الحرب على إيران: من المواجهة العسكرية.. إلى الصراع على مستقبل الإدارة الأمريكية
بقلم زينب عدنان زراقط
لم تعد الحرب على إيران معركة تُحسم بالصواريخ والطائرات وحدها، بل تحولت إلى اختبار شامل لقدرة الولايات المتحدة على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد؛ من الميدان العسكري، إلى الكونغرس، مروراً بالرأي العام، وانتهاءً بالصراع داخل الحزب الجمهوري نفسه.
فكلما طال أمد الحرب، ازدادت كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وبرزت أسئلة جديدة حول مستقبل الإدارة الأمريكية أكثر من الأسئلة المتعلقة بمستقبل الحرب ذاتها.
أظهرت الحرب على إيران أنها تجاوزت إطار المواجهة العسكرية التقليدية، لتتحول إلى صراع متعدد المستويات تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والانتخابية والإعلامية، إضافة إلى أمن الطاقة العالمي والتحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية.
ففي الوقت الذي قدّمت فيه بعض وسائل الإعلام العربية – المُطبّعةِ – صورة تُرجع كفة الحرب بصورة حاسمة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، برز داخل الولايات المتحدة خطاب مختلف يناقش الخسائر البشرية والمادية، واستنزاف القدرات العسكرية، وتأثير الحرب في الاقتصاد والرأي العام، ومدى قدرة الإدارة الأمريكية على تحقيق أهدافها المعلنة.
كما أظهرت التطورات أن الملف الإيراني لم يعد قضية خارجية فحسب، بل أصبح جزءاً من التجاذبات السياسية داخل واشنطن، ومن حسابات الانتخابات النصفية ومستقبل الحزب الجمهوري، وهو ما يجعل فهم الحرب يتطلب قراءة أبعادها العسكرية والسياسية والإعلامية مجتمعة.
ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة الرئيسة:
1- هل نجحت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها العسكرية والاستراتيجية من الحرب؟
2- لماذا تصاعدت المعارضة الشعبية والسياسية للحرب داخل الولايات المتحدة؟
3- ما دلالة الخلاف الظاهر بين خطاب الرئيس الأمريكي وخطاب نائبه؟
4- وهل أصبحت الحرب على إيران عاملاً قد يعيد رسم المشهد السياسي الأمريكي؟
أولاً: الحرب الميدانية… استنزاف عسكري وتغير في موازين القوة
لم تسر الحرب وفق نموذج الضربات العسكرية السريعة التي تنتهي بتحقيق أهداف سياسية واضحة، وإنما تحولت تدريجياً إلى حرب استنزاف متبادل فرضت تحديات متزايدة على الطرفين. ففي الجانب الأمريكي، برزت مؤشرات على ارتفاع كلفة العمليات العسكرية، سواء من خلال الخسائر البشرية أو الأضرار التي تعرضت لها بعض القواعد العسكرية، إلى جانب الاستهلاك الكبير للذخائر الدفاعية ومنظومات الاعتراض، وهو ما دفع الكونغرس إلى التساؤل عن جدوى استمرار العمليات العسكرية في ظل تزايد طلبات التمويل الإضافية. وأصبحت قضية مخزون الصواريخ الاعتراضية، ولا سيما منظومات باتريوت، واحدة من أكثر الملفات حساسية، إذ كشفت الحرب أن امتلاك أنظمة دفاع متطورة لا يكفي إذا لم يتوافر مخزون استراتيجي قادر على الصمود في مواجهة طويلة.
وفي المقابل، تشير تقارير إعلامية غربية إلى أن إيران استطاعت خلال الحرب تطوير عدد من منظوماتها الصاروخية، سواء من حيث الدقة أو القدرة على المناورة أو تجاوز أنظمة الدفاع الجوي، الأمر الذي غيّر طبيعة المواجهة، بحيث لم يعد التحدي مقتصراً على عدد الصواريخ، وإنما على قدرتها على اختراق الدفاعات وإصابة أهدافها.
ويبرز في هذا السياق أيضاً مضيق هرمز بوصفه أحد أهم عناصر القوة الإيرانية، بل إن بعض التحليلات الاستراتيجية تعدّه ورقة ضغط تتجاوز في أهميتها امتلاك القنبلة النووية، لما يمنحه لإيران من قدرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية. فالمسألة لم تعد تتعلق بالقدرة العسكرية وحدها، وإنما بامتلاك ورقة ضغط استراتيجية تمس حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة. ولذلك أصبح المضيق جزءاً من معادلة الردع المتبادل، إذ أن أي اضطراب في الملاحة ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط.
