إلى الأبد. ولذلك، فإن التمسك بالأرض لم يعد مجرد موقف وطني، بل تحول إلى وسيلة دفاع استراتيجية في مواجهة مشروع الإحلال.
ولهذا، تبدو معركة الضفة الغربية اليوم أكبر من كونها مواجهة أمنية أو عسكرية؛ إنها صراع على الوجود والهوية والجغرافيا. وما دامت “إسرائيل” ترى في التهجير مدخلاً للحسم، فإن الفلسطيني يرى في البقاء على أرضه شكلاً من أشكال المقاومة، وربما السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة مشروع يقوم، في جوهره، على إفراغ الأرض من أصحابها قبل ملئها بالمستوطنين.
وفي ضوء ذلك، تبدو أحداث تل محطة كاشفة أكثر منها نقطة انطلاق؛ فقد فضحت التداخل الكامل بين الجيش والمستوطنين، وبين القرار الأمني والقرار الاستيطاني، وبين الحسابات الانتخابية والمشروع الأيديولوجي. أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الضفة الغربية، فهو ليس ما إذا كانت “إسرائيل” ستواصل هذا المسار، بل ما إذا كان المجتمع الدولي سيبقى يكتفي بتوثيق الأرقام، فيما تُستخدم هذه الأرقام نفسها لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع قد يصعب تغييرها مستقبلاً.
