تحديات في طريق صياغة استراتيجية الأمن القومي
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
ملخص: ينص قانون صدر مؤخراً، ولأول مرة، على إلزام أي حكومة إسرائيلية جديدة بإعداد استراتيجية للأمن القومي في غضون 150 يوماً من تشكيلها. ومع تحديد موعد الانتخابات العامة في موعد أقصاه ت1 2026، قد تُقر إسرائيل قريباً أول استراتيجية رسمية للأمن القومي.
يُمثل هذا فرصةً لتوحيد التوجه الاستراتيجي المتشتت للبلاد ومفهومها الأمني، ويأتي في وقت يشهد فيه الوضع تبايناً استراتيجياً ومؤسسياً في أعقاب الحروب متعددة القطاعات التي اندلعت بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 ت1 2023. ونظراً لضعف مجلس الأمن القومي وعدم قدرته على قيادة الجهود المعقدة لصياغة استراتيجية متماسكة وقوية للأمن القومي، فقد يتم اعتماد استراتيجية سطحية بدلاً من ذلك، مما يُهدر الفرصة التي يُتيحها القانون الجديد. ينبغي اتخاذ خطوات لضمان تصميم الاستراتيجية الجديدة بطريقة تضمن إعادة التقييم المستمر وتعزيز التعلم والتكيف الدائمين في مواجهة المشهد الإقليمي المتغير باستمرار.
تفتقر إسرائيل إلى استراتيجية معتمدة رسمياً للأمن القومي. ينص قانون حالي على إلزام أي حكومة جديدة بإعداد استراتيجية للأمن القومي في غضون 150 يوماً من تشكيلها. لذا، وبعد الانتخابات العامة المقبلة، المقرر إجراؤها في موعد أقصاه ت1، قد تُقر إسرائيل أخيراً استراتيجية للأمن القومي، وهي أول استراتيجية رسمية لها في هذا المجال.
يمثل هذا الشرط الجديد فرصةً لخلق ترابط بين المكونات الأساسية للأمن الإسرائيلي، إذ يسمح بمواءمة التوجه الاستراتيجي للدولة، والعقيدة الأمنية، وبناء القوات وتشغيلها – وهي مكونات تعاني حالياً من عدم التناغم. مع ذلك، تأتي هذه الفرصة في وقت يشهد فيه الوضع في إسرائيل انحرافاً استراتيجياً وضعفاً مؤسسياً.
من بين تبعات الحرب متعددة الساحات التي تشنها إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 ت1 2023، تزايد تطبيق توجه استراتيجي استباقي ومراجعي، ما أدى إلى تغييرات فعلية في مفهوم الأمن الإسرائيلي وفي تشغيل قواتها وبنائها. وتُنفذ هذه التغييرات دون أي عملية صنع قرار رسمية أو نقاش عام. في الوقت نفسه، تعاني هيئة الأمن القومي، المسؤولة عن صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة، من ضعفٍ ونقصٍ في الكفاءات البيروقراطية اللازمة لقيادة هذا الجهد الفكري والمؤسسي المعقد بفعالية وفي غضون المدة الزمنية المحددة بخمسة أشهر في القانون الجديد.
ونتيجةً لذلك، قد تكون الاستراتيجية الجديدة سطحية، وقد تُفوَّت فرصة وضع استراتيجية متماسكة، مع تحديد أولويات إسرائيل الأمنية للخمس سنوات القادمة. ولضمان عدم إهدار هذه الفرصة، ينبغي على الحكومة الجديدة اعتماد آلية مشاورات متكررة مع واضعي الاستراتيجية، وتعيين فريق من الخبراء ذوي الخبرة لدعم جهود مجلس الأمن القومي وتعزيزها. يجب أن تضمن استراتيجية الأمن القومي الجديدة قدرةً مستمرة على التعلم والتقييم لتمكين إجراء تغييرات سريعة في ظل الظروف الإقليمية المتغيرة باستمرار.
يتناول هذا المقال تحديات عملية صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة، وليس مضمونها.