ومن هنا، يرى عدد من المحللين أن الحرب كشفت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم الصراع، وأن أي مواجهة طويلة ستتحول تلقائياً إلى حرب استنزاف ذات كلفة مرتفعة على جميع الأطراف.
ثانياً: الحرب داخل الولايات المتحدة..
من الميدان إلى الكونغرس وصناديق الاقتراع
بالتوازي مع التطورات العسكرية، بدأت الحرب تنتقل تدريجياً إلى الداخل الأمريكي، حيث أصبحت محوراً للنقاش السياسي والإعلامي، وأحد الملفات المؤثرة في مستقبل الإدارة الأمريكية.
فقد أظهرت استطلاعات رأي متداولة ارتفاع نسبة الأمريكيين الرافضين لاستمرار الحرب إلى نحو 69٪، وهو مؤشر يعكس انتقال الملف الإيراني من كونه قضية خارجية إلى قضية داخلية تؤثر في شعبية الإدارة والحزب الحاكم. ويرتبط هذا التحول بعدة عوامل، من أبرزها ارتفاع الإنفاق العسكري، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع، وتأثير الحرب في الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع الأسعار، إلى جانب القلق من استمرار سقوط خسائر بشرية.
شهد الكونغرس الأمريكي تصاعداً في جلسات المساءلة، حيث طُرحت تساؤلات حول الفارق بين التصريحات الأولى للإدارة الأمريكية التي تحدثت عن تحقيق أهداف عسكرية واسعة، وبين استمرار الهجمات على القواعد الأمريكية، والحاجة إلى زيادة الإنفاق العسكري.
وركزت جلسات الاستماع على ملفات متعددة، من بينها:
أ- حجم الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية.
ب- حجم الأضرار التي تعرضت لها القواعد العسكرية.
ت- استنزاف منظومات الدفاع والصواريخ الاعتراضية.
ث- أسباب طلب اعتمادات مالية إضافية لاستمرار الحرب.
ج- مدى قدرة الإدارة على تحقيق الأهداف التي أعلنتها في بداية العمليات العسكرية.
وتعكس هذه المناقشات تحول النقاش من سؤال “هل بدأت الحرب؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “هل تحقق الحرب أهدافها؟ وما ثمن استمرارها؟”. كما لا يمكن فصل هذه التطورات عن اقتراب الانتخابات النصفية، إذ ترتبط خيارات الناخب الأمريكي بصورة مباشرة بالأوضاع الاقتصادية، ومستوى الإنفاق الحكومي، وعدد الضحايا العسكريين، وهو ما يجعل الحرب عاملاً انتخابياً مؤثراً بقدر كونها ملفاً للأمن القومي.
ثالثاً: الانقسام السياسي والحرب الإعلامية..
هل بدأت معركة ما بعد ترامب؟
أحد أبرز التطورات التي رافقت الحرب تمثل في ظهور اختلاف واضح بين خطاب الرئيس الأمريكي وخطاب نائبه، الذي أبدى مواقف أكثر تحفظاً تجاه استمرار الحرب، ودعا في أكثر من مناسبة إلى إعطاء الأولوية للحلول السياسية والتفاوض، كما وجّه انتقادات لبعض السياسات الإسرائيلية، وأثار تساؤلات حول حدود القدرة العسكرية الأمريكية في التعامل مع ملفات مثل مضيق هرمز.
