لماذا عاد التوتر إلى العلاقات الفرنسية الجزائرية؟
بقلم توفيق المديني
لَا تَزَالُ صَفْحَةُ الماضي الْمُتَمَثِّلَةِ بِالْحِقْبَةِ الْكُولُونْيَالِيَةِ الْفِرَنْسِيَّةِ، وَ حَرْبُ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ الْجَزَائِرِيَّةِ، تُلْقِيْ بِإِرْثِهَا وَحُمُولَتِهَا التَّارِيخِيَّةِ الثَّقِيلَةِ عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْعَلَاَّقَاتِ الْفِرَنْسِيَّةِ – الْجَزَائِرِيَّةِ. في هذا الماضِي الْكُولُونْيَالِي تَحْتَلُ الْجَزَائِر مكانةً خاصةً، بسببِ المآسِي التاريخيةِ التي حلَّتْ بالشَعْبِ الْجَزَائِرِي.
وَيُعَلِّمُنَا التَّارِيخُ أَيْضاً، وَبِالْدَّرَجَةِ الْأُولَى، أَنَّ النِّظَامَ الْكُولُونْيَالِي الْمُتَنَاقِضِ جِذْرِيّاً مَعَ المبادئ وَالْقَيِّمِ الَّتِي نَادَتْ بِهَا الثَّوْرَةُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ الْفَرَنْسِيَّةُ، قَدْ أَدَّى إِلَى اِرْتِكَابِ مَجَازِرٍ بمئاتِ آلَاَفِ الْجَزَائِرِيِّينَ، وَاِقْتَلَعَهُمْ مِنْ أرْضِهِمْ، وَشَرَّدَهُمْ، أَوْ clochardises” “إِذِ اِسْتَعَدْنَا التَّعْبِيرَ الدَّقيقَ الَّذِي اِسْتَخْدَمَهُ الْبَاحِثُ الْفَرَنْسِيُّ جُرْمَانِ تِيلِيُونَ، فِي تَوْصِيفِهِ لِتِلْكَ الْمَأْسَاةِ التَّارِيخِيَّةِ.
بعد مرور الذكرى 64 لاستقلال الجزائر 5تموز/يوليو 1962، تفجَّرتْ الأزمة بين فرنسا والجزائر من جديد، وهذه المرَّة جاءت على خلفية موضوع “التأشيرات”، عندما نشر الموقع الإخباري “كل شيء عن الجزائر”، في 15 يوليو/تموز2026، مقابلة مع سفير فرنسا بالجزائر ستيفان روماتيه، أكَّد فيها أنَّ القنصليات الفرنسية الثلاث بالجزائر تعتزم العودة بحجم التأشيرات الممنوحة إلى المستويات التي كانت عليها قبل الأزمة الثنائية، أي نحو 250 ألف تأشيرة سنوياً.
استغلال اليمين المتطرف لموضوع التأشيرات الحسَّاس
أثارت هذه التصريحات فوراً ردود فعل غاضبة في فرنسا، لا سيما لدى أحزاب اليمين واليمين المتطرف؛ إذ شدَّد رموزها على رفضهم التام لعودة العلاقات بين البلدين إلى مجراها الطبيعي، ما دفع الحكومة إلى التدخل. وأوضحت وزارة الخارجية الفرنسية أنَّه لم يتم تحديد أي هدف رقمي بشأن التأشيرات الخاصة بالجزائيين، وأنَّ المسألة “ليست ضمن المواضيع المطروحة للنقاش”.
وتحت قبة البرلمان في باريس، قادت إدويج دياز، نائبة رئيس حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، الهجوم قائلةً إنَّها “تنقل صوت كثير من الفرنسيين الذين صُدِمُوا بتصريحات السفير الفرنسي في الجزائر”، واصفةً ما أعلن عنه الدبلوماسي بأنَّه “انتحاريٌ اقتصادياً” و “ضارٌّ ببلادنا دبلوماسياً”.