القانون الجديد
يدعو القانون الجديد إلى وضع استراتيجية متماسكة ومعتمدة للنهوض بمصالح إسرائيل السياسية والأمنية، وتعزيز قدرتها على الصمود الوطني. تأثرت هذه الاستراتيجية بنماذج من دول أخرى، بما في ذلك اشتراط الولايات المتحدة وجود وثيقة استراتيجية سنوية للأمن القومي. وأشار واضعو القانون في المذكرة التفسيرية إلى أن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي لم يُعتمد رسمياً قط، وبالتالي يبقى مجرد توجيه استراتيجي ضمني. ويحول غياب استراتيجية صريحة للأمن القومي دون ترجمتها وتكييفها وتنفيذها بما يكفي للتعامل بفعالية مع بيئة الأمن المتغيرة في إسرائيل.
ينص القانون على أن استراتيجية الأمن القومي المقترحة ستُلزم بدراسة الافتراضات الأساسية المحيطة بالتحديات والفرص السياسية والأمنية التي تواجه إسرائيل؛ وتفصيل التهديدات والتحديات وفقاً لخطورتها؛ وتقديم بدائل للتعامل معها. وبذلك، ينبغي أن تحدد الاستراتيجية أهداف إسرائيل السياسية والأمنية، بما في ذلك الغايات والمصالح اللازمة لضمان وجودها وقوتها وأمنها، وأن تُحدد التحديات السياسية والأمنية على أساس سنوي ومتعدد السنوات، بما في ذلك على الصعيد الداخلي.
وتقع مسؤولية صياغة استراتيجية الأمن القومي على عاتق مجلس الأمن القومي بالتشاور مع وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، والمؤسسة الامنية، والوزارات الحكومية الأخرى ذات الصلة. بعد الموافقة عليه، سيُعرض على لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست خلال أسبوعين. ستُصنّف الوثيقة سرية، وسيُنشر ملخص غير سري لها.
يهدف القانون الجديد إلى تحويل وثيقة استراتيجية الأمن القومي إلى خطة شاملة. تتطلب هذه العملية جهداً فكرياً كبيراً وتنسيقاً بين مختلف المؤسسات، في وقتٍ تراجعت فيه قدرات إسرائيل على التخطيط الاستراتيجي، ويعاني فيه مجلس الأمن القومي من شلل وضعف مؤسسي.
صياغة استراتيجية متماسكة، ذات أولويات، ومتوازنة
يُعدّ التماسك، وتحديد الأولويات، والتوازن ثلاثة عناصر أساسية في تصميم وتنفيذ استراتيجية جديدة للأمن القومي. وسيواجه واضعو الاستراتيجية تحديات كبيرة في جميع هذه المعايير الثلاثة.
خطر عدم التماسك: يجب أن تتناسب استراتيجية الأمن القومي الجديدة مع التوجه الاستراتيجي لإسرائيل، الذي يشهد حالياً انحرافاً. أدت صدمة الهجوم الإسرائيلي في ت1 2023 وتداعيات الحرب متعددة الجبهات إلى تحولٍ رد فعلي في التوجه الاستراتيجي لإسرائيل، ما يعكس انتقالها من دولة محافظة على الوضع الراهن إلى لاعب إقليمي يسعى إلى تغيير الوضع القائم. ويحدث هذا التحول دون أي نقاش معمق. ويؤثر هذا الانحراف في التوجه الاستراتيجي لإسرائيل بشكل جوهري على صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة ومستوى المخاطر التي ستتحملها.
في الماضي، كانت إسرائيل تُعتبر دولة تُفضل الوضع الراهن، لا سيما بعد توسعها في حرب الأيام الستة عام 1967. وسعت إسرائيل إلى الحفاظ على الحدود التي رُسمت بعد عام 1967، وتحالفها مع الولايات المتحدة، والتعاون الإقليمي في مواجهة أي تهديد من إيران أو حزب الله أو حماس. وركزت سياستها على ضرورة تحقيق الاستقرار من خلال الردع بدلاً من فرض التغيير الإقليمي بالقوة.
