مسار متصاعد للأحداث.. تعنت سعودي لرفع الحصار عن اليمن
بقلم نوال النونو
تتصاعد الأحداث دراماتيكياً مع استمرار قرار اليمن بحظر الملاحة البحرية على السعودية في البحر الأحمر، وإصرار السعودية على التعنت وفتح جبهات جديدة، والانخراط مع الولايات المتحدة الأمريكية في استهداف العراق بذرائع واهية.
ولجأت السعودية خلال الأسبوع الماضي إلى محاولة كسر الحصار اليمني عن طريق إقناع السفن بالعبور، معتقدة أن اليمن لن يغلق البحر، وأنه يهدد من أجل الحصول على امتيازات مالية، لكن السفن، وبمجرد المرور، واجهت تحذيرات من قبل القوات البحرية اليمنية، ثم جاء استهداف السفن المخالفة ليضع السعودية أمام امتحان حقيقي، والإدراك بأن الموقف اليمني جاد، وليس مجرد استعراض كلامي.
وأدت البداية الأولى للحصار إلى عرقلة مرور ناقلات النفط السعودية العملاقة، ولا سيما تلك التي تتجه نحو آسيا، كالصين واليابان وكوريا الجنوبية، فقد اضطرت السعودية إلى سلوك طريق البحر الأحمر ومضيق باب المندب كخط بديل عن مضيق هرمز المغلق نتيجة العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، لكن هذا الطريق يواجه الآن معضلة كبرى نتيجة الحصار اليمني، ما يجعل المملكة تفكر في حلول معقدة جداً، فإغلاق البحر الأحمر ومضيق باب المندب يعني أن ما يقارب 4 ملايين برميل من النفط سيتوقف عن التصدير، وأن التكلفة ستكون عالية جداً إذا سلكت المملكة طريق رأس الرجاء الصالح والعبور حول قارة أفريقيا بالكامل.
قصف الحديدة يزيد الأحداث سخونة
وأمام وتيرة الضغط اليمني على السعودية في البحر الأحمر، لجأت الرياض إلى تغليب الحل العسكري على الحلول الأخرى، فبدأت مباشرة في قصف محافظة الحديدة غربي اليمن مطلع الأسبوع الماضي، موصلةً رسالةً بأنها ستضاعف العقاب على اليمنيين عن طريق إغلاق أهم منفذ بحري لهم، وهو ميناء الحديدة، الذي تعتمد عليه صنعاء في دخول البضائع والمشتقات النفطية.
لكن الرد اليمني جاء سريعاً وقوياً وغير متوقع، فقد استهدفت القوات المسلحة اليمنية المنشآت النفطية لشركة أرامكو في جيزان جنوب المملكة، وفي ينبع غربها، ما أدى إلى اندلاع حرائق ضخمة تناقلتها وسائل الإعلام الدولية، وتسبب القصف، الذي نُفذ بعشرات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، في توقف مصفاة جيزان نهائياً، والإقرار السعودي بأن إصلاحها يحتاج إلى مدة زمنية حددتها بـ15 أغسطس/آب من العام الحالي، ما يعني أن العملية اليمنية تمكنت من توقيف تصدير 400 ألف برميل من النفط السعودي يومياً من جيزان، وهي خسارة مكلفة للرياض إلى جانب خسائر توقف التصدير عبر البحر الأحمر.
وإلى جانب ذلك، لجأت السعودية إلى استخدام الطائرات المسيرة التركية في محاولة لاختراق السيادة اليمنية، والاستطلاع والتجسس قبل تنفيذ أي غارات عدوانية، لكن قوات الدفاع الجوي كانت حاضرة وبفاعلية، وخلال الأسبوع الماضي تم إسقاط 3 طائرات تركية مسيرة متطورة، ما يجعل السعودية تواجه اختباراً جديداً يتمثل في العجز عن استخدام سلاح الطيران.