وتعكس تصريحات نائب الرئيس هذا التوجه بوضوح؛ إذ شدد على أن “Every major conflict in human history … ends with some kind of negotiation” (كل صراع كبير في التاريخ البشري ينتهي بشكل من أشكال التفاوض)، في إشارة إلى أن الخيار العسكري لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الحلول السياسية. كما انتقد ردود الفعل الإسرائيلية تجاه المسار الدبلوماسي مع إيران، واصفاً إياها بأنها “There is this weird panic almost in the Israeli system” (هناك حالة من الذعر الغريب تقريباً داخل المنظومة الإسرائيلية). وفي المقابل، أكد استمرار دعمه لإسرائيل بقوله: “Donald J. Trump is the only head of state in the entire world who is sympathetic to the nation of Israel at this moment in time” (دونالد ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة). وتعكس هذه التصريحات رؤية تميل إلى تجنب الانخراط في حرب واسعة مع إيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الالتزام الاستراتيجي بأمن إسرائيل، وهو ما أظهر تبايناً في الخطاب داخل الإدارة الأمريكية. وتُظهر التجربة السياسية الأمريكية أن تأثير نائب الرئيس لا يرتبط بالصلاحيات الدستورية بقدر ما يعتمد على حجم التفويض الذي يمنحه الرئيس. فقد تمتع ديك تشيني بنفوذ واسع في إدارة جورج بوش الابن، كما أوكل رونالد ريغان إلى جورج بوش الأب ملفات استراتيجية أسهمت في تعزيز حضوره السياسي ومهدت لوصوله إلى الرئاسة، وحظي كل من آل غور في إدارة بيل كلينتون وجو بايدن في إدارة باراك أوباما بصلاحيات تنفيذية وسياسية واسعة. أما في الإدارة الحالية، فقد أُنيطت ملفات الشرق الأوسط وإيران وغزة إلى مبعوثين ومستشارين رئاسيين، وفي مقدمتهم ستيف ويتكوف، بينما ظل الدور التنفيذي لنائب الرئيس محدوداً، في حين اكتسبت تصريحاته السياسية أهمية استثنائية بفعل اختلافها النسبي عن بعض توجهات الإدارة.
ويكتسب هذا التباين أهمية خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار الإطار الدستوري لمنصب نائب الرئيس. فالرئيس الأمريكي يستطيع إقالة الوزراء وكبار المسؤولين التنفيذيين، لكنه لا يستطيع عزل نائب الرئيس، لأن الأخير يُنتخب مباشرة ضمن البطاقة الرئاسية نفسها، وليس بقرار من الرئيس. وفي المقابل، لا يمتلك نائب الرئيس صلاحيات تنفيذية مستقلة إلا إذا كلفه الرئيس بمهام محددة، غير أنه يظل الشخصية الدستورية الأولى التي تتولى الرئاسة في حال وفاة الرئيس أو استقالته أو عزله وفق الإجراءات الدستورية.
وفي ضوء هذه المعطيات، برزت تفسيرات سياسية متعددة لهذا التباين، ربط بعضها اختلاف خطاب نائب الرئيس بمحاولة بناء شخصية سياسية أكثر استقلالاً استعداداً لأي تغير محتمل في المشهد السياسي الأمريكي، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، واحتمال تغير موازين القوى داخل الكونغرس، أو في حال تعرض الإدارة لضغوط سياسية متزايدة.
ختاماً، تكشف الحرب على إيران أنها لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل تحولت إلى أزمة مركبة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي مع الحسابات الانتخابية، ويتداخل فيها الميدان العسكري مع الإعلام، والسياسة الخارجية مع الصراع الداخلي على السلطة.
فمن جهة، تواجه الولايات المتحدة تحديات تتعلق باستنزاف الموارد العسكرية، وارتفاع كلفة العمليات، وصعوبة تحقيق أهداف استراتيجية عبر القوة العسكرية وحدها. ومن جهة أخرى، تسعى إيران إلى توظيف قدراتها الصاروخية، وموقعها الجغرافي، وأوراقها السياسية لتعزيز موقعها في أي تسوية مستقبلية. أما داخل الولايات المتحدة، فقد أصبح الملف الإيراني جزءاً من معركة سياسية مفتوحة، تتداخل فيها مواقف الرأي العام مع حسابات الكونغرس، ومستقبل الحزب الجمهوري، وطبيعة العلاقة بين الرئيس ونائبه.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة، سواء على المستوى البشري أو المادي، إلى جانب الإخفاقات العسكرية وتراجع الشعور بالأمن في مناطق انتشار قواتها، وقائع يصعب محو آثارها أو إعادة صياغتها عبر الخطاب السياسي أو الحملات الإعلامية. ومن ثم، فإن هامش المناورة أمام الرئيس دونالد ترامب يضيق بصورة متزايدة، إذ إن أي محاولة لإعادة تشكيل الرأي العام قد تصطدم بواقع ميداني لا يمكن تجاهله.
وفق ما سبق، يقف ترامب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانصياع للضغوط السياسية المتصاعدة وما قد تفضي إليه من استحقاقات دستورية إذا توافرت شروطها، وإما الهروب إلى الأمام عبر تصعيد عسكري جديد، وهو خيار قد يفاقم الأزمة ويحمّله كلفة سياسية وعسكرية أكبر، من دون أن يضمن تغيير موازين الصراع أو محو آثار الإخفاقات التي فرضتها الوقائع على الأرض.