افترض واضعو مفهوم الأمن في خمسينيات القرن الماضي أن الصراع مع العرب لا يمكن حله بالقوة، وأن على إسرائيل أن تصمد حتى يتم قبولها في المنطقة. ونتيجة لذلك، تبنت إسرائيل استراتيجية أمنية دفاعية قائمة على مفهوم “الجدار الحديدي” الذي تم تنفيذه من خلال نهج عسكري هجومي. وبشكل بديهي، كان التوجه الاستراتيجي التقليدي لإسرائيل كدولة تحافظ على الوضع الراهن يفترض أن الصراع العربي الإسرائيلي سيتم حله في نهاية المطاف من خلال عملية سياسية وليس عن طريق الإكراه العسكري.
هذا المنظور التقليدي آخذ في التغير. فبعد هجوم 7 ت1، تحولت سياسة حكومة نتنياهو الإقليمية إلى نهج أكثر توسعاً يعتمد على الإكراه باستخدام القوة العسكرية. وقد وصف بعض المعلقين هذا التحول بأنه ضرورة منع التهديدات الاستراتيجية من خلال الإكراه الحازم وغير المتناسب، ونهج القوة الجيوسياسية في إدارة العلاقات والصراعات الإقليمية. ورغم أن هذه الاستراتيجية ليست متماسكة ومتفق عليها، فقد دفعت إلى المطالبة بمفهوم أمني جديد قائم على الردع الفعال، بل وظهرت في توصيات لجنة ناغل، التي شُكّلت بعد هجوم 7 ت1 لدراسة ميزانية الدفاع وبناء القوات
يسلط الجدول التالي الضوء على الاختلافات الرئيسية بين التوجه الاستراتيجي القائم على الوضع الراهن والتوجه الاستراتيجي التنقيحي.
في الوضع الراهن
المنطق الاستراتيجي: إرساء توازن القوى، على أساس إدارة الصراع والتفوق العسكري والتكنولوجي، في ظل ظروف معينة، والاستعداد لتقديم تنازلات وتسويات.
التنقيحي: تغيير النظام الإقليمي، بما في ذلك تغييرات الأنظمة، من خلال القضاء على التهديدات، وخلق التفوق على الدول العربية وإيران.
المنطق العسكري: في الوضع الراهن: “جز العشب” وهجمات محدودة,
التنقيحي: الضرب الحاسم للتهديد.
المنطق الدبلوماسي: في الوضع الراهن استخدام الأدوات الدبلوماسية في خدمة الأمن مع الاستعداد لضبط النفس الاستراتيجي – مراعاة الضغوط والمعايير الدولية، وأهمية الشراكات الدولية، واتفاقيات السلام، والتطبيع.
التنقيحي: “الاعتماد على الأدوات العسكرية للحفاظ على التفوق مع إيلاء اهتمام أقل للضغوط والأعراف الدولية”.
الحدود، في الوضع الراهن: الحفاظ على الحدود القائمة.
التنقيحي: توسيع “العمق الاستراتيجي” من خلال “المناطق العازلة” (سوريا، لبنان، غزة).
على المدى القصير، من المرجح أن تؤثر الاعتبارات الأيديولوجية على النقاشات المتعلقة بترتيب أولويات المصالح والأهداف. وتُعدّ القضية الفلسطينية، على وجه الخصوص، بالغة الحساسية في هذا السياق، إلا أنها محورية في تعزيز مصالح إسرائيل وأهدافها الأخرى، بما في ذلك تحسين علاقاتها الإقليمية والدولية.
النظام الإقليمي، في الوضع الراهن: احتواء “محور المقاومة” وإدارة الصراع.
التنقيحي: تفكيك محور المقاومة وهزيمته.
الموضوع الفلسطيني، في الوضع الراهن: ادارة الصراع.
التنقيحي: حل النزاعات من خلال تعزيز التدابير الأحادية أو، بدلاً من ذلك، استئناف المفاوضات على الحل الدائم.
المخاطر الرئيسية، في الوضع الراهن: واقع مواجهات مستمرة.
التنقيحي: حروب مستمرة وعزلة وخشية من الشد الزائد.
سيواجه المسؤولون عن صياغة استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية الجديدة تحدياتٍ تتعلق بمدى اتساق توصياتهم مع التوجه الاستراتيجي المتطور لإسرائيل، وعقيدة الأمن القومي، وتوجيهات نشر القوات وبنائها. ويُصعّب غياب النقاش المعمق حول هذه القضايا حتى الآن مهمتهم، ما يستلزم إجراء حوارات معمقة مع الحكومة الجديدة حول رؤيتها الاستراتيجية الشاملة.