وبناءً على ذلك، جاء الرد اليمني سريعاً، فأقدمت القوات المسلحة اليمنية على قصف إمدادات النفط السعودي الخام الممتدة من شرق المملكة إلى غربها، وهي عملية أزعجت السعودية، لكن الغريب أنها، بدلاً من توجيه الاتهام لليمن بهذا الاستهداف، سارعت إلى اتهام العراق وقوات الحشد الشعبي بأنهما المسؤولان عن هذا الاستهداف، ورغم النفي العراقي الواضح والصريح، إلا أن السعودية لجأت إلى تنفيذ عدوان غاشم على العراق بالاشتراك مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأدى العدوان إلى ارتقاء عشرات الشهداء من أبناء الشعب العراقي، لتفتح السعودية على نفسها جبهة جديدة كانت نائمة.
تشكيل تحالف بحري وتحريك مرتزقة السعودية
وتواجه السعودية مشكلة كبيرة في التعامل مع الجبهة اليمنية، لكنها تمضي في الخيارات العسكرية، والاعتماد كلياً على واشنطن، ولهذا جاءت زيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى أمريكا الأربعاء الفائت للبحث عن مخرج من ورطتها في اليمن والعراق، وبدأت وسائل الإعلام الموالية لها تتحدث بأن الرياض تسعى إلى تشكيل تحالف بحري ضد اليمن مكون من 50 دولة، وأن من أبرز المشاركين مصر، وتركيا، وباكستان، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
ويعد خيار تشكيل تحالف بحري تجربة فاشلة، فقد سبق أن شكلت أمريكا “تحالف حارس الازدهار” إبان إسناد اليمن الكبير لغزة عام 2023م، وفي النهاية فشل هذا التحالف، وبقيت أمريكا وبريطانيا في قلب المواجهة مع اليمن، فكانت القوات اليمنية لهما بالمرصاد، وكان من نتائج ذلك إجبار حاملات الطائرات الأمريكية على مغادرة البحر الأحمر نهائياً، وإغراق عشرات السفن التابعة لبريطانيا، ولذلك فإن تكرار الفشل لا قيمة له، وإذا كان اليمن قد هزم أمريكا في البحر الأحمر، فلن يكون عاجزاً عن مواجهة هذا التحالف إن تشكل، ومنح اليمن فرصة لإغلاق مضيق باب المندب أمام الدول المعتدية.
وإلى جانب هذا الخيار، تحاول المملكة الزج بأدواتها من المرتزقة اليمنيين لتفجير المعركة من الداخل، عن طريق الدفع بمئات الآلاف من المقاتلين نحو جبهات كانت ساخنة إلى حد كبير خلال سنوات العدوان على اليمن، أي منذ عام 2015 وحتى 2022م، لكن هذا الخيار أيضاً مكلف جداً، وهو لا يحقق النتيجة للسعودية سريعاً، فقد حاولت المملكة في الماضي الوصول إلى صنعاء عن طريق مرتزقتها لكنها فشلت، وظلت المعارك على أشدها في جبال نهم لمدة أربع سنوات، كما فشلت معركة الحديدة عام 2017م، وكان فيها من الإعداد والتجهيزات ما يجعل أي متابع للأحداث يتيقن بأن اليمنيين سينكسرون ويخرجون منها صاغرين.
ويمتلك اليمن أدوات ضغط قوية جداً في حربه مع السعودية هذه المرة، إلى درجة أن الرياض أصبحت مقيدة أمام اليمنيين، فلا تستطيع الرد عسكرياً، ولا تستطيع تحريك الأدوات، ولا تشكيل تحالف بحري واسع، لأن اليمنيين يستهدفون عصب الاقتصاد، وكل تحرك سعودي يواجه برد يمني قوي يطال المنشآت النفطية والحيوية، ويتسبب بحرج كبير للمملكة أمام العالم، خصوصاً وأن الحرائق لا تهدأ.
وتشير كل المعطيات إلى أن اليمن جاد في خوض معركة كسر الحصار وتثبيت السيادة مهما كلفه ذلك من ثمن، لكنه يمضي هذه المرة بثبات وعنفوان، مستنداً إلى تجربة كبيرة من الحروب مع القوى الكبرى، وإلى مظلومية محقة، وموقع جيو/سياسي مميز يجعل أي قوة عالمية تقف عاجزة أمام صلابة اليمنيين. فهل تخضع السعودية للإرادة اليمنية، أم أنها ستكابر وتتحمل المزيد من الضربات؟ هذا ما ستكشفه لنا الأحداث خلال الأسابيع والأيام القادمة.