وفي الثاني والعشرين من شهر تموز/يوليو2026، تطرق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للملف، ونَقَلت تصريحاته الناطقة باسم الحكومة، مود بريجون، خلال إيجازها الصحافي الأسبوعي عقب اجتماع مجلس الوزراء؛ حيث أفادت بأنَّ رئيس الجمهورية “حرص على تصحيح تصريحات السفير الفرنسي في الجزائر” بخصوص أعداد التأشيرات. ونقلت عن ماكرون تأكيده أنَّ فرنسا “انخرطت في عمل يتسم بالصرامةِ بشأن القضايا والملفات الكبرى مع الجزائر، ومع ذلك لا يوجد أيَّ هدفٍ رقميٍ في مجال التأشيرات، ولا يوجد أيَّ تساهلٍ من جانب فرنسا”.
وفي السجالات الجارية بفرنسا، يُناقَش ملف التأشيرات وكأنَّه مطلب جزائري في إطار محادثات ثنائية جارية منذ فترة قصيرة لترميم العلاقات؛ ومن هنا جاء التوضيح من الرئيس الجزائري. وطُرحَتْ “قضية التأشيرات” لأول مرة عام 2022، عندما أعلن وزير الداخلية السابق جيرالد دارمانان تقليص حصة التأشيرات لصالح الجزائر إلى النصف، ردّاً على وقف قنصلياتها إصدار التراخيص التي تسمح بترحيل المهاجرين الجزائريين الذين صدرت بحقهم أوامر إدارية فرنسية بالطرد. وعادت هذه المشكلة بقوة في 2025، حين جمَّدتْ فرنسا العمل بجواز السفر الدبلوماسي الخاص بكبار المسؤولين الجزائريين وأفراد عائلاتهم.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يحسم هذا الجدل حول “كوتا” التأشيرات
في مقتطف من اللقاء الدوري مع وسائل الإعلام الذي بثته رئاسة الجمهورية، جدّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون التأكيد على أنَّ بلاده لم تطلب من فرنسا أيَّ “كوتا” خاصة بالتأشيرات، نافياً في الوقت عينه أنْ يكون قد بحث هذا الملف مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في وقت يتواصل فيه الجدل بين الجزائر وباريس بشأن ملفات الهجرة والتأشيرات والعلاقات الثنائية. وقال تبون، إنَّ الجزائر “لم تطلب كوتا تأشيرة”، مضيفاً: “لم يسبق لي أنْ طلبت كوطة تأشيرة، ولم يسبق لي إطلاقاً الحديث عن ملف التأشيرات مع الرئيس الفرنسي”.
ويعكس موقف تبون رغبة واضحة في نفي فكرة أنَّ الجزائر تتعامل مع ملف التأشيرات من موقع المطالبة أو التفاوض على “حصة” محددة، في ظل حساسية هذا الملف الذي ظل خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نقاط التوتر في العلاقات الجزائرية الفرنسية. ولم يكتف الرئيس الجزائري بنفي طلب بلاده الحصول على “كوتا” من التأشيرات، بل شدد على أن الجزائر لم تطلب من فرنسا، في سياق الخلافات القائمة بين البلدين، اعتذاراً أو تعويضاً. وقال تبون: “الجزائر لم تطلب بالاعتذار ولا بالتعويض، لأنَّ الجزائر لا تتسول”.
ويبدو أنَّ الرسالة التي أراد تبون إيصالها تتمثل في رفض تصوير العلاقات مع فرنسا باعتبارها قائمة على طلبات جزائرية للحصول على امتيازات أو تنازلات، خصوصاً في ملف التأشيرات الذي يحظى باهتمام واسع لدى الرأي العام الجزائري.
الاعتذار عن الحقبة الكولونيالية ما زال يُسمّمُ العلاقات الفرنسية – الجزائرية
ليس موضوع التأشيرات وحده هو الذي فجر الخلافات بين فرنسا والجزائر، وأعاد التوتر بين البلدين، فهذا الموضوع يأتي في سياق علاقات جزائرية فرنسية اتسمت خلال الفترة الأخيرة بتوترات متكررة، على خلفية ملفات متعددة، من بينها الذاكرة الاستعمارية.
مع اقتراب الذكرى الستين لانتهاء الحرب الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي ،تفجرت الأزمة بين فرنسا و الجزائر من جديد، وهذه المرَّة جاءت على خلفية تصريحات أدلى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الخميس 30أيلول/سبتمبر2021، خلال لقائه مع مجموعة من الطلبة الجزائريين ومزدوجي الجنسية وفرنسيين (من أبناء الأقدام السوداء :المعمرين السابقين في الجزائرLes pieds noirs) إذ قال ماكرون: إنَّ “الجزائر قامت بعد استقلالها في 1962 على إرث من الماضي، مستغلة ذكريات الحرب الدموية من أجل “الحفاظ على النظام السياسي العسكري”.