صعوبة تحديد الأولويات: وفقاً للقانون الجديد، يجب أن تُقيّم استراتيجية الأمن القومي وتُحدد مصالح إسرائيل وأهدافها في المجالين السياسي والأمني. ورغم أن هذه المصالح والأهداف مُخصصة لفترة زمنية تمتد لسنوات قادمة، إلا أنه يجب أن تستند أيضاً إلى القيم الوطنية الأساسية والأيديولوجية، كما وردت في إعلان استقلال إسرائيل. وتشمل هذه القيم: الرغبة في السلام؛ وتنمية الدولة بما يعود بالنفع على جميع سكانها، استناداً إلى الحرية والعدالة والسلام؛ والمساواة المطلقة والحرية الدينية؛ ونهضة يهود الشتات.
ونظراً للواقع الاستراتيجي المُعقد الذي تواجهه إسرائيل، سيكون من المستحيل استثمار جميع الموارد اللازمة لتحقيق جميع مصالحها وأهدافها السياسية والأمنية. لذلك، سيكون تحديد الأولويات ضرورياً ولكنه صعب. وسيتطلب ذلك جولات متكررة من التنسيق مع الحكومة الجديدة بشأن القضايا الخلافية، وسيُمثل تحدياً فكرياً لواضعي الاستراتيجية، لا سيما في ضوء الحاجة إلى فهم “أسلوب عمل” القادة الجدد واستعدادهم لتحمل المخاطر.
ينبغي أن يستند الحوار إلى جولات متكررة من المشاورات مع قيادة الدولة الجديدة لتحديد أولويات المصالح والأهداف بناءً على تصنيفها إلى: حرجة، بالغة الأهمية، مهمة، أو مرغوبة، وذلك من منظور مسرح العمليات (إيران، الفلسطينيون، لبنان، سوريا، دول السلام والتطبيع، الولايات المتحدة، والساحة العالمية) ومن منظور وظيفي (الانتشار النووي، أنظمة الأسلحة المتقدمة، الأمن السيبراني والتكنولوجيا، صيانة البنية التحتية الحيوية، الاستقلال مقابل التبعية، التجارة الدولية، خطوط الإمداد، وما إلى ذلك). فيما يلي مثال غير ملزم يوضح هذا التصنيف.
مع ذلك، ونظراً لنظام الائتلافات المتبع في إسرائيل، فمن المرجح أن تعكس أي حكومة جديدة قدراً من الانقسام بين وجهات النظر اليسارية والوسطية واليمينية، مما يُصعّب التوصل إلى اتفاق بشأن أولويات المصالح والأهداف. تُعزز حكومات الائتلاف في إسرائيل تفضيل التخطيط قصير الأجل والاستجابة السريعة. ومن المرجح أن تُؤثر الاعتبارات الأيديولوجية على النقاشات حول أولويات المصالح والأهداف. وتُعد القضية الفلسطينية، على وجه الخصوص، حساسة للغاية في هذا السياق، لكنها محورية في تعزيز المصالح والأهداف الإسرائيلية الأخرى، بما في ذلك تحسين علاقاتها الإقليمية والدولية.
قد يُؤدي هذا التحدي المتمثل في تحديد أولويات مصالح وأهداف الحكومة الجديدة إلى تقديم قائمة غير مُرتبة ومُبهمة الصياغة، مما يُقوّض هدف القانون المتمثل في زيادة التماسك بين مختلف العناصر التي تُشكل الاستراتيجية الإسرائيلية الشاملة.
التوازن: يجب أن تكون استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي متوازنة داخلياً وخارجياً. فعلى الصعيد الخارجي، يجب أن تُوازن الاستراتيجية بين نقاط قوة إسرائيل وحدودها لتجنب تبني نهج استراتيجي غير متوازن. فمن جهة، لا ينبغي الاستهانة بقوة الدولة وقدراتها، الأمر الذي قد يمنعها من استخدام الموارد اللازمة لتحقيق مصالحها وأهدافها. ومن جهة أخرى، يجب تجنب تبني استراتيجية طموحة للغاية تُرهق الدولة وتُضعفها. يجب أن تضمن أي استراتيجية جديدة للأمن القومي، كحد أدنى، تحسين الوضع الاستراتيجي لإسرائيل مقارنةً بالوضع “الصفري” الذي كانت عليه عند تولي الحكومة السلطة.
وهذا يعيدنا إلى مناقشة التوجه الاستراتيجي لإسرائيل. فحتى لو سلمنا بمنطق ضرورة صياغة استراتيجية أمن قومي أكثر استباقية، فإن موارد إسرائيل محدودة لتحقيق ذلك. ورغم امتلاكها على الأرجح القدرات العسكرية والتكنولوجية اللازمة لتبني نهج إقليمي أكثر حزماً، إلى جانب الدعم الشعبي المحتمل والقدرة على الصمود، إلا أنها تفتقر إلى القوة الاقتصادية والسياسية اللازمة للاستمرار في نهج تصادمي طويل الأمد، ومن المرجح أن تتلقى دعماً أمريكياً محدوداً لدفع أجندة إقليمية توسعية.
ويقوم التوازن الداخلي على مواءمة المصالح والأهداف مع الموارد المتاحة، وعلى التوازن بين الثبات والمرونة في مواجهة التغيير. وبالنظر إلى الإنفاق الكبير على الحروب متعددة الساحات في السنوات الأخيرة، والذي استلزم زيادة في ميزانية الدفاع وتعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط، التي تُسهم في تنشيط الاقتصاد في أوقات الاستقرار، فإن إسرائيل تواجه قيوداً اقتصادية ومالية تجعل من الصعب عليها الاستمرار في تبني نهج إقليمي توسعي قائم على استعراض القوة.
علاوة على ذلك، وكما ينص القانون، يجب أن تتناول استراتيجية الأمن القومي الجديدة الشؤون الداخلية لإسرائيل. فإلى جانب القيود الاقتصادية، تتفاقم الانقسامات السياسية والأيديولوجية في المجتمع الإسرائيلي. وقد أدت محاولة الحكومة الحالية لتعزيز الإصلاحات القانونية والمؤسسية إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية. إضافة إلى ذلك، تتزايد معدلات الجريمة، لا سيما بين السكان العرب في إسرائيل، ويتعرض الحكم في النقب والجليل للتهديد. وتشكل هذه العمليات تهديداً استراتيجياً داخلياً للدولة.
يجب أن تُوجّه أي استراتيجية جديدة للأمن القومي نحو تعزيز قوة إسرائيل الداخلية ووحدتها وقدرتها على الصمود لمواجهة بيئتها الخارجية المعقدة والخطيرة بشكل أفضل. ويتطلب ذلك إيجاد التوازن الأمثل بين مصالح إسرائيل وأهدافها الداخلية والخارجية، وتخصيص الموارد اللازمة لتحقيق ذلك.
بناء آلية تقييم مستمرة
تُعد قدرة إسرائيل على التكيف مع الظروف المتغيرة أمراً بالغ الأهمية لأمنها ورفاهيتها في منطقة الشرق الأوسط المتغيرة باستمرار. لذلك، يجب أن تتضمن أي استراتيجية رسمية للأمن القومي القدرة على التعامل مع التغيير وتوفير المرونة اللازمة.
يُعدّ التعلّم الناشئ عنصراً بالغ الأهمية للنجاح الاستراتيجي، لا يقلّ أهميةً، بل قد يفوق، الالتزام بالخطة الاستراتيجية المعتمدة. لذا، يجب أن تراعي استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، ليس فقط تماسكها وأولوياتها وتوازنها، بل أيضاً آليات التعلّم الناشئة فيها، وقدرتها على إعادة صياغة عناصرها، أو حتى الاستراتيجية بأكملها
يتطلب هذا انفتاحاً من جانب صانعي القرار الإسرائيليين للسماح بإجراء تقييمات دورية لفعالية الاستراتيجية وتنفيذها. يمكن إجراء التقييم الاستراتيجي من أعلى إلى أسفل، بناءً على طلبات رئيس الوزراء و/أو مجلس الوزراء، أو من أسفل إلى أعلى، بناءً على التقييم المهني لفريق التقييم والتخطيط. وسواءً بدأ التعلّم المحتمل من أعلى إلى أسفل أو من أسفل إلى أعلى، ينبغي دمج التقييمات الدورية في عملية التنفيذ لضمان إعادة تقييم فعالية الاستراتيجية باستمرار.