وأضاف ماكرون: إنّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون رهين لنظام متحجّر، وهو محاصر بسبب هيمنة العسكر على السلطة وصناعة القرار: “نحن نرى النظام الجزائري متعباً والحراك أنهكه، لدي حوار جيد مع الرئيس تبون، لكنّي أرى أنَّه عالقٌ في نظام صلب (متحجر) للغاية”، كما هدد ماكرون بإزعاج ما وصفه بـ “المجتمع الحاكم في الجزائر”، عبر منع التأشيرات على المسؤولين الجزائريين وأبنائهم وعدم تسهيل حياتهم (تنقلاتهم). كما طعن ماكرون في وجود أمة جزائرية قبل دخول الاستعمار الفرنسي إلى البلاد عام 1830م، وتساءل مستنكراً: “هل كان هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟”.
وادعى ماكرون أنَّه “كان هناك استعمار قبل الاستعمار الفرنسي” للجزائر، في إشارة لفترة التواجد العثماني بين عامي 1514 و1830م. وقال مواصلا مزاعمه: “أنا مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماماً الدور الذي لعبته في الجزائر، والهيمنة التي مارستها، وشرح أنَّ الفرنسيين هم المستعمرون الوحيدون، وهو أمر يصدقه الجزائريون”. وزعم الرئيس الفرنسي أنَّ تركيا “تقود عمليات تضليل ودعاية” ضد بلاده في مسألة كتابة تاريخ مرحلة ما قبل 1962. ودعا ماكرون إلى تبني بلاده لإنتاج فكري باللغتين العربية والأمازيغية؛ لمواجهة المواد التاريخية التي تدين فرنسا.
تأتي هذه الأزمة في وقت يسعى فيه الرئيس الفرنسي إلى إطلاق مصالحة بين الجزائر وفرنسا، وجعل مبدأ الاعتراف والمصارحة محوراً أساسياً لهذه المبادرة، لإنهاء كراهية ما تزال تورّث عن سنوات 1954 – 1962.
وعلى الرغم من اعتراض اليمين الفرنسي القوي على فكرة الاعتذار لا يمانع سياسيون وأكاديميون يساريون من الإقدام على خطوات تصحيحية، فعندما دعا المؤرخ أوليفيي لاكور غرانميزون لإقامة نصب تذكاري لضحايا مذبحة 8 مايو 1945 في سطيف (الجزائر) تجاوبت مع دعوته دانييل جيولي غوفري، مساعدة عمدة باريس المكلفة بالذاكرة، وقالت إنَّها على استعداد للنضال من أجل تجسيد المقترح.
وحول موضوع الاعتذار، حسمت الجزائر هذا الجدل بمناسبة سنِّ “قانون تجريم الاستعمار” في أبريل (نيسان) 2026؛ إذ تضمنت النسخة الأولى منه قضيتَي “الاعتذار” و”التعويض”، غير أنه تم التخلي عنهما في النسخة النهائية التي صادق عليها البرلمان، في خطوة فُسِّرت بأنَّها رغبة في الحفاظ على “خط الرجوع” في العلاقات مع باريس.
وحمل هذا الرد الواحد ردوداً في مواضيع عدة، أبرزها نقاش حاد أثير محلياً منذ أشهر حول “ممارسة ضغوط سياسية على فرنسا لدفعها إلى الاعتذار رسمياً عن جرائم الاستعمار”، ودفع تعويضات مادية عن هذه الجرائم، وعن التجارب النووية التي أجرتها فوق أرض الجزائر مطلع ستينيات القرن الماضي.
الأزمة التونسية وموقف الجزائر الإقليمي
شهدت تونس خلال هذا الصيف أزمة كهرباء كبيرة، تزامنت مع موجات حر قياسية وارتفاع غير مسبوق في استهلاك الطاقة، الأمر الذي أدَّى إلى انقطاعاتٍ واسعةٍ للتيار الكهربائي، وأثار احتجاجاتٍ شعبيةٍ، وأعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن جاهزية البنية التحتية الكهربائية وقدرة الحكومات على مواجهة الضغوط المتزايدة على شبكات الطاقة.
في تونس، بلغت درجات الحرارة نحو 50 درجة مئوية في عدد من المناطق، بالتزامن مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، دفعت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى نشر بيانات يومية تحدد المناطق التي سيشملها القطع المبرمج بهدف تخفيف الضغط على الشبكة.
الرئيس التونسي قيس سعيّد وصف انقطاع الكهرباء والمياه والحرائق بأنَّها “ظواهر غير عادية”، مؤكداً خلال اجتماع مع عدد من الوزراء أنَّ الدولة “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يسعى إلى التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع”، بحسب بيان للرئاسة التونسية.
تزامنت هذه الأزمة مع إجراء قناة “فرنس24″ حوار مع الرئيس السابق المنصف المرزوقي، الأمر الذي أدَّى بوزارة الخارجية التونسية بتكليف من الرئيس قيس سعيَّدْ استدعاء السفيرة الفرنسية بتونس وإبلاغها” احتجاجا شديدة اللهجة” إثر الحوار الأخير للرئيس السابق المنصف المرزوقي على قناة “فرنس 24″.. واعتبر بيان الخارجية التونسية أنَّ” الأمر الذي يتجاوز بشكل واضح الحدود التي تكفلها حرية التعبير والإعلام وأخلاقيات المهنة الإعلامية ليندرج في إطار الدعوة إلى التدخل غير المقبول على أي مقياس من المقاييس في الشأن الداخلي لدولة ذات سيادة حريصة على استقلال قرارها الوطني والتحريض المباشر ضد مؤسساتها ورموزها ومحاولة الإضرار بأمنها القومي، وهي كلها أفعال تجرمها التشريعات التونسية فضلا عن القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية”.
وتنظر الجزائر إلى أمن تونس باعتباره مرتبطاً بشكل وثيق بأمنها القومي، بحكم الحدود المشتركة والعلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين، ولذلك لطالما شدَّدت على ضرورة حماية استقرار تونس ورفض أيِّ تدخلاتٍ أو محاولاتٍ لزعزعة أمنها.
وتأتي تصريحات تبون بشأن تونس في وقت تحظى فيه مسألة الاستقرار الأمني في المنطقة المغاربية بأهمية متزايدة، في ظل تعقيدات إقليمية وتحديات أمنية تتجاوز الحدود الوطنية.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن أي تدهور أمني في تونس قد تكون له تداعيات مباشرة على أمنها، خصوصاً في المناطق الحدودية، وهو ما يفسر اللهجة الحازمة التي استخدمها الرئيس الجزائري في تحذيره من أي محاولة لجلب الإرهاب إلى تونس أو إلى جوارها. وفي الوقت نفسه، يمكن قراءة موقف تبون باعتباره تأكيداً على أن الجزائر تضع استقرار تونس ضمن أولوياتها الإقليمية، وترفض أن تتحول البلاد إلى ساحة لنشاط الجماعات المسلحة أو إلى نقطة انطلاق لتهديد أمن دول الجوار.
وتكشف المواقف التي أعلنها تبون، في اللقاء الدوري مع الإعلام، عن مقاربتين مختلفتين في تعاطي الجزائر مع البلدين: ففي العلاقة مع فرنسا، يؤكد الرئيس الجزائري على استقلالية القرار ورفض ربط بلاده بطلبات تتعلق بالتأشيرات أو الاعتذارات أو التعويضات؛ أما في ما يخص تونس، فيبرز البعد الأمني والاستراتيجي للعلاقة، مع تحذير صريح من أي محاولة لتهديد استقرارها أو استخدام أراضيها أو محيطها في أعمال إرهابية.
وفي الحالتين، يقدّم تبون رسائل سياسية واضحة: الجزائر، بحسب موقف رئيسها، لا تريد أن تظهر في موقع الطرف الذي يطلب امتيازات من باريس، وفي المقابل تؤكد أنَّها تعتبر أمن تونس جزءاً من منظومتها الأمنية الإقليمية، وأنها مستعدة لاتخاذ موقف حازم تجاه أي تهديد يستهدفه.