الضعف المؤسسي
يعاني جهاز الأمن القومي الإسرائيلي حالياً من ضعف مؤسسي وتنظيمي. يعمل الجهاز بدون مدير دائم منذ ت1 2025، ولم يُعيّن رئيس جديد لمجلس الأمن القومي إلا مؤخراً، لكن الجهاز لا يزال يعاني من نقص حاد في الموظفين. غادر نائب رئيس مجلس الأمن القومي لتولي منصب جديد في وزارة الدفاع، ولا تزال مناصب أساسية أخرى شاغرة أو ستصبح كذلك قريباً.
بعد الانتخابات، سيواجه الرئيس الجديد لمجلس الأمن القومي تحدياً يتمثل في صياغة استراتيجية جديدة للأمن القومي والتنسيق مع الحكومة الجديدة، فضلاً عن تحدٍ تنظيمي داخلي لإعادة بناء المجلس. وبالتوازي مع تعزيز الجهاز، سيُطلب من مجلس الأمن القومي أيضاً قيادة التنسيق مع المنظمات الأخرى المعنية بهذه العملية.
تجنباً لعملية “القيام بالعمل الشاق”
تُتاح فرصة لصياغة استراتيجية للأمن القومي واعتمادها لأول مرة، مع تحديد المصالح والأهداف السياسية والأمنية لإسرائيل للسنوات القادمة بطريقة متماسكة ومُرتبة الأولويات ومتوازنة، تتضمن آليات للتعلم والتقييم. مع ذلك، ونظراً للتحديات التي ينطوي عليها هذا الجهد الشامل والتعاوني، وفي ظلّ التخبط الذي يشهده النهج الإسرائيلي العام وضعف مجلس الأمن القومي، فإنّ أول محاولة مؤسسية شاملة لصياغة استراتيجية رسمية للأمن القومي قد تفشل. وقد يتجلى هذا الفشل في صورة “نسخ ولصق” من وثائق التقييم الاستراتيجي القائمة و/أو توجيهات الحكومة السابقة. لذا، فرغم أن مجلس الأمن القومي سيقدم استراتيجية جديدة ظاهرياً للأمن القومي، إلا أنها ستُغفل الغاية المرجوة من القانون.
ولمعالجة التحديات التي تواجه صياغة استراتيجية للأمن القومي، يمكن اتخاذ عدة خطوات.
أولاً، ينبغي على رئيس مجلس الأمن القومي الجديد التنسيق مع الحكومة الجديدة لوضع آلية لتنسيق المواقف طوال عملية الصياغة. وينبغي أن يكون الحوار بين مجلس الأمن القومي والحكومة الجديدة بشأن تحديد مصالح إسرائيل وأهدافها مستمراً حتى يتم تحديدها نهائياً. بعد ذلك، ستنتقل صياغة الاستراتيجية إلى مرحلة عرض بدائل سياسية لتعزيز هذه المصالح والأهداف وتحقيقها.
ثانياً، في ضوء الضعف الحالي لمجلس الأمن القومي، ينبغي تعيين فريق من المهنيين ذوي الخبرة لمرافقة وتعزيز العمل على صياغة الاستراتيجية. سيرفع هذا الفريق تقاريره إلى رئيس مجلس الأمن القومي، وسيساعد في عملية التنسيق المهني مع الأجهزة الأمنية الأخرى، وسيسهم في تبسيط إجراءات التعاون
ثالثاً، إذا لزم الأمر، يمكن للحكومة الجديدة تمديد الموعد النهائي لتقديم وثيقة استراتيجية الأمن القومي لزيادة احتمالية استيفاء الاستراتيجية الجديدة، على الأقل، لمعايير التماسك، وتحديد الأولويات، والتوازن، والمراجعة والتقييم المستمر.
حزيران 2026، مركز بيغين السادات – بقلم العقيد د شمعون أراد
